الأرشيف السري للشخص الذي شق الطريق أمام البشرية إلى الفضاء

الفضاء

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/rb6w

من هو الشخص الذي بفضله شقت البشرية طريقها إلى الفضاء؟ لماذا بقي اسم هذا الشخص سريا حتى في الاتحاد السوفيتي؟ لماذا تم اتهامه بالخيانة والعمالة للغرب والتخريب المتعمد وسجنه وما الذي أثر في إطلاق سراحه؟ كيف تحول هذا السجين إلى إحدى أكثر الشخصيات نفوذا في الاتحاد السوفيتي؟ تأتيكم الأجوبة في هذه الحلقة من البرنامج.

خالد 1 

دكتور مرحبا!

كوروليوف 1 

طاب يومكم. 

خ 2 

يسرني أن نلتقي مجددا.

ك 2 

وهذا من دواعي سروري أيضا....

خ 3 

بودي أن نبدأ باقتباس من إحدى رسائل جدك إلى المسؤولين في النيابة العامة. ولكن قبل ذلك أرجو من المخرج والزملاء الفنيين تصوير ضيفنا عن قرب... أريد أن يرى المشاهدون عينيك وأنت تستمع لهذا الاقتباس. جاء في تلك الرسالة ما يلي: "ألتمس منكم كنيابة عامة إعادة النظر في قضيتي لأن إدانتي غير صحيحة، فأنا لست مذنبا البتة في ما وجه إلي من اتهامات. لقد اعتقلت في الوقت الذي كان يشهد نجاحا ملحوظا في عملي الممتد سنين عديدة، ومع ذلك أرغمني المحققان في القسم السابع- شيستاكوف وبيكوف- على توقيع إفادات ملفقة مستعملين في ذلك الضرب واشكال التعذيب الأخرى. لقد سجلت احتجاجي على ذلك خطيا ثلاث مرات. وتوجهت برسالة إلى يجوف أيضا. ولكن المحكمة أصدرت حكمها عليَّ بالسجن عشر سنوات دون أن تنظر في قضيتي عمليا. والنتيجة.. أنا بريء حُكم ظلما. والغريب أنني اتُهمت بارتكاب جريمة في قضية هي هدفي في الحياة وأنا الذي توليتها كتجسيد لأفكار عالمنا قسطنطين تسيولكوفسكي. لقد كُفت يدي عن العمل وهو في مرحلة تطوره الناجح فتوقف نتيجة اعتقالي واعتقال فالنتين غلوشكو رئيس أحد أقسام "معهد الأبحاث العلمية للمحركات النفاثة". وهذا ما ألحق الأذى بالاتحاد السوفيتي لأن تلك الأعمال في غاية الأهمية والضرورة. أرجو منكم إعادة النظر في قضيتي.. وأؤكد أنني مستعد وقادر أن أثبت صحة جميع التقارير والمعلومات".

ك 3 

 نعم.

خ 4 

كان هناك عدد كبير جدا من هذه الرسائل. ولم يكن جدك سيرغي كوروليوف الوحيد الذي خاطب المسؤولين خطيا. لقد فعلتْ ذلك قرينته ووالدته إن لم تخني الذاكرة... كثيرون حاولوا إنقاذه.

ك 4 

نعم.. والدته كتبت رسائل إلى المسؤولين... وكتب أيضا ميخائيل غروموف و فالنتينا غريزودوبوفا.

خ 5 

بالمناسبة.. هل كان لالتماسات الطيارة الشهيرة غريزودوبوفا تأثيرٌ ما؟ 

ك 5 

في الحقيقة.. ثلاثة أشخاص أنقذوا جدي من الحبس.. وهم: والدته ماريا في المقام الأول.. ثم طياران شهيران جدا كان كوروليوف صديقا لهما وحلّق معهما في القرم على الطائرات الشراعية.. هما طيار القطب ذائع الصيت الجنرال ميخائيل غروموف بطل الاتحاد السوفيتي المدلل عند السلطة.. والطيارة فالنتينا غريزودوبوفا حائزة لقب بطل الاتحاد السوفيتي أيضا. امرأة جميلة.. وكانت نائبةٌ في مجلس السوفيت الأعلى. وهي الأخرى كانت تحظى بحب كبير عند الحكومة السوفيتية. كان هؤلاء على قدر كاف من الشجاعة ولذلك لم يألوا جهدا في تسطير الرسائل دفاعا عن كوروليوف علما بأن ذلك كان يعدُّ مجازفة خطيرة. وعلى أية حال.. بفضل مساعيهم أعيد كوروليوف من منفاه في مناجم الذهب في كوليما.. ولكن لم يطلق سراحه، بل وجهت إليه تهمة أخرى أودع بموجبها سجنا خاصا يتبع لمفوضية الشعب للشؤون الداخلية.. فبقي ست سنوات أخرى قيد الاعتقال.

