معركة العراق ما بين الحشد الشعبي والصحوات..

أخبار العالم العربي

معركة العراق ما بين الحشد الشعبي والصحوات..
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hpn1

مع اقتراب معركة الفلوجة من ساعة الحسم، يتبادر إلى الذهن سؤال يقول: هل ما يجري في هذا البلد معركة واحدة، وهل ستكون هذه المرة حاسمة أم أنها ستضاف إلى سجل الكر والفر؟

ويتوجب في هذا المقام التساؤل أيضا عن تفاصيل أكثر حساسية وازعاجا، وهي عمن يقاتل في الفلوجة، وعمن سيجني ثمار الانتصار بعد تحقيقه. وهل لم يكن هناك بديل عن مقاتلة "داعش" بغير "الحشد الشعبي"؟ وما تبعات مثل هذا "الاستقطاب" الخطير، وآثاره السلبية على استقرار العراق وتماسك نسيجه الاجتماعي من جهة، وآثاره الإيجابية على داعش المباشرة وغير المباشرة؟

ولا يمكن تتبع تطورات المعركة الجارية في الفلوجة وفهم خفاياها ومعرفة مآلاتها، من دون العودة إلى الغزو الأمريكي الكارثي للعراق عام 2003 وما تمخض عنه من قرارات، يرتبط معظم ما يحدث في البلاد الآن بها وبتداعياتها بشكل مباشر.

وهنا يتعين القول إن العراق ضحية أمريكية كبرى، ولا يمكن تصور حجم الخراب المادي والمعنوي الذي نتج عن سياسات واشنطن الغريبة والغامضة، ما أوصل البلد إلى حالة شلل شبه كاملة، وصد أمامه كل الآفاق.

ابتدأت الكارثة الكبرى المتواصلة في العراق بالغزو غير المبرر، ثم بحل الجيش العراقي وأجهزة الأمن، تلا ذلك الاستعانة بمرتزقة الشركات الأمنية لمواجهة الفصائل المسلحة المختلفة في المناطق السنية، وتشكيل "الصحوات" فيما بعد لمقاومة تمدد "داعش"، ما يعني أن واشنطن رسّخت في العراق مبدأ الاستعانة بـ"المليشيات" للخروج من ورطاتها المتلاحقة.

وبعد أن سحب الرئيس الأمريكي باراك أوباما جميع قواته المقاتلة من العراق، واصلت أحجار الدومينو تهاويها المتعاقب وإن بطريقة أسرع، حيث حلت السلطات العراقية التشكيلات العشائرية المسلحة "الصحوات"، خوفا من أن تتحول إلى منافس خطر، ما أعطى لتنظيم "داعش" فرصة لاسترداد أنفاسه وتدعيم صفوفه بمسلحين "عاطلين عن العمل"، بنفس الطريقة التي وفر فيها حل الجيش العراقي وأجهزة الاستخبارات، عقب الاحتلال لمختلف التنظيمات المسلحة بما في ذلك المتطرفة، فرصة نادرة لتعزيز صفوفها بأيد مدربة وعقول خبيرة.

وتواصلت حالة شلل الدولة العراقية، وظهرت تجلياتها بشكل قاس في سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل صيف عام 2014، وما رافق ذلك من انهيار قطاعات الجيش العراقي الجديد المتمركزة في المنطقة، ووضع "داعش" يده على كميات هائلة من الأسلحة الثقيلة والآليات. تلك الأسلحة الأمريكية نقل معظمها التنظيم الذي أصبح عابرا للحدود إلى معقله في مدينة الرقة السورية حيث استعرض "غنائمه" في احتفالات صاخبة.

ولنلق الآن نظرة على أهم الأطراف والتشكيلات المسلحة التي تخوص غمار المعارك ضد "داعش" في جبهة طويلة تمتد على مساحات واسعة وسط وشمال العراق. وبالإضافة إلى القوات النظامية العسكرية والأمنية نجد "الحشد الشعبي"، وهو تجمع لمسلحي فصائل عديدة  تنتمي إلى الطائفة الشيعية التي تتمتع بأغلبية سكانية في البلاد، وقوات كردستان العراق التي أثبتت كفاءتها ونجحت في وقف تمدد داعش شمال البلاد وانتزعت منه مناطق هامة.

أما اللاعب الرئيس في الحرب على داعش في العراق فهي بلا شك إيران بالإضافة إلى الولايات المتحدة وحلفائها في العمليات الجوية هناك. طهران تمد الحشد الشعبي بالمستشارين والخبراء وبالأسلحة، بل ويتولى ضباط من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قيادة العمليات العسكرية في أكثر من محور.

هذه الخارطة العسكرية المتداخلة تعكس صورة غريبة للتحالفات العسكرية، حيث يقاتل الأمريكيون "داعش" ضمنيا جنبا إلى جنب مع إيران والحشد الشعبي، فيما تبدو الصورة معاكسة تماما في سوريا المجاورة.

وبما أن الحرب على "داعش" تمتد من الفلوجة إلى الرقة وإلى ما أبعد من ذلك وأقرب، فلا بد من إلقاء نظرة من خلف  الحدود إلى ما يجري في سوريا، حيث تحاول واشنطن إسقاط نظام يحسب على الطائفة الشيعية لتنشر ديموقراطية شبيهة بما فعلته في العراق بتمهيد الطريق لتولي الأغلبية السنية السلطة هناك.

وعلى الرغم من أخطائها الفادحة في العراق والتداعيات الكارثية لسياساتها في هذا البلد تواصل واشنطن نفس السيناريو في سوريا، إلا أنها هذه المرة تقف في خندقين متقابلين مع إيران، الخصم الرسمي اللدود الذي تمدد نفوذه بشكل طاغ في بلاد الرافدين بعد إطاحة الولايات المتحدة بصدام حسين.

الأوضاع الراهنة في العراق وفي سوريا لا تبشر بخير، إذا أمعنا النظر في الطريقة التي  تُدار بها الحرب على "داعش" في البلدين، حيث تستعر النعرات الطائفية ويقاتل كل طرف لتحقيق مكاسب خاصة في نهاية الأمر. ولن يخرج الأكراد من الحرب في العراق وسوريا من دون ثمن "مجز" لمشاركتهم في القتال ضد "داعش"، وكذلك الفصائل الشيعية القوية المرتبطة بالحشد الشعبي كمقتدى الصدر.

وبذلك لم تكتف الولايات المتحدة بتقطيع العراق ومحاولة نقل التجربة إلى سوريا فحسب، بل وعملت على إتاحة الفرصة لقوى داخلية وأخرى إقليمية كي توضع مقدرات البلدين أمامها على المائدة، كما وفرت سياساتها الغريبة لـ"داعش" فرصة ذهبية ومجالا رحبا للظهور بمظهر فصيل سني يشارك في حرب طائفية، وهذا أكبر خطر تُدفع إليه المنطقة بطريقة محمومة وبحماسة منقطعة النظير، تحت ذريعة الحرب على الإرهاب بالمتاح، من دون تحسب للعواقب الوخيمة.

محمد الطاهر

الأزمة اليمنية