بالون 11/11 في مصر

أخبار العالم العربي

بالون 11/11 في مصرمقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i78s

يجلس نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، والشباب على مقاهي القاهرة، في انتظار "11/11" الذي لا يعرف أحد إلى الآن من الذي دعا أو يدعو إليه.

لقد ظهرت خلافات كثيرة بين النشطاء السياسيين وشباب مواقع التواصل الاجتماعي على النزول إلى "المظاهرات الشعبية العارمة!" من عدمه. وأرجع البعض هذه الخلافات إلى انعدام الثقة في كل من الطرفين: الطرف المجهول الذي يقال إنه دعا إليها، والطرف الذي يستغل الدعوة لتوجيه اتهامات ليس فقط لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، بل وإلى عدد من القوى والاتجهات السياسية المعارضة لسياسات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر.

إن عدم وضوح الطرف الذي دعا إلى هذه المظاهرات، دفع بالكثيرين، استنادا إلى تجاربهم السابقة، إلى التأكيد على أن الأجهزة الأمنية في مصر هي التي حرَّكت مثل هذه الدعوة للتغطية على المشاكل الاقتصادية والأمنية في البلاد، واستخدمت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة للترويج لها عبر انتقادها والتضخيم فيها وفي نتائجها، وتوجيه اتهامات لقوى سياسية معينة، بل وإلى أشخاص أيضا.

المدهش أن الدعوات "المجهولة" لمظاهرات 11/11 ظهرت حتى قبل تعويم العملة المصرية، ما يعني أن اتخاذ إجراء التعويم جاء ليكون ذريعة بأثر رجعي لردع مظاهرات مزعومة. ولكن ذلك لا يمكنه أن ينفي وجود مشاكل اقتصادية، وإجراءات صارمة من قبل الدولة لضبط الأوضاع الاقتصادية في البلاد وفقا لشروط صندوق النقد الدولي الذي منح مصر شريحة أولى من قرض متواضع، وسيخطو الخطوة الثانية بمنحها الشريحة الثانية في ضوء نتائج إجراءاتها الاقتصادية.

ومن الواضح أن الأزمة التي ظهرت مؤخرا في العلاقات المصرية – السعودية، دفعت القاهرة إلى الاستدارة بزوايا مختلفة لتعويض المساعدات المالية والاقتصادية الأخرى. ولكن كل هذه الإجراءات، سواء الاقتراض من السعودية أو من صندوق النقد الدولي، لا ترضي تيارات وقوى سياسية مصرية كثيرة تدعو إلى اعتماد برامج وطنية وقومية في الاقتصاد، وتقليص الاعتماد على القروض للحدود الدنيا. وبالتالي، جاءت الدعوات "المجهولة" لمظاهرات 11/11 لتتلقاها وسائل الإعلام الحكومية برضاء تام، موجهة كل الاتهامات الممكنة إلى الجميع وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

من جهة أخرى، نجحت وسائل الإعلام التابعة للإخوان، والتي تصدر أو تبث من دول عربية وأجنبية، في ركوب موجة الانتقادات، واستخدام الاحتجاجات الصامتة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، لتعطي انطباعات ساخنة بأن مصر تنهار، والمجتمع المصري قاب قوسين أو أدنى من "ثورة جياع" غير مسبوقة، وأن النظام السياسي المصري يقف وحيدا ومدججا بالسلاح في مواجهة المد الشعبي لتسعين مليون شخص.

دعوات الإخوان ومبالغاتهم تجد رفضا غير عادي من عموم المصريين، ولكنها تلقى أيضا تجاوبا نسبيا وبدرجات معينة من بعض فئات المجتمع المصري، ومن بعض القوى والتيارات السياسية. ولكن هذا التجاوب لا يعني أن هذه الفئات والقطاعات البسيطة، أو تلك القوى والتيارات السياسية، تنتمي إلى الإخوان أو تتعاطف معهم، بقدر ما تعني حالة غضب واحتجاج عامة بسبب تردي الأحوال الاقتصادية من جهة، والمخاوف الأمنية المتمثلة في الأوضاع السيئة في سيناء، والخوف من أي عمليات إرهابية في أماكن أخرى في الداخل المصري.

إن الدعاية التي قامت بها وسائل الإعلام المصرية لمظاهرات 11/11 كافية لإخراج ملايين المصريين من بيوتهم. لكن البعض يتصور أنه إذا نزل إلى الشوارع ولو حتى 50 ألف شخص، فمن الممكن تصديق أن وراء هذه المظاهرات قوى سياسية مصرية، بل وإخوانية أيضا. ولكن البعض الآخر يرى أن نزول 10 أو 20 ألفا مع الدعاية الجبارة التي قامت بها كل من وسائل الإعلام الحكومية المصرية ووسائل الإعلام التابعة للإخوان المسلمين، فمن الصعب تصديق الاتهامات الخطيرة التي وجهتها وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية المصرية لتلك التظاهرات "الافتراضية" أو "المزعومة". بل وذهب البعض إلى أنه في حال خروج أعداد بسيطة، فإن من يقف وراء تلك الدعوة، هو الأجهزة الأمنية المصرية ووسائل الإعلام الرسمية هناك.

وإذا نظرنا بجدية إلى ما يحدث في علاقته بالدعوات إلى مثل تلك المظاهرات "الوهمية" التي يتم استخدامها لأهداف أخرى، فعادة ما تقع كوارث وحوادث خطيرة في مصر بعد أيام من تلك الدعوات. أي أن المظاهرات لا تحدث، ولا أحد يخرج، بينما تقوم الدولة باستعراض قوتها الأمنية والعسكرية في الشوارع. وبعد أيام تتوالى الأنباء عن وقوع عمليات إرهابية في سيناء تسفر عن ضحايا بين العسكريين المصريين، أو عمليات اغتيالات لمسؤولين حكوميين، أو حوادث تتسم بطابع التنظيم والتخطيط.

الأمر الجدي الآخر، هو أن ما يتم تداوله حول اتهام الأجهزة الأمنية المصرية باختراع تلك الدعوة، وأهداف وسائل الإعلام المصرية من الترويج لها، ليس كافيا للإقناع، وربما يكون ليس دقيقا، لأن رد الفعل الرسمي المصري تميَّز بالخوف والجدية في آن واحد، وبدأ تأمين المنشآت الحكومية والأهداف الحيوية قبل الموعد المحدد للمظاهرات المزعومة. وعشية تلك التظاهرات، ظهر ميدان التحرير كثكنة عسكرية. أما المخفي من الإجراءات الأمنية، فلا يعرفه أحد. كل ذلك يشير إلى أن القاهرة الرسمية تتوقع أمورا أخرى تماما أكبر من المظاهرات والتظاهرات التي تم الإعلان عنها وتوجيه الدعوات "المجهولة" لها، ولكنها كالعادة لا تعلن عن أي شئ، بل وتحاول طرح أسباب أخرى لإبعاد الأنظار عن الأسباب والمسوغات الحقيقية، التي ربما تكون بالفعل حقيقية وواقعية وتمس أمن البلاد. غير ذلك، فإن الأمر يعتبر "مزحة" ثقيلة" و"سخيفة".

أشرف الصباغ