خ 6 

حكم عليه بالسجن عشر سنوات أمضى منها ست سنوات سجنا فعليا.. أليس كذلك؟ 

ك 6 

نعم 10 سنوات مع تجريده من حقوقه القانونية والمدنية مدة خمس سنوات. أما بعد كوليما فقد حكم عليه بالسجن ثماني سنوات. ولذلك لم يكن الفرق كبيرا.

خ 7 

في عام 1944 أُفرج عن كوروليوف قبل انتهاء مدة حكمه. فأُرسل إلى العمل في "مكتب تصميم واختبار المحركات النفاثة ". وكان أشبه بنظام السجن. كان رئيس المكتب العالم المعروف والسجين السابق فالنتين غلوشكو. وضع غلوشكو قائمة بأسماء الخبراء الذين كان بحاجة إليهم ليتم الإفراج عنهم من طرف السلطات. ورفعت القائمة إلى ستالين للموافقة...

ك 7 

 نعم. 

خ 7 

... وكما وقع ستالين على قائمة الإعدامات وقع هذه المرة على قائمة الإفراج. ولكن في عام 1944 بدأ إطلاق سراح المصممين البارزين من السجون بغية تنفيذ خطة الدولة الخاصة بتطوير التقنيات الصاروخية بعد أن تأكدوا من أهميتها؟ وفي هذا الوقت كان الجيش الأحمر قد بدأ بالتقدم في أوروبا الشرقية وبات واضحا أن الحرب على وشك أن تضع أوزارها. 

ك 8 

بالفعل أدرك المسؤولون أن الاتحاد السوفيتي تخلف عن الولايات المتحدة في مجال تقنيات المستقبل.. أقصدُ  صناعة الصواريخ. هذا طبعا دليل على شيء من قصر النظر عند الحكومة. لقد تطلب الأمر ست سنوات- ابتداء من عام 1938- كي تدرك القيادة السوفيتية أخطاءها. قبل ذلك ساد الاعتقاد بأن امتلاكك كمية أكبر من السلاح بغض النظر عن نوعه يجعلك لاعبا أكثر أهمية على الحلبة الدولية.

خ 9 

أي عامل الكم. 

ك 9 

عامل الكم  بالضبط. ولكن في عام 1944 برز في محيط ستالين أشخاصٌ يدركون أن المستقبل للصواريخ المجنحة والطائرات النفاثة.

خ 10 

أي بعد أن قصف الألمان  لندن بعشرة صواريخ "فاو-1" صيف عام 1944 ؟ 

ك 10 

بعد قصف لندن بأول صواريخ مجنحة أدرك الجميع أهمية هذه الصواريخ.

خ 11 

لوصولها إلى مسافات بعيدة 

ك 11 

بالتأكيد.

خ 12 

وهذا كان سبب العفو؟

ك 12 

لم يكن عفوا... فتشكيل مكتب للتصميم كان حالة اضطرارية. وكان يعمل فيه قسرا أشخاصٌ مدانون بأحكام قضائية.

خ 13 

بالفعل الإعفاء كان دون رد الإعتبار. 

ك 13 

تم رد الاعتبار لجدي بعد عشر سنوات من بدء العمل في مكتب التصميم.. 

