"بزنس" الاختطاف في سوريا (1 من 2)

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hpgx

 "أيها الرعاة في كل مكان! سأخبركم أن قريتي ضائعة، فمن يشم رائحتها في أزهار البراري والطيّون

، أو يجدها فوق ضفاف السواقي تلهو بحذائها العشبي الذابل، تبكي عصافيرها المهاجرة وأحزانها المزدحمة كرف بجع.. فليخبرني"

هل كانت نبوءة لما كان قادما، تلك الكلمات التي كتبها الشاعر طلال سليم قبل سنوات؟

  "لستُ نبياً"، يقول سليم ، لكن ما كتبته تحقَّق بأبشع مما تخيَّلت. كما أنني – خاصّةً -  لستُ نبيّاً لأصبر على هذه المأساة التي فجعتني بزوجتي وابنتيَّ ووالديَّ وأخوتي وأكثر من 25 فرداً من عائلتي في يوم واحد".

يوم ليس كالأيام!

فجر الرابع من شهر آب / أغسطس عام 2013، انطلقت من جبل الأكراد والتركمان المحاذيان للحدود السورية – التركية في الريف الشمالي لمدينة اللاذقية، كتائب وثقت "هيومن رايتس ووتش" أنها تنتمي إلى "جبهة النصرة" و"الجيش الحر" وتنظيم "داعش" في هجوم على عدة محاور باتجاه ثماني قرى صغيرة، تتبع ناحية صلنفة في ريف اللاذقية الشمالي، من بينها "بلوطة" قرية الشاعر سليم.

إضافةً إلى سقوط 190 شهيداً، تم اختطاف 136 مدنياً، وثقت المنظمة العالمية أسماءهم، وقابل مُعد التقرير معظم من حُرّر منهم فيما بعد.

استقر عدد المختطفين عند 106، جلهم من الأطفال والنساء (جدول مفصّل بأسمائهم وأعمارهم). تمت تصفية ثلاثين منهم فوراً، بينهم زوجة طلال (عواطف معروف – 35عاماً) وابنتهما "لجين" 15 عاماً، واللتين عثر على جثتيهما في مقبرة جماعية بعد انسحاب المسلحين من القرية. وبقي ثلاثة من أبنائه في أيدي الخاطفين (وجد وجوى وحنين) وثمانية عشرة من أولاد أخوته وزوجاتهم.

"معركة عائشة أم المؤمنين" هكذا أطلق المهاجمون على معركتهم ضد مدنيين عزّل، تهمتهم الوحيدة أنهم من طائفة معينة، وموالون للحكومة السورية، كما جاء في تقرير "هيومن رايتس ووتش" الصادر حول المجزرة ، وكما تدل الآثار التي تركها المهاجمون على جدران المنازل (مرفق صور).

بث الخاطفون شريطاً مصوّراً على "يوتيوب" يظهر المختطفين المذهولين محمَّلين في سيارات "بيك آب" لنقلهم إلى وجهة جديدة ، وقد تم إجبار النساء والفتيات على ارتداء "اللباس الشرعي"، مترافقاً مع صوت لمتحدث يتوعد "النصيريين" بالذبح "انتقاماً لأهل السنة".

السيدة سميرة غالية واحدة من المختطفات اللواتي تم الإفراج عنهن في صفقة تبادل. تستذكر فترة اختطافها (تسعة أشهر): "كان كابوساً.. تم سوقنا كما تُساق النعاج، ونُقلنا إلى أكثر من مكان لم نتعرف على أي منها. حالة الرعب لم تفارقنا لحظة، وعيد وتهديد دائم، أقذع أنواع الشتم الطائفي، عقاب جماعي، مصادرة مصوغاتنا الذهبية بالإكراه ، وطعام لا يسد الرمق".

في التسوية، التي أبرمتها السلطات السورية مع الأمم المتحدة لإخراج مسلحي حمص القديمة بتاريخ 7 أيار/مايو 2014، تم تحرير 40 من مخطوفي اللاذقية بينهم: (جوى ووجد)، ولداي سليم، وبقيت (حنين) و85 آخرون رهينةً لدى خاطفيهم. يضاف إليهم ألوف السوريين من المختطفين مجهولي المصير.

