أي تطور للأزمة في فنزويلا هو كابوس للولايات المتحدة الأمريكية

أخبار الصحافة

أي تطور للأزمة في فنزويلا هو كابوس للولايات المتحدة الأمريكية
ناشطون يتظاهرون ضد تدخل إدارة ترامب في سياسة فنزويلا أمام البيت الأبيض، 26 يناير 2019
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ldjo

إذا كانت قضية اللاجئين السوريين قد تسببت بأزمة الاتحاد الأوروبي فإن معضلة فنزويلا قد تكون تخلق أزمة جديدة تعصف بالولايات المتحدة على مستويات شتى.

شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة جديدة لتدبير انقلاب في فنزويلا، من خلال اعترافها بزعيم المعارضة، ورئيس البرلمان، خوان غوايدو، رئيسا مؤقتا للبلاد، لكن يبدو أن لا أحد في الولايات المتحدة الأمريكية يدرك تداعيات نجاح المعارضة على الولايات المتحدة نفسها.

على الرغم من أن فنزويلا هي دولة غنية بالنفط، إلا أنه من الواضح للجميع أن الاقتصاد الفنزويلي منهار للغاية، حيث يجتاح البلاد تضخم هائل، ويعاني المواطنون من عدم توفّر العديد من السلع، بينما تتصور الأغلبية أن ذلك إنما يعود للتجارب الاشتراكية التي قام بها كل من تشافيز ومادورو، إلا أن الأزمة أعمق وأقدم من ذلك بكثير، والأهم أنها لا تملك أي حلول إيجابية بصرف النظر عمّن يقود البلاد.

إن وصول شافيز للسلطة، وتحوّله إلى سياسات أكثر اجتماعية وشعبوية كان نتيجة لأزمة اقتصادية عقب محاولة تطبيق نموذج تطوير فنزويلا كشبه مستعمرة ومصدر للمواد الخام للولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تتوان عن سرقته بلا هوادة. وليس الفقر الاقتصادي الحالي سوى خطوة واحدة على طريق الألف ميل.

لا يوجد أمام حكومة أي دولة، سواء فنزويلا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية، حيال الأزمة الاقتصادية وانخفاض المستوى المعيشي للمواطنين سوى طريقين للحفاظ على السلطة وتجنب الفوضى والانهيار التام للدولة: فإما الديكتاتورية وقمع المظاهرات بقوة، أو اللجوء إلى توزيع خيرات وموارد الدولة على نحو أكثر عدالة، واجتماعية بين المواطنين. والطريق الأخير هو ما سلكه شافيز ومن بعده مادورو، لكنهما مع ذلك ليسا سوى بيدقين صغيرين على رقعة التاريخ، وكلاهما ليسا سببا وإنما نتيجة لعملية طويلة وكبيرة لسقوط فنزويلا، التي حافظت على نفسها من الانزلاق طويلا اعتمادا على المساعدات الخارجية، وبالذات من الصين وروسيا. ولن تتغير الأمور برحيل مادورو إلا إلى أسوأ، لأن الولايات المتحدة الأمريكية تعوّدت على الأخذ لا العطاء، ولن تتكفل يوما بفنزويلا.

وأيا كان القفاز الأمريكي الذي ستضعه واشنطن على رأس السلطة هناك، لن يكون أمامه سوى الاختيار ما بين الطريقين: قمع الشعب بالقوة أو اللجوء إلى الاشتراكية من جديد، لأن العالم بأسره يتهاوى نحو الأزمة، ولن يكون هناك أي فرصة لفنزويلا للوقوف على قدميها، كما أنه من الصعب أن يؤدي قمع الشعب إلى أي نتائج إيجابية.

وكل هذا يجعل من سيناريو الحرب الأهلية أمرا واقعيا وارد الاحتمال، بما يحمله من تداعيات الانهيار الكامل للاقتصاد وتدفق ملايين اللاجئين. وهنا يجب ملاحظة أن تعداد سكان فنزويلا يبلغ 31.5 مليون نسمة، أي أنه ضعف عدد سكان سوريا. وسوف يصبح تأثير الانهيار الكامل لفنزويلا على القارة بأكملها كارثيا، وعلى خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية، يمكن أن يؤثر تدفق اللاجئين الفنزويليين على استقرار جميع الدول المجاورة، ليتضاعف بضع مرات عدد المواطنين الراغبين في اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي ظل تلك الظروف لن يكفي حائط واحد على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية لحمايتها، في الوقت الذي كانت فيه مشكلة المهاجرين تحديدا هي أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى انتخاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ودخول الأزمة الداخلية الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة من الحدة والمواجهة.

إن أزمة الولايات المتحدة الأمريكية هي أزمة نموذج الاقتصاد المفتوح والعولمة، والذي تقع الولايات المتحدة في مركزه. وسوف يتسبب خروج الولايات المتحدة الأمريكية من هذا النموذج إلى العزلة، كما يريد الرئيس ترامب، بقلب العالم بأسره، وتفتيت تحالفات قديمة، وتغيير كل شيء في حياتنا. كذلك فإن العزلة (وأعني هنا عزلة الولايات المتحدة برغبتها وإرادتها المنفردة) هي عملية مزعجة، يتعيّن على الدولة الأمريكية أن تخوضها.

وعقب سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب الأمريكي في الكونغرس، أتوقع أن تكون إجراءات عزل الرئيس ترامب قد وصلت إلى مراحلها الأخيرة المباشرة، ولن يزيد "الإغلاق الحكومي" الطين إلا بلة، وسيعجل بوتيرة عملية العزل، بدلا من أن يتجنبها.

بشكل عام، فإن المجتمع الأمريكي يعتريه توجه عنصري متنافر، ولأسباب داخلية أصبحت العزلة غير ممكنة دون تحفيز للأزمة، بينما ينتمي ترامب إلى الجيل الأخير من أطفال القنبلة السكانية Baby Boom البيض، الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية.

ودعونا نتخيل أنه بعد نجاح الأجهزة السلطوية الأمريكية في كبح جماح محاولات الرئيس الأمريكي للعزلة، سوف يجتاح الولايات المتحدة الأمريكية ملايين وعشرات الملايين من اللاجئين الجدد من أمريكا اللاتينية. وهنا سوف يصبح انتخاب "ترامب-2" أكثر جذرية، وتغدو الأزمة الداخلية الأمريكية أكثر حدة وعنفوانا، وسوف تنفجر البلاد بكل معنى الكلمة، وتصبح على حافة حرب أهلية.

هناك من يشكك فيما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية لا ترى هذه العواقب؟ ولكن كما تعلمنا من أمثلة أفغانستان والعراق وسوريا، فالإجابة لا، السياسيون الأمريكيون لا يرون أبعد من الانتخابات المقبلة. لذلك نتابع الهيستيريا حول "رشاغيت" (التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية) كمثال حي على تنويم النخب الأمريكية لنفسها مغناطيسيا، لتعيش في عالم خيالي، فتعجز عن التعامل مع الوقائع والتحديات.

وإذا أراد الله عقاب أحد، نزع عنه عقله.

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة
موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

سباق الفساد بصدارة عربية!