خ 14 

 في عهد خروشوف؟

ك 14 

... نعم.. أي بعد سنين عديدة. لسخرية القدر كان كبير المصممين.. ولكن لم يتم الإقرار بأنه بريء. تقدم مرارا بطلبات للإقرار ببراءته. وفي نهاية المطاف جاء رد الاعتبار قبل ستة أشهر من إطلاق أول قمر اصطناعي إلى مدار حول الأرض في عام 1957. وقبل ذلك رسميا- بحسب الوثائق- كان كوروليوف يعد مجرما. ولأنه كان قوي الروح المعنوية استطاع أن يجمع حوله أشخاصا أقوياء من طينته بعد أن بات مسؤولا عن المشروع الفضائي. وهذا بالمناسبة سر نجاحات سيرغي كوروليوف. وبفضل قوته الكبيرة- معنويا وأخلاقيا وذهنيا- جمع حوله خبراء واختصاصيين كان كل واحد منهم يشرف على عمله بجدارة ومقدرة. كان هناك من يتحمل مسؤولية الصواري التي تسند الصواريخ، وآخر يهتم بمنظومات التحكم، وثالث يشتغل على منظومات الإطلاق... وهكذا دواليك. 

خ 15 

أود أن ألتقط فكرتك وأسأل كيف يمكن للمرء أن يبقى متحمسا ومخلصا لتلك المنظومة التي وضعت الناس في ظروف مذلة كهذه.. ولم تكن تثق بخبرائها؟

ك 15 

لا ينبغي الخلط بين المخلص للنظام  والمخلص لقضيته.. فالأمران مختلفان تماما.

خ 16 

نعم.. هذه فكرة هامة.

ك 16 

يجب عدم الخلط بين هذين الأمرين - النظام والوطن أمران مختلفان. 

خ 17 

 نعم. هذا منطقي.

 

ك 17 

سأعطيك مثلا.. أنت تتقدم باتجاه البحر، فتواجهك موجة كبيرة عاتية. فما هي احتمالات التصرف أمامك؟ أول احتمال أن تقف أمام الموجة وتواجهها رغم معرفتك أن موجة ثانية ستعقبها ثم ثالثة.. وهلمجرا. هذا حل.. ولكن ثمة حل آخر. أي ابتداع وسيلة ما بسرعة لركوب هذه الموجة واستخدام طاقتها الهائلة لحل مهامك. على هذا النحو تحديدا تصرف سيرغي كوروليوف. كان يعي أن التحليق إلى الفضاء يتطلب عمليا تعبئة الصناعة كلها في بلد ضخم. والأفضل تعبئة جزئها الأقوى. فما هو الجزء الأكثر جبروتا من الصناعة آنذاك؟ إنه الصناعة الحربية. ولذلك كان يجب أولا إثارة اهتمام العسكريين بالمشاريع الواعدة. هكذا بدأ العمل على إقامة الصناعة النووية العسكرية. هنا كان كوروليوف وصحبه يدركون أن الصاروخ الذي قد يحمل شحنة نووية سيأتي الوقت بحيث يستعمل لأغراض سلمية، ويكون بالإمكان إطلاقه إلى مدار حول الأرض وحتى لإيصال إنسان إلى هناك. انخرطت صناعة الاتحاد السوفيتي فعلا في العمل لصنع مثل هذا الصاروخ الفريد. وفي مجرى هذا العمل كان كوروليوف يدرك دائما أنه سيعيد تشكيل الصاروخ باتجاه الأغراض السلمية.. لغزو الفضاء. ولكن إذا نظرنا إلى رسوم قسطنطين تسيولكوفسكي الذي كان جدي مولع بأفكاره فمنذ ثلاثينات القرن العشرين فكان يحلم ويفكر بمشاريع تخص تحليق الإنسان إلى الفضاء.

خ 18 

و جدك حقق أحلامه.

ك 18 

صحيح.. هناك تسجيلات بصوته يبين فيها لماذا يجب على البشر أن يحلقوا إلى الفضاء، ولماذا يجب أن تُرسل إلى الفضاء مركبتان لا مركبة واحدة.. وما الغاية من القيام بالالتحام  بين مركبتين والانتقال من واحدة إلى أخرى. كان يقول إن الشخص الذي يحلق على مركبة فضائية لا بد له من اتقان الخروج إلى الفضاء المفتوح مثلما لا بد من إتقان السباحة للبحارة المتوجهين إلى المحيط. كان كوروليوف على يقين بضرورة إقامة محطة فضائية في مدار حول الأرض ومثلها في مدار حول القمر، وبحتمية البدء من المحطة المدارية حول القمر تحديدا لاستكشاف تابع الأرض هذا. وفي ما بعد كان واثقا أن البشرية يجب أن تحلق إلى كواكب أخرى. وهكذا، أرسلت في حياة كوروليوف مسبارات بحثية إلى كل من القمر والزهرة والمريخ.