يتهم الأهالي ومنهم طلال الجهات الحكومية المسؤولة عن الملف بالعجز أو المماطلة في حل قضية اختطاف أولادهم، بينما دأبت السلطات السورية على تكرار التزامها بحل هذا الملف. ويقول وزير المصالحة الوطنية علي حيدر إن ملف المختطفين يتقدم على غيره من الملفات. مضيفاً أن الدولة أُقحمت فيه ولا علاقة لها به؛ فالدولة لا تخطف. ولذلك، لا يمكنها الدخول في لعبة المبادلة، كما يفعل السماسرة وعصابات الخطف. ويلقي حيدر باللائمة على تعدد الجهات الرسمية العاملة فيه من دون وجود أدنى تنسيق فيما بينها، ليتحول هذا الملف إلى أحد أعقد الملفات التي أفرزتها الأزمة السورية.

 سجن التوبة.. "غيتو" بألوف المختطفين!

في دوما بريف دمشق، حيث معقل ميليشيا "جيش الإسلام"، يقبع العدد الأكبر من المخطوفين. ويقدر عمر أوسي رئيس لجنة المصالحة في مجلس الشعب السوري عددهم  بألفين؛ فيما تؤكد مصادر من داخل دوما (مسلحون تابعون لـ "جيش الإسلام" انشقوا عنه وانضموا إلى الجيش السوري) أن العدد يصل إلى أربعة آلاف مختطف، بينهم ألف امرأة معظمهن من ضاحية عدرا العمالية التي احتلتها الميليشيات الإسلاموية أواخر 2013.

عدرا العمالية واجهت يوماً يشبه ما جرى في ريف اللاذقية. فقد هاجمت مجموعات مسلحة في الساعة الرابعة فجراً، يوم الأربعاء 11 كانون الأول / ديسمبر، مساكن عدرا العمالية، الواقعة على بعد 30 كيلو متراً شمال شرق العاصمة السورية دمشق، والتي كان يقطنها بحسب آخر إحصائية رسمية قبل الهجوم عليها قرابة 100 ألف مدني، استيقظوا على أصوات تكبيرات ملأت المدينة من قبل ملثمين يعتمرون السواد، وبسيارات عليها رشاشات دوشكا، ويرفعون رايات كتب عليها "جبهة النصرة" و"الجبهة الإسلامية".

اختطفت مئات العائلات وسيق قسم آخر عند الانسحاب منها لحظة دخول الجيش السوري.

ويقول ناجون هربوا من المدينة أثناء احتلالها من المسلحين، إن عائلات بأكملها تم نقلها إلى دوما "معقل جيش الإسلام".

أما روايات الأهالي التي تم توثيقها، فتركِّز على استهداف أشخاص وعائلات بناءً على انتمائها الطائفي أو بتهمة "التعامل مع النظام".

إحدى هذه العائلات أب وأم  زُجّ بهما في مكانين منفصلين من سجن التوبة. خرج الأب أولاً.

تردَّد شادي في الحديث بدايةً، خوفاً على عائلته من الانتقام. لكنه إثر خروج الزوجة بعده بأشهر، عاد وروى كيف تم استئصال كليته بعملية جراحية بدائية: "استفقت من غيبوبتي بعد أيام لا أذكر عددها، مرمياً على الأرض، وقد خيط جرحي بسلك معدني، من دون مسكنات".

الرجل الثلاثيني خسر نصف وزنه بسبب الجوع والعمل المضني: "كنا نعمل 16 ساعة يومياً في حفر الأنفاق والخنادق، ولا نأكل سوى ست ملاعق من الرز".

تحدث الرجل عن مختطفين ماتوا نتيجة الجوع والإعياء، وبقيت جثثهم رهينة الخاطفين أيضاً.

وقد خرج شادي عبر عملية تبادل ليقضي بقية أيامه بين المشفى ومنزل الأهل عاجزاً عن القيام بأي عمل.

وزارة المصالحة الوطنية على لسان وزيرها علي حيدر تؤكد استمرارها في العمل على ملف مخطوفي دوما باعتبارهم الجزء الأكبر من العدد الكلي للمختطفين: "توصلنا في أكثر من مناسبة إلى عقد اتفاق عبر وجهاء ومشايخ دوما مع "الجهات الخاطفة، وفي كل مرة كان الطرف الآخر يحنث بوعده، ويضيف شروطاً جديدة لا يمكن للدولة قبولها ".

 سامي شحرور

 

 

 

الأزمة اليمنية