لماذا تتملق اليابان للرئيس بوتين؟

أخبار العالم

لماذا تتملق اليابان للرئيس بوتين؟
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hogm

زار رئيس وزراء اليابان شينزو آبي في بداية مايو/ أيار، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منتجع سوتشي.

حول هذا الموضوع كتب الدكتور جيفري هورنينغ (أحد المشاركين في برنامج " الأمن والعلاقات الدولية" ومقره  في واشنطن وهو تابع لصندوق SasakawaUSA ) وقال إن ذلك اللقاء هو الـ 13 بين الزعيمين منذ عام 2013 عندما  زار شينزو آبي روسيا بصفته رئيس وزراء اليابان وكانت تلك أول زيارة رسمية لروسيا على هذا المستوى منذ عقد من الزمن.

في الوقت نفسه التقى رئيس وزراء اليابان الحالي مع رئيس الولايات المتحدة فقط 7 مرات. لماذا ياترى يصبو آبي للقاء بوتين بهذه الوتيرة ؟ من الواضح أن الهدف الرئيس للزعيم الياباني يكمن في رغبته في حل الخلاف المزمن على الأراضي مع روسيا . والحديث هنا يجري عن 4 جزر تتبع في الوقت الراهن للدولة الروسية التي تسميها بجزر الكوريل الجنوبية وتطالب بها اليابان وتسميها بالأراضي الشمالية.

بعد أن شغل شينزو آبي منصب رئيس وزراء اليابان أخذ يبذل الجهود الكبيرة فعلا لحل بعض القضايا والمشكلات التي بقيت بعد الحرب العالمية الثانية ومن بينها الخلاف على الأراضي مع روسيا. وكان هذا الموضوع جذابا بالنسبة لرئيس وزراء اليابان لأن موسكو أبدت سابقا الاستعداد لمناقشة هذا الموضوع. وتثير الاهتمام هنا كلمات بوتين الذي قال إن الحل الوسط في هذا الموضوع ممكن وسيتم العثور عليه. ولكن من المستبعد أن يكون هذا الحل الوسط مقبولا من الطرفين. فموسكو تعتبر أنها استحوذت على هذه الجزر بشكل قانوني ومشروع خلال الحرب العالمية الثانية أما اليابان فقد عرضت عدة أشكال للحل الوسط خلال محاولتها المستميتة لاستعادة هذه الجزر ولكن موسكو لم تقبل بأي منها. ويبقى موضوع الجزر عالقا يسمم العلاقات بين الدولتين ويمنع التوقيع على معاهدة السلام بينهما وهو ما يعيق حتما تطور العلاقات الثنائية. ولكن يجب القول إنه يوجد مجالين يمكن يجلبا الفائدة بشكل أكبر في حال تطورت العلاقات وتوثقت.

من المعروف أن اليابان تفتقر إلى موارد الطاقة وترغب في تنويع موارد النفط والغاز الطبيعي وفي ذات الوقت تحتاج روسيا لأموال المستثمرين الأجانب بعد التقلص الحاد في أسعار النفط والغاز والخامات الاخرى.

وتجدر الإشارة إلى وجود مستوى محدد في المبادلات الاقتصادية بين الطرفين وهو يتضمن مشاركة الاستثمارات اليابانية في بعض مشاريع الطاقة في جزيرة ساخالين ولكن على الرغم من ذلك تبقى التجارة بين الدولتين متدنية المستوى. ويعود سبب ذلك ليس فقط لأن ذلك ليس في أولويات أوساط البزنس في البلدين بل ولأن رجال الأعمال والمصارف اليابان لا ترغب في توظيف المال في الاقتصاد الروسي لأنه يعاني من نقاط ضعف هيكلية داخلية. ولكن الكثيرين يأملون بأن تحسن العلاقات السياسية بين الدولتين سيعطي دفعة إضافية لتطور العلاقات الاقتصادية وكذلك العلاقات الجيوسياسية.