خ 19 

وهل كان يخطط لإرسال إنسان إلى القمر؟

ك 19 

لقد خطط لذلك. وتم صنع الصاروخ الجبار N-1 . ولكن جميع محاولات استعماله لم توفق، للأسف.. إذ كان ذلك بعد وفاة كوروليوف. أما المسؤولون عن المشروع من بعده فكانت تنقصهم الجرأة لمواصلة التجارب، وبذلك توقف البرنامج نهائيا مع العلم أن هذا الصاروخ كان قويا جدا وجاهزا للتحليق إلى القمر.

خ 20 

تقصد أن تطور الملاحة الكونية وعلم الفضاء كان من المحتمل أن يتخذ مسارا آخر لولا وفاة جدك المأساوية عام 1966 وهو في التاسعة والخمسين من عمره؟

ك 20 

لولا ذلك لسارت أمور كثيرة على نحو آخر ..هذا مؤكد كما أشار جميع الباحثين ورواد الفضاء ونواب سيرغي كوروليوف ورفقائه، فشخصيته كمصمم لعبت دورا كبيرا في مجمل ذاك العمل.

خ 21 

لماذا؟ هل لأن كوروليوف لم  يخش المجازفة.. ولم يتهيب تحمل المسؤولية؟

ك 21 

تماما.. هذا صحيح. لم يكن يخشى أن يأخذ على عاتقه مسؤولية القرارات الخطيرة. إليك مثالا ... حصل الموقف في جلسة اللجنة التقنية الكبرى حيث جرت مناقشة طرق الإنزال على سطح القمر وحساباتها وكان بلدنا قد حصل على صور للجانب الآخر من القمر، ولكن لم يكن قد نزل على سطحه أي جهاز من الأرض. ولذلك لم تكن معروفة طبيعة سطح القمر إذ كان من المتعذر الجزم بذلك من خلال الصور. وكان يجب حساب سرعة هبوط الجهاز على سطح القمر وغير ذلك من البيانات الضرورية للهبوط. كان الباحثون  يتساءلون: ماذا يوجد هناك.. غبار؟ صخور؟ حصى؟ .. أو أشياء أخرى؟ كان كوروليوف يؤكد أن الدراسات يجب أن تنجز مع الأخذ بالاعتبار أن سطح القمر صلب جدا. ردا على ذلك توجه إليه أحد الخبراء بالسؤال التالي: "ولكن يا سيد كوروليوف.. ليست لدينا أية وثيقة تؤكد أن السطح هناك صلب تماما". عندئذ تناول كوروليوف قلما أحمر وكتب على ورقة العبارة التالية: "سطح القمر صلب تماما. يُحسب الهبوط على سطحٍ من نمط الحجر البركاني... السرعة العمودية صفر. الميلان الجانبي بدرجة صفر". ثم سجل التاريخ.. ووضع توقيعه، وناول الورقة لذاك الشخص قائلا: "هل تناسبكم وثيقة كهذه؟". أجاب الشخص المذكور بالقول: "نعم. الآن اختلف الأمر". وبالفعل  تبين لاحقا أن كل شيء كما توقع كوروليوف. فسطح القمر صلب تماما يشبه بنية تركيب الحجر البركاني.. ولهبوط  الجهاز عليه يجب أن تكون السرعة العمودية صفر. وبناء على هذه الحسابات تحديدا هبطت في سبتمبر عام 1959 على القمر محطة "لونا-2" السوفيتية الأتوماتيكية والتقطت أولى الصور لسطحه.

خ 22 (7 сек)

هل تربط بين وفاة جدك المبكرة والتعذيب الذي تعرض له أثناء الاستجواب؟

ك 22 (16 сек)

نعم.. بما لا يقبل التأويل. هذا سبب غير مباشر. وللأسف، بعض محققي مفوضية الشعب للشؤون الداخلية في فترة يجوف كانوا ساديين حقيقيين إذا سمينا الأشياء بأسمائها. لقد كسروا فك جدي السفلي وعموده الفقري العنقي.

