مثالب الدستور السوري!

أخبار العالم العربي

مثالب الدستور السوري!مثالب الدستور السوري!
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ight

من غير المرجح أن تحظى مسودة الدستور السوري الذي تقترحه موسكو على الفرقاء في بلاد الشام، بقبول واسع.

فما أن نشرت المسودة، بفعل تسريبات، ليس خافيا أن موسكو كانت تتوقعها، حتى انبرى المعارضون لتشبيهها بدستور بريمر، أول حاكم مدني أمريكي في العراق بعد الاحتلال. وفي المقاربة، تجن على الدستور العراقي المعمول به حاليا. ذلك لأن عراقيين، وبينهم حملة جنسيات مزدوجة، اجتمعوا واتفقوا على صياغة ذلك الدستور المليء بألغام ما تزال تتفجر في العراق.

وكان سيء الصيت بول بريمر استعان بحقوقيين، وخبراء أمريكيين كانوا في الظل، يوجهون العراقيين المنخرطين في العملية السياسية. فيما لم تُمارس روسيا على السوريين دور الموحي. بل تقترح مسودة وضعها خبراء لم يكشف عن هويتهم؛ لكن الواضح أنهم خبراء قانون من روسيا، استفادوا من نصوص فعالة في الدستور الروسي الذي تحتكم إليه الشعوب الروسية منذ ربع قرن تقريبا. ولم يلعبوا دورا خلف الكواليس كما فعل الأميركيون في العراق المحتل.

ومع أن غالبية الفرقاء السوريين لم يطلعوا تماما على كل أبواب وبنود الدستور، إلا أن ردود فعل متوترة صبت لعناتها على فكرة أن تقوم دولة باقتراح دستور على دولة أخرى، وسط الحساسية المفرطة من الدور الروسي في سوريا، حتى لدى بعض المؤيدين للحكومة السورية، ممن لا يريدون لموسكو دورا خارج قاذفات "سو" والصواريخ المجنحة.

لقد تركزت ردود الفعل على عناوين عريضة، بيد أنها تعكس موقفا سلبيا حادا من مفاهيم، مثل وحدة سوريا وعروبتها، وحقوق الأقليات، والتعدد القومي والعرقي ودور الرئيس، وموقع المؤسسة البرلمانية في حياة السوريين.

ويذهب من يرى في الدستور محاولة للتلقين، إلى أن الروس يريدون أن يعلموا أهل سوريا كيف يعيشون، وكيف يحكمون وكأنهم شعب من مجاهل الغابات!

ومست المسودة مشاعر من يرى في سوريا، أفضل نتاج لتراكم حضارات متعاقبة.

ومع أن موسكو، تؤكد بأنها لا تريد فرض مشروع الدستور على أحد، وأن الهدف إثراء النقاش حول قضية مفيدة "بدلا من الثرثرة"، كما أفادت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، إلا أن الموقف المسبق قبل قراءة مواد الدستور كاملة، طبع معظم ردود الفعل بطابع الرفض القاطع المبتسر.

بل وكان متحدثون من المعارضة السورية أدلوا بدلوهم، دون أن يقرأوا حرفا واحدا من المسودة المقترحة؛ الأمر الذي يعكس مدى حساسية الفرقاء من فكرة أن طرفا، يلجأون إليه كمنصة للتفاوض؛ ينكرون عليه لعب دور الناصح!

ولعل المادة الخاصة بالمناصب الحكومية، في الدستور المقترح، من أكثر المواد المثيرة للجدل، ذلك لأنها تكرس المحاصصة العرقية والدينية والطائفية التي ابتلى بها العراق في دستور بريمر سيئ الصيت، وإن لم يتضمن نصا سافرا حول تحاصص المناصب. بينما تنص عليها جهارا مسودة الدستور السوري المقترح. فقد ورد في البند الثالث من المادة 54: "يكون التعيين لمناصب نواب رئيس مجلس الوزراء، والوزراء تمسكا بالتمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية لسكان سوريا، وتحجز بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية، ويحق لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء التشاور في هذا الخصوص مع ممثلي جمعية الشعب والمناطق".

وإذا تم الأخذ بالمقترح، فان أهل سوريا سيدخلون في دوامة، عرضت العراق إلى التفكك والتشظي والخراب.

ربما أراد كتبة مسودة الدستور، ولنفترض بحسن نية، إتاحة فرص متكافئة لجميع السوريين، على قاعدة الأغلبية والأقلية، وهي القاعدة التي لا يعمل بها الدستور الروسي مثلا، في بلد متعدد القوميات والديانات والأعراق. إذ لا يتم التعيين أو الانتخاب في روسيا، وفِي معظم بلدان العالم بما فيها معظم البلدان النامية، على أساس القومية، أو العرق، أو الديانة، أو المذهب، للمناصب الحكومية، صغيرها أو كبيرها. 

وقد يجهل واضعو مسودة الدستور أن مسيحيا شغل في سوريا، في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، منصب وزير الأوقاف الإسلامية. وأن هذا السياسي الفذ، أحد ألمع أبطال الاستقلال الوطني السوري، هتف: "أشهد أن محمدا رسول الله"، ردا على المحتلين الفرنسيين الذين زعموا أن مسيحي سوريا يطلبون الحماية من فرنسا "خوفا من مسلميها؟! 

في ضوء مسودة الدستور، يمكن التأسيس لحوار سوري- سوري حصيف، بعيدا عن نظرية المؤامرة أو الوصاية. والاعتماد على قدرات السوريين الخلاقة في صياغة دستور، يجنب البلاد المزيد من الهزات.

ونأمل أن يضع الساسة السوريون صورة بلدهم المدمر بفعل حرب لم تبق وسيلة دمار إلا واستخدمت في أتونها، أمام أعينهم، حين يتجادلون في الدستور، وفِي غير الدستور.

والجدل في اللغة مثل الظفيرة.. فكرة تؤسس لأخرى كجديلة الشعر.  

ولا تخص الملاحظة الأخيرة حليقي الرؤوس ذوي النزعة الفاشية! 

وأن يتذكر السوريون تجربة العراق المرة، ومآسي ليبيا، ومصائب اليمن، وحروب لبنان. 

سلام مسافر