لغز الساحرات.. كيف تحولت مطاردات الدم في العصور الوسطى إلى أيقونة للجمال المعاصر
تستعرض قناة RT في هذا التقرير المفصل كيف تغيرت النظرة إلى "الساحرة" عبر القرون، مستندة إلى رؤى الخبراء وتحليلات الفنون والآداب.
تحكي الموروثات الشعبية أنه في الليلة الفاصلة بين الثلاثين من أبريل والأول من مايو، تنفلت قوى الظلام من أسرها، وتعقد الساحرات تجمّعاتهن السرية في عالم الخفاء. عُرفت هذه الليلة بـ"ليلة فالبورغيس"، نسبة إلى القديسة فالبورغا، الراهبة المسيحية التي عاشت في القرن الثامن. وبحسب الأساطير، كانت الساحرات يتحلّقن فوق قمة جبل بروكن في ألمانيا، حيث تُقام الطقوس السرية في ظلام الليل.
في القرون الوسطى والعصر الحديث المبكر، لم يكن الإيمان بالسحر مجرد فولكلور يتناقله العامة، بل كان هاجسا حقيقيا يُلقي بظلاله على حياة النساء، إذ كانت تهمة الشعوذة كفيلة بأن تودي بصاحبتها إلى حتفها. وفي أوروبا، امتدت موجة اضطهاد الساحرات من أواخر القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من البشر.

حوريات السماء.. أسرار الطيور الأسطورية في الميثولوجيا الروسية
ومن أبرز ما أرسى دعائم هذا الاضطهاد رسالة أعدّها الراهب والمحقق هاينريش كرامر في نهاية القرن الخامس عشر، أسماها "مطرقة الساحرات"، وتضمّنت وصفا مفصّلا لعلامات السحر وأساليب الملاحقة. كانت صورة الساحرة آنذاك امرأة تتمرد على النظام الإلهي، وتعقد عهدا مع الشيطان، وتشارك في الشعائر الشيطانية، وتُمارس السحر الأسود. والغريب أن أي شيء كان كافيا للاتهام — خال على الجلد، أو ندبة قديمة، أو حتى جمال لافت.
ولكن، خلف هذه الطقوس الفلكلورية، تكمن رحلة تاريخية وفلسفية طويلة لصورة الساحرة تلك الشخصية التي تحولت من كائن منبوذ يُطارد حتى الموت في العصور الوسطى، إلى رمز للقوة الداخلية، والفردية، والجمال في عالمنا المعاصر.
الإبداع البصري في عصر الخوف
عكس فن تلك الحقبة هذا المناخ المشحون بالرعب. ففي القرن السادس عشر، أولع الفنان الألماني هانس بالدونغ غرين بموضوعات السحر والشياطين والعفاريت. ومن أبرز أعماله نقش "الساحرات الثلاث"، الذي يُصوّر ثلاث نساء في تقطيبات عجيبة.
وكان الجمال في حد ذاته تهمة كافية. فقد ارتبطت المرأة الجميلة بالإغواء والفتنة، في حين كانت الكنيسة ترى أن المرأة الصالحة إنما تتجلى في خيرها الداخلي لا في مظهرها الخارجي. ولعلّ ما يُجسّد ذلك لوحةُ ألبرشت دورر الشهيرة "الساحرات الأربع" في أواخر القرن الخامس عشر، التي تُصوّر ساحراتٍ عاريات فاتنات، وإن ظلّ المعنى الحقيقي لهذا العمل موضع جدل بين الباحثين، إذ يراه بعضهم رمزا للخطيئة بنفَس أسطوري يوناني.
وفي أواخر القرن الثامن عشر، رسم الإسباني فرانشيسكو غويا في لوحته "رحلة الساحرات" كائناتٍ مقلقة تحوم في الفضاء وتلتهم ضحاياها، وإن رأى بعض المحللين في هذه الصور استعارة عن الجهل الإنساني والخوف والخرافة.
العرّافات والكاهنات في الموروث السلافي الشرقي
في الوجدان الجمعي للشعوب السلافية الشرقية، كانت الساحرة تُعدّ امرأة "عارفة"، أي مُلمّة بمعرفة خاصة وقادرة على التأثير في الطبيعة وصحة الإنسان وغلة الأرض. لذا لجأ إليها الناس أحيانا طلبا للنصيحة أو الاستئناس بحكمتها. وتفاوتت المسمّيات من منطقة إلى أخرى: العرّافة، والمُنجّمة، والكاهنة.