خ 23 (7 сек)

أنت جراح، ولذلك توجهت إليك بهذا السؤال. فبإمكانك تقييم الآثار الناجمة عن إصابات كهذه.

ك 23 (49 сек)

 نعم.. لقد أصيب جدي بكسر في الفك السفلي وفي العمود الفقري العنقي.. ولذلك كان دائما يمشي محني الظهر وكأنه يميل إلى الأمام وينظر مقطب الحاجبين. في ذاك اليوم الذي حُدد لإجراء العملية حدث خطأ طبي للأسف الشديد. افترض الأطباء أن العمل الجراحي لورم صغير ولكن اتضح في مجرى العملية أن هذا التشخيص لم يكن صحيحا.. وكان لا بد من عملية أكبر وتخدير أعمق. ولذلك كان ينبغي اللجوء إلى أنبوب تنفس يوضع في الحنجرة ولكن تعذر وضع هذا الأنبوب لتعذر فتح الفم على اتساعه بسبب الفك المكسور إثر الاستجواب.. كما تعذر حني الرأس إلى الوراء بسبب إصابة العمود الفقري. في حقيقة الأمر حدثت الوفاة نتيجة العامل الطبي.

خ 24 

أي أن مرضه لم يكن خطيرا، ولكن تصادفت ظروف على نحو مأساوي؟ 

ك 24 

هذا صحيح تماما.. ولو كان التشخيص صحيحا على الأقل لكان بالإمكان إيجاد مخرج ما من هذه القضية... ولكن للأسف لم يحدث ذلك. 

خ 25  

سأعود إلى الاقتباس مرة أخرى:

 "15 من ديسمبر 1941 يوم مشهود. فأول طائرة من طراز "تو-2".. كانت جاهزة للتحليق التجريبي". 

بهذا الخصوص لدي السؤال التالي: كيف يمكنك أن تصنع طائرة وأنت في مكتب التصميم في ظروف السجن؟ فصنع طائرات حربية يتطلب إجراء تجارب ميدانية كالتحليق وسواه، والحضور إلى المطارات وغير ذلك. لعل من العجائب أن المصمم توبوليف وجدك وغيرهما من المصممين عملوا على صنع طائرات حربية وهم قيد الاعتقال.. في السجن... كيف يمكن ذلك؟ 

ك 25 

جميع هؤلاء كانوا موقنين من جدوى أفكارهم ومشاريعهم.. وكانوا يرون أن مبرر وجودهم يكمن في صنع الطائرات والصواريخ حتى أنهم كانوا مستعدين للعمل في أي ظرف. كان ذلك مخرجا مدهشا من تلك الحالة المريعة. وفعلا، ماذا كان بوسع هؤلاء أن يفعلوا غير ذلك، وهم الذين زج بهم في المعتقلات دون تقديم تهم.. أو بتهم لا يقبلها العقل مطلقا؟ 

خ 26 

كلا... التهم كانت محددة تماما.

ك 26 

حتى أن كوروليوف كان يُعدُّ مخربا.

خ 27 

إنها تهم العمالة. 

ك 27 

ولذلك اضطر للعمل رغم النظام والبحث عن متنفس معنوي أخلاقي من شأنه أن يتيح له الابتعاد عن تأثير النظام. وكانت أعمال التصميم هذا المتنفس.

خ 28 

ولكن المصمم كان ينبغي حتما أن يرى بنفسه كيف تقلع وتحلق الطائرة، وأن يتلمس كل شيء.. هذا أمر طبيعي.

ك 28 

في مكاتب التصميم حيث كان يعمل جدي.. كان السجناء ينقسمون إلى مجموعتين، في إحداهما يعمل مهندسون لا يغادرون مكتب التصميم مطلقا. وفي الأخرى كان يعمل اختصاصيون يحق لهم مغادرة حدود هذه المؤسسة. هؤلاء المهندسون كانوا يعملون نهارا مع المصممين الكبار المعتقلين.. يسجلون معهم الحسابات والخلاصات ويضعون خطط العمل ثم يغادرون بمهمات إلى المطارات وورشات المصانع حيث يتابعون سير العمل بناء على المخططات. وأولئك المصممون أمثال جدي ومهندس الطيران الشهير أندريه توبوليف لم يكن لهم الحق بتجاوز حدود المكتب وغرف معيشتهم. واقعيا كان ذلك عمل سخرة عبودية... ولكن يبدو لي أنه كان من الغريب التعويل على أن العمل العبودي سيؤتي أكله ويسفر عن نتائج جيدة. 

