متى تكون أوامر الرئيس العسكرية شرعية؟
باستثناء الحالات الواضحة والمتطرفة، يعتبر الكونغرس والمحاكم أماكن أفضل للفصل في شرعية الأوامر العسكرية الصادرة عن الرئيس. مايكل أوهانلون – ناشيونال إنترست
وسط الجدل الذي دار العام الماضي بين 6 أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس والرئيس دونالد ترامب حول ما إذا كان ينبغي على القوات الأمريكية طاعة الرئيس دون قيد أو شرط، غاب سؤال جوهري: ما الذي يُعتبر تحديداً أمراً عسكرياً غير قانوني، وكيف يمكننا أن نتوقع من العسكريين النظاميين التمييز بين الأوامر القانونية وغير القانونية؟
ولفهم السياق، قد يكون من المفيد البدء بقصة من ولاية الرئيس ترامب الأولى. فخلال صيف وخريف عام 2017، تدهورت العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية بشدة بعد سلسلة من التجارب الصاروخية والنووية التي أجرتها كوريا الشمالية. وفي إحدى المراحل، تبادل ترامب والزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، تهديدات نووية، حيث أشار ترامب في تصريح شهير إلى أن زرّه النووي هو الأقوى. وأرسلت الولايات المتحدة ذخائر إضافية وإمدادات أخرى إلى شبه الجزيرة الكورية، وأرسلت 3 حاملات طائرات إلى المنطقة.
ولم يكن شنّ هجوم أمريكي استباقي مستبعداً (كل هذا كان قبل القمم الثلاث التي جمعت ترامب وكيم في عامي 2018 و2019 والتي لم تُفضِ إلى أي تقدم على الصعيد السياسي، ولكنها ساهمت في تهدئة الأزمة). ثم، في نوفمبر من عام 2017، سأل أحد الصحفيين الجنرال جون هايتن، رئيس القيادة الاستراتيجية (ونائب رئيس هيئة الأركان المشتركة في المستقبل)، عما سيفعله إذا تلقى أمراً غير قانوني بتنفيذ ضربة نووية.
أجاب هايتن بحكمة: "أقدم المشورة للرئيس، وهو من سيخبرني بما يجب فعله. وإذا كان الأمر غير قانوني، فماذا سيحدث؟ سأقول: "سيدي الرئيس، هذا غير قانوني"... وماذا سيفعل هو؟ سيسأل: "ما هو القانوني؟" وسنطرح خيارات، والأمر ليس بهذه الصعوبة." وبدلاً من الخوض في نقاش علني مفصل حول أنواع الأوامر التي قد تُعتبر غير قانونية، أبقى هايتن الأمور عامة وغامضة إلى حد ما.
لكن ماذا عن الاحتمالات الأكثر واقعية وتحديداً، كتلك التي وردت في الأخبار اليوم؟ أما بالنسبة للعسكريين الأمريكيين المجندين، فإن قسمهم، كقسم الضباط، هو للدستور، ولكن يُتوقع منهم أيضاً طاعة الأوامر بوضوح وبساطة. وتُترك المناقشات حول السياسة للضباط. ونص قسمهم كالتالي:
أقسم بالله العظيم أنني سأدعم وأدافع عن دستور الولايات المتحدة ضد جميع الأعداء، أجانباً كانوا أم محليين؛ وأنني سأُخلص له وأُبدي ولائي له؛ وأنني سأطيع أوامر رئيس الولايات المتحدة وأوامر الضباط المُعينين عليّ، وفقاً للوائح وقانون القضاء العسكري الموحد. والله على ما أقول شهيد.
ويؤكد قانون القضاء العسكري الموحد هذه المبادئ، على سبيل المثال، في المادتين 91 و92. وبالتالي، فإن قسم المجندين يلزمهم بالامتثال لجميع الأوامر ما لم تكن هذه الأوامر غير قانونية بشكل واضح بموجب القانون الأمريكي، أو اتفاقيات جنيف، أو مصادر أخرى لقانون الحرب (أو قانون النزاعات المسلحة)، كما هو مدون في دليل قانون الحرب الأمريكي ودليل المحاكم العسكرية. ويجب عليهم تجنب الجرائم الصارخة، بما في ذلك القتل والتعذيب وتلفيق الأدلة والتدمير المتعمد، ولكن يُفترض بهم فيما عدا ذلك تنفيذ الأوامر الموجهة إليهم.
إن الأمور أكثر تعقيداً بالنسبة للضباط، وهذا أمر طبيعي، هو فهم جزء من مهنة عسكرية رسّخت قواعد انضباط سليم ونظاماً أخلاقياً عبر القرون. ونظراً للفظائع العديدة التي ارتُكبت في الحروب السابقة، ولا سيما الحرب العالمية الثانية، فقد تقرر أن مجرد طاعة الضباط للأوامر لا يكفي. يجب أن تكون الأوامر قانونية، ويُتوقع من الضباط ممارسة الحكم العسكري المهني في تقييم ذلك.
