داعش المطاطي

أخبار العالم العربي

داعش المطاطيمقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hp3m

أعلنت أنقرة أنها قتلت 14 داعشيا في قصف مدفعي وصاروخي للقوات التركية، بينما تقوم قوات التحالف الدولي بغارات على مواقع التنظيم شمالي حلب.

هذا الخبر ليس الأول من نوعه من جانب تركيا، وليس الأخير بطبيعة الحال. فكل دول العالم الآن، تعلن تباعا أنها تقتل من داعش العشرات في عمليات قصف مختلفة بالصواريخ والمدفعية، وبإسقاط القنابل، وعن طريق القوات الخاصة. 

الجميع الآن يعلن عن عمليات ضد داعش: القوات العراقية، والقوات السورية، والقوات التركية، وسلاح الجو الروسي في سوريا، والمعارضة السورية المسلحة، وقوات التحالف المؤلفة من 60 دولة بقيادة الولايات المتحدة. وعلى الجانب الآخر، تعلن الدول الأوروبية من جانبها أنها تحارب داعش بشتى الطرق، وتغلق أمامه مصادر التمويل، وطرق الحركة. وعلى الجانب الثالث، تكاد استخبارات الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية تؤكد أنها على علم بكل تفاصيل تحركات داعش وأسماء قياداته، ومحل إقامتهم ونوعية أعمالهم ووظائفهم في التنظيم.

ومع كل ذلك، يتمدد داعش وينتشر كالسرطان ليس فقط في العراق وسوريا، بل وفي ليبيا ومصر وتونس والعديد من الدول الأخرى، وينفذ عناصره عمليات مختلفة في العديد من الدول، بما في الأوروبية. وقد اتفقت وسائل الإعلام العالمية، ضمنيا، خلال الفترة الماضية على عدم التركيز على جرائم داعش وعملياته من جهة، وعلى مستوى خوضه للمعارك الواسعة من جهة أخرى. ولكن حتى ذلك لم يقلل من فاعلية داعش أو لم يساهم في تقليص نفوذه.

الغريب أن العديد من وسائل الإعلام، وبالذات العربية أو الناطقة بالعربية، تحاول قدر الإمكان المبالغة في خسائر داعش، والتركيز على أن نهايته قد اقتربت، وتتداول أنباء عن سقوط العشرات والمئات من صفوف التنظيم الإرهابي، ومن ثم انكماشه بنتيجة عمليات هذه القوات أو تلك. وفجأة نجد أن داعش استولى على هذه المدينة أو تلك، أو هذا الميناء أو ذاك، أو منطقة هنا وبلدة هناك، ومصفاة نفط في العراق، وأخرى في ليبيا، وثالثة على الحدود بين تركيا وسوريا.

إن التعتيم على توسع داعش وتمدده لا يمكنه أن ينفي وجود هذا التنظيم الإرهابي، ولا يستطيع أن ينفي الاتهامات الموجهة إلى دول وقوى بعينها في دعمه وتعزيز قوته عبر طرق ووسائل مختلفة. كما أن المبالغة في خسائر التنظيم الإرهابي، لا يمكنها أن تؤكد على نجاح قوات كل تلك الدول في مواجهة الإرهاب. وبالمثل، فالمبالغة في انتصارات قوات هذه الدولة أو تلك أو هذا التحالف أو ذاك، لا يمكنها أن تقنع أي طفل صغير بأن داعش ينهار ويتلاشى ويتبدد، لأن الواقع يعكس أمورا ومشاهدات أخرى تماما.

في الحقيقة، إن ما يدور في وسائل الإعلام، وفي تصريحات الساسة، حول داعش وهزائمه وانتصاراته وغزواته، يعطي انطباعا بأن هذا الـ "داعش" يشبه الكرة المطاطية التي ما إن تقذف بها في أي جدار، لا تلبث أن ترتد إليك مرة أخرى. وكلما دفعتها بقوة إلى الحائط، ارتدت إليك بقوة أيضا، وفق قانون نيوتن الثالث (كل فعل له رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه). ما يعني ببساطة أن هناك عملية تجريد لداعش، وأن التعامل مع هذا التنظيم السرطاني الإرهابي يجري وفق إجراءات يغلب عليها الطابع النظري والتنظيري، إلى جانب التواطؤات العديدة من أطراف بعينها والتي تظهر بأشكال وبحجج متنوعة ومثيرة للدهشة والسخرية. 

منذ 15 عاما مضت كتب الباحث الروسي في مركز كالرنيجي أليكسي مالاشينكو عن انطباعاته حول تنظيم "القاعدة" وزعيمه أسامة بن لادن. وقال أن التنظيم والقائد قاما بدور جبار لخدمة العديد من الدول والقادة والمسؤولين والزعماء. وأنهى مقاله بمشهد عبثي أو سوريالي يصوِّر قادة العالم وهم يشاركون في رفع الستار عن قاعدة ضخمة يقف عليها تمثال عظيم. وعندما يزيحون الستار يرى العالم عبر كاميرات كبريات وسائل الإعلام العالمية، بن لادن واقفا، وهم ينظرون إليه في امتنان. 

هذا المشهد يمكن أن يتكرر بكل بساطة اليوم مع تنظيم داعش الإرهابي وزعيمه أبو بكر البغدادي، حيث لا يزال يؤدي الاثنان خدمات ومصالح جليلة للعديد من الدول وجماعات المصالح والبيزنس، والساسة في دول مختلف.

أشرف الصباغ

الأزمة اليمنية