خ 29 

ولكن المنافحين عن ستالين يقولون إن النتائج كانت ممتازة.  أول تحليق إلى الفضاء.. وصنع قنبلة نووية.. وكل هذا رغم السنوات الصعبة لفترة ما بعد الحرب. ويضيف هؤلاء أن كل ذلك جرى بفضل ستالين وقيادته الحكيمة. وشاعت جدا تلك العبارة التي تقول إن ستالين "استلم بلد المحراث اليدوي وسلم بلدا يملك القنبلة النووية".  

ك 29 

طبعا، وأمثال هؤلاء موجودون الآن... فهم لم يقبعوا في السجون الستالينية .. ويبدو لهم من بعيد أن كل شيء كان رائعا وسهلا. نحن جمعيا معجبون بالقصور الرومانية التي شيدها العبيد.. وبالأهرامات المصرية أيضا، دون أن نفكر أن بناء الأهرامات كلف حياة عشرات الآلاف.. وربما مئات الآلاف من البشر. كثير من الأمور طبعا، ترى بمنظار آخر مختلف مع مرور الزمن. ولكن وجود أناس أبرياء في ظروف السجن الجهنمية لا يمكن أن نبرره بشيء.

خ 30 

أي أنك من أنصار الفكرة القائلة إن كل ذلك قد أنجز لا بفضل النظام، بل رغما عنه؟

ك 30 

هكذا بالضبط.. بالرغم عن النظام. 

خ 31 

طيب, اقتباس آخر

ك 31 

حسنا. 

خ 32 

كيف كانت معاملة سيرغي كورليوف بعد وفاة ستالين. أنا أميز بين المراحل الزمنية.. أفصل بينها لأنني تواصلت مع أشخاص عملوا مع جدك مباشرة. وأجريت مقابلة مع أحدهم في هذا المبنى.

32 

مع بوريس تشيرتوك.. صحيح؟

خ 33 

نعم.. مع المصممين الكبيرين بوريس تشيرتوك، وأوليغ إيفانوفسكي. على أية حال لم يكن لهما من النظام موقف راديكالي كموقفك. لم ألمس من جانبهما انتقادا صريحا. حتى أنهما كان يشعران بالحنين إلى الحقبة السوفيتية. قالا أن الانضباط  كان صارما.. وكان ثمة قدر أكبر من الروح الوطنية فضلا عن إيمان ما بمستقبل مشرق. ما موقفك من رأيهما بخصوص الماضي، وقولهما إن الإيديولوجيا كانت تشحنهم بحوافز إضافية؟  

ك 33 

كلا، كلا...ها أنت مرة أخرى تخلط بين مفاهيم مختلفة. بين الشغف بالملاحة الفضائية وحب السلطة القائمة. 

خ 34 

كلا أبدا.. أنا أتكلم عن تلك الإيديولوجيا التي كانت تسعى إلى إقناع الجميع بأن النهج السياسي بالذات، لا حاكم ما بعينه، هو الصحيح والأكثر تقدمية من النظام الرأسمالي- على سبيل المثال.

ك 34 

لا أستطيع أن أوافق على ذلك... ولكنني - بصراحة وصدق- أعتقد أن جميع أولئك الأشخاص كان تفكيرهم بنظام البلد السياسي أقل أهمية من تفكيرهم بتحليق صاروخ محدد.. ذي مهمة محددة. فبمَ تميز سيرغي كوروليوف إيجابيا عن جميع مسؤولي البرامج الفضائية الآخرين؟ وعلى أي أساس ترسخت سمعته؟ كان ينشد هدفا واضحا ومحددا جدا. لقد أعد التصاميم والخطط لتطوير الملاحة الكونية للعديد من السنوات القادمة. من هذا المخطط لم ينفذ حتى اليوم سوى نصفه. 

خ 35 

لقد رسم تلك الخطط بالتفاصيل مفترضا أنها ستنفذ في حياته؟

ك 35 

 صحيح تماما.