لنأخذ بعض الأمثلة من الماضي: لم تُعتبر عمليات القصف الجوي الأمريكي المكثف لممر هو تشي منه خلال حرب فيتنام جرائم حرب في النظام الأمريكي، لوجود منطق عسكري مقبول على نطاق واسع لهذه التكتيكات، بغض النظر عن مدى إشكاليتها الأخلاقية. وفي المقابل أدت مذبحة ماي لاي عام 1968، التي راح ضحيتها مدنيون عُزّل، إلى إدانة الملازم ويليام كالي وسجنه بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
ومع ذلك، رأت المحاكم العسكرية (في قرار مثير للجدل) وجود مساحة رمادية كافية لعدم إدانة الجنود المجندين الذين كانوا يخدمون تحت قيادة كالي، نظراً للافتراض القوي بضرورة امتثالهم للأوامر. وفي حالة أخرى، وهي تعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب بالعراق، فقد أُدين عدد من المجندين الأمريكيين بارتكاب جرائم لأنهم قاموا بتعذيب العراقيين وإهانتهم بمحض إرادتهم، في حين لم يُشكل السجناء أي تهديد حقيقي لهم.
ماذا يعني هذا بالنسبة للنقاش السياسي الدائر اليوم؟ تبدو 3 حالات هي الأبرز: نشر القوات الأمريكية في المدن الأمريكية، والإجراءات الأخيرة ضد فنزويلا، والغزو المحتمل لغرينلاند، الذي كثيراً ما ناقشه الرئيس ترامب.
أولاً، أرى أنه لا يجوز للقوات المستدعاة إلى نزاع داخلي في مدينة أمريكية استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين، حتى لو صدرت الأوامر بذلك من ضباط أعلى رتبة. وبالطبع، في كثير من الحالات، سيكون هناك غموض حول ما إذا كان جميع المتظاهرين سلميين، وهنا تبرز الحاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة، مع توقع أن يتحمل الضباط العبء الأكبر.
أما بالنسبة لمعظم المهام الأخرى التي قد يُطلب من القوات القيام بها داخل المدن الأمريكية، فمن الصعب تبرير عصيان القوات البرية لأوامرها. وما لم تكن هناك خسائر في الأرواح، يمكن اللجوء إلى القضاء لفحص شرعية مختلف عمليات الانتشار العسكري، وهناك يتم حل الخلافات.
ولكن ماذا عن فنزويلا؟ أرى أن قتل مهربي المخدرات المشتبه بهم غير قانوني إذا وُجد بديل معقول، مثل تعطيل قواربهم واعتقالهم. ومع ذلك قدمت الإدارة الأمريكية حجة قانونية بديلة يجدها بعضهم مقنعة. وفي هذه الحالة يصعب مطالبة القوات، سواءً كانوا جنوداً أو ضباطاً، بتحديد الرأي القانوني الصحيح وتجاهل الرأي الخاطئ.
وبالمثل، وقع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في منطقة رمادية قانونياً. وعلى الرغم من أن الأمر يبدو غير قانوني أكثر منه قانونياً بموجب القانون الدولي وقانون النزاعات المسلحة، إلا أن هناك مذكرات توقيف أمريكية وفرت على الأقل مظهراً من الشرعية بموجب القانون الأمريكي (وليس الدولي). ومرة أخرى من الصعب مطالبة الأفراد العسكريين بالبت في الأمر في الوقت الفعلي.
على النقيض من ذلك، يُعدّ غزو غرينلاند المحتمل مسألة مختلفة تماماً. ويُؤمل أن تكون الفكرة قد استُبعدت نهائياً، لكن من الصعب الجزم بذلك. وباعتباره استيلاء سافراً على أراض من دولة ضد أخرى، فسيكون بلا شكّ غير قانوني بموجب القانون الدولي. فهل ينبغي على الضابط العسكري، من منطلق الأخلاق المهنية والواجب، أن يعصي الأوامر إذا طُلب منه القيام بمثل هذه العملية؟
بالنظر إلى الانتهاك الصارخ لميثاق الأمم المتحدة الذي يمثله الغزو، أرى أن مثل هذه الخطوة غير قانونية، وبالتالي يجب عصيان الأوامر بتنفيذها. وقد ينظر الكونغرس أيضاً في قطع التمويل عن أي عمليات مستمرة في غرينلاند، كحد أدنى من رده المناسب في مثل هذا الوضع الخطير، وقد يُشير أيضاً إلى أنه لن يوافق على ترقيات مستقبلية للضباط العسكريين الذين شاركوا في هذه المهزلة.
أما إذا قام الرئيس ترامب في البداية بتمويه أي غزو من هذا القبيل على أنه مناورة عسكرية أو انتشار طارئ، ولم تُستخدم فيه أي قوة فتاكة، فسيصبح الوضع أكثر تعقيداً. لو كان الأمر كذلك، لتمنيتُ أن يعترض الكونغرس بشدة، وأن يسعى لمنع أو إلغاء هذا القرار، وأن يرفض ضمّ الإقليم قانونياً (في جميع الحالات السابقة التي ضمّت فيها الولايات المتحدة أراض، بدءاً من شراء لويزيانا عام 1803، ثم فلوريدا عام 1819، وتكساس عام 1845، وإقليم أوريغون عام 1846، وجنوب غرب الولايات المتحدة عام 1848، وألاسكا عام 1867، وهاواي وبورتوريكو وغوام عام 1898، كان للكونغرس دور حاسم). لكن ليس من العدل أو الواقعي توقّع رفض الجيش النظامي لمثل هذا الأمر.
في أغلب الحالات، ينبغي للمحاكم والكونغرس، لا للقوات المسلحة الأمريكية، أن يعترضوا على أوامر الرئيس ترامب للجيش إذا اعتبروها غير قانونية، نظراً لخضوع القوات المسلحة للقيادة المدنية بموجب الدستور الأمريكي.
المصدر: ناشيونال إنترست
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
التعليقات