 ويجب القول إن فعالية ونشاط روسيا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تبقى ضعيفة نسبيا بالمقارنة مع نشاطاتها في أوروبا. وفي المنطقة المذكورة يوجد شريك رئيسي وأساسي وهو الصين. ويقول البعض إن بوتين قلق بسبب تزايد التواجد العملي للصين في الشرق الأقصى وهو ينظر بحذر إلى نمو القدرة العسكرية الصينية.

وكل ذلك يلعب لمصلحة اليابان التي تعاني من مشاكل عويصة مع الصين وهي تتزايد وتحتد في المجال البحري. ولا شك في أن تقوية العلاقات مع روسيا سيعزز موقف اليابان في كل هذه المسائل والقضايا. ويمكن لرئيس الوزراء آبي أن يوفر للرئيس بوتين، المنفذ المطلوب للوصول إلى الشركاء الآسيويين وحينذاك لن تكون موسكو مرتبطة بهذا الشكل الوثيق مع الصين. وقد يساعد ذلك في دق أسفين، ولو غير كبير، في العلاقات الروسية – الصينية وبذلك سيصبح من الممكن إضافة تعقيدات جديدة الى الحسابات الاستراتيجية الصينية.

ولكن الفوائد المحتملة التي قد تنجم من السعي النشيط لرئيس وزراء اليابان في إقامة علاقات بناءة مع بوتين قد تؤدي إلى تعقيد العلاقات بين طوكيو وواشنطن لأن الأخيرة ستبدي امتعاضها من مثل هذه السياسة. فواشنطن تصر على فرض العقوبات الاقتصادية ضد روسيا  وتصر على بقاء هذه العقوبات حتى تنفذ موسكو كل الاتفاقات حول أوكرانيا. وتصر الولايات المتحدة على ضرورة اعتماد نهج موحد من قبل كل حلفائها في هذا الموضوع. وعلى الرغم من تنفيذ اليابان للعقوبات ضد روسيا إلا أن الاخيرة تحاول استخدام أية صفقة مع اليابان من اجل إفشال العقوبات أو إضعافها.

ولكن يجب القول إن طوكيو تدرك تماما أهمية العلاقات مع واشنطن وفي ذات الوقت تدرك واشنطن أهمية موضوع الجزر المفقودة بالنسبة لليابان.

من المهم أن الاتصالات بين واشنطن وطوكيو حول هذه القضايا تقع في مستوى جيد جدا. ولدى اليابان المجال الكافي لتبني سياسة خارجية مستقلة دون وضع مسألة التحالف في مواقف حرجة ومهما بدت هذه التصرفات دونكشوتية في بعض الأحيان بالنسبة إلى واشنطن.

وكل ذلك يجري لأن الولايات المتحدة واليابان تدركان أن احتمال قبول روسيا بشروط عقد معاهدة السلام، يبقى ضعيفا جدا لأن موسكو لا ترسل أية إشارات جدية تدل على استعدادها الفعلي للحل الوسط. بدلا من ذلك اعلنت موسكو عن عزمها لتطوير الوضع الاقتصادي الاجتماعي في الجزر المتنازع عليها وبناء ثكنات جديدة للجيش الروسي في جزيرتين منها.

لم يكن أحد يتوقع طبعا أن يشكل لقاء سوتشي الاخير بين بوتين وآبي، قفزة نوعية في مجال حل الخلاف بين اليابان وروسيا. ولكن آبي وعد بطرح مسلك ما جديد سيكون متحررا من أية أفكار سابقة ولكنه لم يحدد ما كان يقصد بالضبط. ولكن من الصعب توقع حدوث تقدم جدي وكبير في موضوع الجزر المتنازع عليه وخاصة مع الاخذ بالاعتبار عدم المرونة التقليدية من جانب موسكو وضعف الموقف التفاوضي للسيد آبي الذي حقق نتائج كبيرة ومذهلة في المجالات الاخرى في السياسة الخارجية لبلاده.

المصدر: نيوزويك