خ 36 

أم أنه خطط للمستقبل البعيد؟ حتى  به بعد رحيله عن هذا العالم؟

ك 36 

أنا على ثقة بأنه كان ينظر إلى جميع هذه المسائل نظرة أوسع. حين سطر تلك الخطط كان له من العمر أربعون عاما أو أكثر بقليل. كان يعي أنه سيسعى لإنجاز أكبر قدر ممكن، وما يتبقى سيُنجز من بعده. لم يضع لنفسه أية مواعيد أو أطر زمنية. ولكن المخطط الذي بموجبه بدأت تتطور ملاحتنا الكونية كان بمنتهى الدقة والوضوح. وكل من عمل مع كوروليوف كان عنده أيضا مخطط واضح ودقيق لما يجب القيام به.. ومن أجل ماذا.. وما هي النتيجة المتوخاة.. فعلى سبيل المثال، قبل فترة وجيزة أُطلق مسبار فضائي إلى المريخ. استغرق التحضير لإطلاق هذا المسبار ست سنوات. الاستعدادات المنهجية استغرقت خمس سنوات. بينما لم تستغرق عملية الإطلاق سوى سبع دقائق. أتتصور!!!.. وكل ذلك من أجل الدقائق السبعة تلك. وجميع المشاركين في العملية لم يكونوا على علم إن كان ثمة مغزى أم لا من سنوات عمرهم الست تلك وهل سيتكلل عملهم بالنجاح أم لا. 

ح 37 

أو هل ستتكلل بالنتاج مساعيهم لإرسال أول إنسان إلى الفضاء...أقصد تحليق غاغارين

ك 37 

تماما. هذا مثال صحيح.. في محله بالضبط.

خ 38 

استغرقت مسيرتهم نحو تلك اللحظة سنوات عديدة.

ك 38 

صحيح تماما... عملوا عقودا من الزمن. وقاموا بكل ذلك لكي يدور إنسان حول الكرة الأرضية لمدة مئة وثماني دقائق، وليهبط سليما معافى ويخيف نسوة في الحقل ظننّ أن كائنا فضائيا في بدلة برتقالية اللون قد هبط إليهن. 

خ 39 

هل كان اختيار غاغارين كأول رائد فضاء قرارا شخصيا من كوروليوف أم كان قرارا جماعيا لا يخلو من صبغة سياسية؟

ك 39  

أعتقد أن ذلك كان حصيلة عدة عوامل مجتمعة. وكان ذلك إلى حد كبير خيارا شخصيا من كوروليوف ولكنه قرار قائم على معايير موضوعية تماما. انتُقيَ فصيل رواد الفضاء الأول من بين طياري المقاتلات. كان يجري اختيارهم بناء على جملة كاملة من المعايير. يجب أن يتمتع المرشحون لريادة الفضاء بمزايا محددة منها حضور البديهة وسرعة رد الفعل العالية. كانت هذه المعايير تنطبق على طياري المقاتلات. ومن المعروف عموما أن الطيارين أشخاص متميزون من طراز رفيع... أشخاصا يعرفون كيف يعيشون في أبعاد غير مألوفة لنا... مثلا في البعد الخامس- أي في ظروف السرعات الهائلة.. وفي البعد السادس عندما يحددون وضعهم مع طائراتهم قياسا إلى الأرض. على هذا النحو يعايرون تصرفاتهم من حيث الطول والعرض والارتفاع والعمق...

خ 40 

الاهتداء في المكان... 

