"كونكورد" في الساحة الحمراء.. من القلب إلى القلب

الثقافة والفن

أوركسترا "كونكورد" في قصر الكريملين
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i9jy

استقبلت قاعة قصر الكرملين في الساحة الحمراء أوركسترا كونكورد بقيادة الموسيقار فابيو بيرولا، حيث عزفت أغاني الروك بتوزيع أوركسترالي، وذلك بحضور جمهور من عشاق هذا النوع من الموسيقى.

بكل تأكيد يمكن القول إن عزف أي أغنية من قِبل فرقة سيمفونية يحاكي إدراجها في قائمة الأعمال الفنية الكلاسيكية.. فضلاً عن أنه يدخل مبدعيها في نادي الموسيقيين وكُتاب الأغنية الـ VIP.. بل قد يكون التوزيع الأوركسترالي هو البوابة التي يدخل من خلالها المتلقي للتعرف على الأصل ومنه إلى غيره من إبداعات الفرقة الموسيقية.

يصعب القول إن مستوى أوركسترا "كونكورد" يضاهي "أوركسترا ميونيخ" أو "لندن سيمفوني أوركسترا".. أو حتى مجموعات أوركسترالية تحمل أسماء مبدعين مثلِ الأمريكي والتر ميرفي أو الكندي بيرسي فيث.. ولكن ما من شك في أنها تتمتع بمستوى جيد.. أو لنقل جيد جداً.

كان الجزء الأول من الحفل عادياً إذ بدا قائد الأوركسترا الإيطالي وكأنه يحاول إظهار مواهبه على حساب اللحن، فبالغ في استخدام الزخارف الموسيقية التي طغت في بعض الأحيان على العمل الرئيس. كما كان واضحاً أن المايسترو بيرولا متأثر بأسلوب الموسيقار النمساوي كريستيان كولونوفيتس، فسعى إلى استنساخ أسلوب الموزع الشهير، وحاول أن يخلق تلك الضوضاء الرائعة والفوضى المنظمة التي يمتاز بها كولونوفيتس.

عزفت الأوركسترا واحدة من أعظم الألحان في عالم الموسيقى الحديثة، أغنية "let it be"، ولكن التوزيع بدا وكأنه بأداء فرقة سيرك تارة، وبأداء "براغ سيمفوني أوركسترا" تارة أخرى.. فكانت هذه الفقرة بمثابة شرح عملي لكيفية تحويل اللحن الواحد من قمة الروعة في التوزيع إلى مستوى على النقيض من ذلك.

قد لا يكون التوزيع جيداً في بعض الأحيان ولكن شهرة اللحن تعوض الأداء المتواضع، وهي الحيلة التي يلجأ إليها الفنانون المبتدئون في برامج البحث عن المواهب، حيث يقدمون أغانيَ معروفة يتفاعل معها الجمهور دون اكتراث بأداء الفنان الواعد.. أو المتوعد.

انتهى الجزء الأول من الحفل وكنت أفكر في مغادرة القاعة بعد أن داعب فابيو بيرولا ذاكرتي بأغانٍ عزفتها فرق أوركسترالية مثل "فيينا سيمفوني أوركسترا"، فرأيت أن أشبع رغبتي بالاستماع فوراً إلى نسخة أفضل. ولكنني لسبب ما قررت البقاء والترقب.. وكان هذا القرار صائباً إذ جاء الجزء الثاني مختلفاً تماماً عما سبقه، وكأن الجزء الأول من الحفل كان بروفة.. استعداداً غير موفق للحفل الرئيس.

وعلى الرغم من أن معظم الأغاني التي أدتها أوركسترا "كونكورد" هي من أغاني الروك والميتال.. إلا أن توزيعها كان رائعاً وأظهر كيف يمكن أن تكون أغاني الروك مفعمة بنفحة من الحنان، حتى أن الأطفال الذين حضروا الحفل، وهم حتماً لا يعرفون هذه الكلاسيكيات، تفاعلوا معها وكأنها جزء من ذاكرتهم الجينية.

شارك الصغار في الرقص والتصفيق بحرارة.. ولكن كانت هناك طفلة أكثر ما لفتت الانتباه حين راحت تؤدي رقصاً أشبه بالرقص الشعبي الروسي.. على وقع موسيقى أمريكية وبتوزيع إيطالي يحمل نسائم سان ريمو. ولم يقتصر الرقص على من في القاعة، فقد راح المايسترو يرقص أيضا وهو يقود العازفين، فلم يتردد هؤلاء في المشاركة بالرقص وهم يعزفون إبداعات خالدة.. فكان ذلك تجسيداً لبيت الشعر القائل.. إذا كان رب البيت بالدفّ ضارباً ... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص.

الإضاءة كانت حاضرة في هذا الحفل وبقوة.. إذ كانت الأضواء المختلفة بألوانها تتوهج وتخفت وتعود لتتوهج مجدداً مع الإيقاع واللحن، ما يعيد إلى الأذهان الموسيقار الروسي ألكسندر سكريابين.. وهو أول من استخدم الإضاءة في العروض الموسيقية.

كان حفلاً متميزاً بطاقة الجمهور الإيجابية التي حفزتها أوركسترا "كونكورد"، وبالتواصل الجميل بين الحضور والموسيقيين بقيادة فابيو بيرولا وقد تحول إلى الجسر الذي يصل بين جانبيّ المنصة.. فتجلى هذا التواصل بحوار لطيف مع قارع الدرامز وهو يضرب بقدمه إيقاعاً معيناً فيرد الجمهور بمثله بالتصفيق الذي بدا أشبه بصدىً يتردد في الوجدان.. فكان صوت الدرامز كنبض القلب.. وكان حواراً من القلب إلى القلب.

علاء عمر