وقبل اعتناق الروس المسيحية عام 988م، كانت الساحرة موضع تبجيل مشوبٍ بالحذر في آنٍ معا.
وقد أشارت الأستاذة في جامعة موسكو التربوية والمتخصصة في الفيلولوجيا، الدكتورة إيرينا رايكوفا، في حديثها مع وسائل الإعلام عن السحرة في روسيا:" كان السحرة — ذكورا وإناثا على حدٍّ سواء — يُنظر إليهم لا باعتبارهم قوى شيطانية، بل بوصفهم بشرا يمتلكون علما استثنائيا. وقد تُنسب إليهم صلات بإبليس، لكنهم يبقون في النهاية بشرا. ولذلك نجد في أدبنا صورا جذّابة للغاية، لا العجائز الشريرات ذوات الأنوف المعقوفة وحدها. انظر مثلا إلى "سولوخا" في قصة غوغول "ليلة عيد الميلاد" — كانت فاتنة ومحبوبة".
ومع ازدياد النفوذ الكنسي، بات الموقف من ممارسات السحر أكثر حذرا، لكن وعلى النقيض من أوروبا الغربية التي عرفت اضطهادا منظّما واسع النطاق، لم تشهد روسيا موجة مماثلة من الملاحقات الجماعية.
أفول الرعب وبزوغ السحر الجميل
في القرن التاسع عشر، بدأت صورة الساحرة تكتسب بهاء آسرا. وكان لفناني الحركة الرافاييلية الأولى الأثر الأعمق في هذا التحوّل. فبدل أن يُثير وجود الساحرة في أعمالهم الرعبَ، بات يستدعي الافتتان.
ففي أعمال الفنان البريطاني جون ويليام ووترهاوس، مثل لوحتي "الدائرة السحرية" و"الكرة البلورية"، لم تعد الساحرة تثير الخوف، بل أصبحت رمزا للتأمل والغموض والجمال الملهم.
من الاضطهاد إلى التحرر: السحر في خدمة النضال النسوي
في أواخر القرن التاسع عشر، نشأت قراءة جديدة تربط صورة الساحرة بالنضال الجندري. فقد رأت الناشطة الأمريكية ماتيلدا غيدج أن محاكمات السحر لم تكن محض ظاهرة دينية، بل كانت شكلا من أشكال اضطهاد المرأة الممنهج وإسكات حضورها في الفضاء العام. وفي كتابها "المرأة والكنيسة والدولة"، استخلصت أن الملاحقات القضائية للساحرات المزعومات كانت على مرّ القرون وسيلة لإخماد المرأة وقمع كيانها وذكائها.
ومن اللافت أن أفكار غيدج وجدت صدى لدى صهرها الكاتب الأمريكي الشهير لايمان فرانك بوم، الذي نشر عام 1900 رائعته "ساحر أوز العجيب"، تلك القصة التي يتعايس فيها الشر والخير معا في صورة الساحرة الشريرة والساحرة الطيبة. ويذهب بعض الباحثين إلى أن العمل برمّته يمكن قراءته بوصفه استعارة أدبية عن أفكار غيدج في حقوق المرأة.
وفي منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، ابتكرت الكاتبة البريطانية بامیلا ترافيرس شخصيةَ ماري بوبينز — تلك المربية ذات القدرات الخارقة التي لا تُوصف بالساحرة صراحة، لكنها تجسّد في صميمها سحرا منيرا ينبثق من الخير والحنان. ثم جاءت سلسلة هاري بوتر لـجوان رولينغ في أواخر القرن العشرين لتُرسّخ نهائيا ثنائية الساحر الخيّر والساحر الشرير، في ملحمة تجعل انتصار الخير على الشر قضيتها المركزية.
الساحرة على الشاشة: من الأيقونة إلى الإنسان
حفلت الشاشة بصور الساحرات المتجدّدة. ففي المسلسل الخالد "سابرينا الساحرة الصغيرة"، تظهر الفتاة الشابة فضولية طيبة مشاغبة بعض الشيء، تتعلّم تسخير قدراتها في خدمة الخير. وفي مسلسل "المسحورات" تستيقظ ثلاث شقيقات فجأة على مواهب سحرية لا يترددن في توظيفها لمحاربة الشر وحماية الإنسان.
بل إن الشريرات أنفسهن لم يسلمن من إعادة القراءة. فقد قدّم فيلم "مالفيسنت" عام 2014، بالنجمة أنجلينا جولي في الدور الرئيسي، الحكايةَ من زاوية مغايرة: ساحرةٌ لعنت الأميرة النائمة، غير أن الفيلم يستجلي خلفيتها المأساوية ودوافعها العميقة، ليكشف أنها ليست تجسيدا نقيا للشر المطلق، بل كائن يحمل في داخله بذور الرأفة.
من الهالووين إلى جماليات "ويتشكور"
باتت صورة الساحرة اليوم جزءا لا يتجزأ من الثقافة الشعبية. وفي موسم الهالووين تحديدا، لا تزال الساحرة تتصدّر قائمة أكثر الأزياء شيوعا حول العالم — مع القبعة المدبّبة والرمادي والأسود والماكياج الغامق. كما تسرّبت جمالية السحر الغامض إلى عروض الموضة وتطبيقات التواصل الاجتماعي، حيث تجلّت في تيار ويتشكور ذاك الأسلوب المستوحى من الغموض والمعرفة الباطنية، بألوانه الداكنة وشموعه وكريستالاته وأوراق التاروت ودوافعه الطبيعية.
وتؤكد الدكتورة رايكوفا أن الإيمان بالقدرات الخارقة لم يتلاشَ في القرن الحادي والعشرين، وإن تبدّل شكل التعبير عنه: "أصبح الجمهور — قراء ومشاهدين على حدٍّ سواء — مفتونا ليس بالجانب الشرير في الشخصية فحسب، بل بالأسباب التي جعلتها على ما هي عليه. فحتى الشخصيات الشريرة تقليديا باتت تُقرأ بعينٍ أكثر إنسانية. انظر إلى شريك — فهو في الأصل عملاقٌ آكل للبشر في الميثولوجيا الأوروبية، لكنه في الفيلم الكرتوني يظهر طيّب القلب ذا عالم داخلي ثري. والأمر نفسه ينطبق على مصّاصي الدماء — باتوا أكثر رومانسية وجمالية وحضورا إنسانيا".
وتمتد هذه الموجة إلى الثقافة الروسية. فـبابا ياغا — تلك العجوز الشريرة الأسطورية — تتلقّى هي الأخرى إعادة تأويل شاملة:" في السينما المعاصرة، باتت بابا ياغا شخصية مركّبة: ساخرةٌ أحيانا، حكيمة أحيانا أخرى، تحمل قصتها الخاصة وصراعها الداخلي. ففي فيلم "البطل الأخير" مثلا، لم تعد ذلك الشر الأحادي الوجه، بل تقف في نهاية المطاف إلى جانب الخير. والموروث الشعبي يُشير إلى أن الساحرة كانت قادرة على تغيير هيئتها، ومن هنا تظهر في التفسيرات الجديدة أكثر شبابا وجاذبية مما عهدناها"
هكذا تتواصل رحلة الساحرة عبر الزمن — من وصمة الخوف والنار إلى رمز للعمق الإنساني والقوة الداخلية، كاشفة في كل مرحلة عن وجهٍ جديد من وجوه الإنسان في مواجهة ما يجهله ويخشاه.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
رمزية الذئب في الحكايات الروسية.. من مفترس مخيف إلى حليف منقذ
يمثّل الذئب في الحكايات شخصية معقدة تتجاوز كونه مجرد مفترس؛ فهو كائن مزدوج الطابع، يظهر تارة كتهديد للبطل، وتارة أخرى كمنقذ وسند له في أشد المواقف.
سمكة الكراكي.. حارس الأسرار والرابط الروحي في الفلكلور الروسي (فيديو)
تتمتع سمكة الكراكي بمكانة محورية في التراث الشعبي الروسي، وهذا يعود في المقام الأول إلى انتشارها الواسع كسمكة مفترسة كبيرة، ما جعلها حاضرة بقوة في الوجدان الشعبي.
من شوارع القرى إلى ذاكرة التاريخ.. حكاية "رجل الدب" في روسيا القيصرية
تُجسّد ظاهرة "رجل الدب" إحدى الممارسات التاريخية في روسيا القيصرية، حيث عكست ملامح الترفيه الشعبي من خلال امتزاج فنون المسرح الجوال بتقاليد القرى وقسوة ترويض الحيوانات.
كيف تحوّل الإله الروماني "كيوبيد" إلى صقر يحلق في سماء الحكايات الروسية؟
أسرار "الرابط المحرّم" وملحمة العشق التي جسدت جسرًا سحريًا يربط بين ميثولوجيا الرومان والموروث الشعبي الروسي الأصيل.
التعليقات