ك 40 

... الارتفاع والعمق والسرعة. ومثل هؤلاء الأشخاص غير العاديين الذين يتمتعون بسرعة رد الفعل كان يجري اختيارهم لريادة الفضاء. وبعد ذلك تختبر قدراتهم على التعلم والتدريب. ومن هذه الناحية كان غاغارين ذاك الشخص الذي يُسمى "حاضر البديهة". كان يستوعب المعلومات بسرعة رغم أنه ترعرع في أسرة بسيطة. كانا والداه فلاحين. بالمناسبة، غالبا ما كانت تزورنا في المنزل والدته آنّا غاغارينا... يا لها من إمرأة مدهشة آسرة حكيمة ولطيفة جدا... كان غاغارين من حيث إعداده التقني والتعليمي الأنسب بين المرشحين للمهمة. وإذا تكلمنا بصدق وصراحة أرى أن قسطا مهما في ذلك يعود إلى ابتسامته وانفتاحه على الناس. كان الجميع يدركون أن من سيحلق في الفضاء سيكون - إذا جاز التعبير- "بطاقة تعريف" للبلد بأسره. وكان من الطبيعي أن غاغارين أضحى بعد تحليقه الناجح "بطاقة تعريف" لبلدنا وللملاحة الفضائية العالمية أيضا. لم يكن من اليسير عليه- كما أعتقد- القيام بكل تلك الرحلات والجولات في أرجاء العالم حيث حظي باستقبال رؤساء بلدان ورؤساء حكومات وملوك وملكات. في كل البلدان التي زارها كان يُحمل على الأكف بالمعنى المباشر للكلمة، وبوسائط النقل، ويُقدّم للجماهير الغفيرة. كان عليه أن يبتسم دائما... لم تكن تلك الزيارات  بالصفحة السهلة في قصة حياته... ومما لاشك فيه أنه قام بكل ما يلزم على نحو مشرف. هناك أيضا عامل آخر أثر في اختيار غاغارين كأول رائد فضاء... عاملٌ غالبا ما تناوله الباحثون في كتبهم ومقالاتهم. عندما استدعي  المرشحون لريادة الفضاء للتعرف على المركبة الفضائية والجلوس داخلها كان غاغارين الوحيد الذي خلع حذاءه قبل أن يصعد السلم المؤدي إلى الجهاز. فهو بكل بساطة لم يسمح لنفسه أن يدخل بالحذاء بيتَ التحليق الفضائي مستقبلا.

خ 41 

رائع... وهل فعلا أن نيكيتا خروشوف كان ضد ترشيح تيتوف لأول تحليق لأن اسمه "غيرمان" أي أنه اسم أجنبي؟

ك 41 

نعم.. كانت ثمة قصة كهذه. وأنا شخصيا أعتقد أنها قريبة للحقيقة. كان غيرمان تيتوف شخصا خياليا تماما. وحتى ابتسامته لا تقل عذوبة عن ابتسامة غاغارين.. تيتوف شخص على قدر كبير من اللطافة والطيبة والمعرفة.  

خ 42 

حتى أنه ذو مظهر خارجي غربي بعض الشيء... ليس سلافيا تماما.. رائد فضاء ذو ابتسامة هوليودية. 

ك 42 

نعم. أعتقد أن خروشوف كشخص ذي مظهر خارجي بسيط جدا، كان بوده أن يرى شابا سوفيتيا بسيطا من الريف قد حلق إلى الفضاء أولا. كما إن تأثير البساطة الظاهرية عند غاغارين لعب إلى حد ما أيضا دورا في اختياره. ولكن اختيارغاغارين كما أرى، ودون أية اعتبارات سياسية، كان موفقا جدا جدا.

خ 43

دكتور ... شكرا جزيلا على هذا الحديث... ما تفضلت به كان شيقا للغاية حتى أنني لم أشعر  بمرور الوقت.

ك 43 

والشكر لكم أيضا.. آمل أن يكون الحديث قد نال إعجاب المشاهد العربي وحظي باهتمامه. 

خ 44 

ولي الأمل بذلك أيضا. أهنئك بهذا اليوبيلي... فنحن نستذكر حدثا هاما في تاريخ غزو الفضاء والملاحة الكونية ولولا جهود جدك لما تحقق كل ذلك ... أو لتحقق في وقت متأخر.

ك 44 

 شكرا.

خ 45 

مما لاشك فيه أن ذلك كان ثورة حقيقية... حدثت في التاريخ ثورات صناعية.. أما هذه فكانت ثورة على الصعيد الكوني.. ثورة علمية لا مثيل لها. ومن وجهة نظري تستحق أكثر من جائزة نوبل واحدة.. تمنح للمصممين السوفيت وعلى رأسهم سيرغي كوروليوف. 

أكرر تهنئتي لك بهذه الذكرى وآمل أن يتاح لنا الوقت للقاء والحديث حول مواضيع أخرى.

ك 45 

 شكرا جزيلا. 

خ 46 

... من مواضيع الفضاء وكل ما يمت إليه بصلة.

ك 46 

 شكرا.. بكل سرور.

خ 47 

 شكرا.






عزيزي القارئ

لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني.

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا