عدونا إنسان مثلنا

في ذكرى النصر في الحرب الوطنية العظمى

عدونا إنسان مثلناأولغا بيرغولتس
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hmkv

حين كانت الشاعرة أولغا بيرغولتس(1910- 1975)، تشتغل في إذاعة لينينغراد المدينة التي حاصرها النازيون، وقضى فيها قبل فك الحصار عنها حوالي مليون إنسان جوعا

، كان مطلوبا منها، هي الجائعة المتجمدة من البرد، أن تشد أزر المقاتلين وتوهن عزيمة الغزاة. وعن ذلك كتبت ما يستحق القراءة وتأمل القيم الإنسانية، فيما جاء في مذكراتها المعنونة بـ"نجوم النهار" الصادرة عن دار "الكاتب السوفييتي" (سوفيتسكي بيساتيل)، فرع لينينغراد، 1971، راجيا أن تكون مترجمة مع بعض أشعارها إلى العربية.
ففي فصل "صباح الخير أيها الناس" ، دوّنت أولغا حكايتها مع ترددها الإنساني، وصولا إلى انتصار قيم الإنسانية والسلام فيها على صورة العدو النمطية التي تجعلنا نرى من يقف في الجهة الأخرى وحشا، فيما هو مثلنا إنسان يعاني البرد والجوع والخوف، إنسان وجد نفسه على الجهة الأخرى حيث يقتتل الناس بإرادة طرف ثالث متوحش، ولمصلحته، فيما لا مصلحة للناس العاديين الذين يعانون البرد والجوع والفقر في أي قتال.

كتبت أولغا بيرغوليتس نصا إذاعيا موجّها إلى جنود العدو الذين يحاصرون المدينة عشية عيد الميلاد، مخاطبة فيهم حاجتهم إلى الدفء وحميمية المنزل وأجواء العيد:" أيها الجندي الألماني، أنت تعاني البرد والجوع في خندقك قرب لينينغراد. تذكّر فقط كيف كنت تنعم بالراحة في منزلك من عهد قريب عشية الميلاد. تذكر كيف كانت شجرة الميلاد تضيء، ويطقطق الحطب المشتعل في موقد البيت.. هل حقا غادرت ذلك إلى غير رجعة أيها الجندي؟ من أجل ماذا تتجمد في ضواحي لينينغراد، وينخر عظامك البرد؟ "

وتضيف:" وفجأة استوقفتني فكرة أن هذه حقيقة، وأن ناسا حقيقيين أحياء يتجمدون في الأرض الجليدية في ضواحي مدينتنا، يتجمدون مثلما أتجمد أنا الآن، إنهم بشر مثلي. فكرة أصابتني في الصميم، وسرعان ما طردتُ هذه الفكرة غير الصحيحة وغير الضرورية. ولكن هذه الفكرة، بل ليس الفكرة إنما الشعور عاودني من جديد كما لو كان يسير في طريق محلق يمر عبري. وكنت كلما تسلحت بالشعارات لطرد هذه الفكرة كانت تعود وتصدم روحي بصورة أقوى. " لا، هؤلاء ليسوا أعداء إنما هم بشر. وعدت إلى الكتابة: هل حقا لا تريد العودة إلى الدفء وسعادة منزلك بسلام أيها الجندي". أمّا أنا فأريد.. بل أريد جدا! فما زلت أذكر شجرة ميلاد طفولتي...أين هي تلك الحياة المسالمة البسيطة؟".

وإذ تخشى أولغا أن تكون قد انزلقت إلى مهوى التعاطف مع العدو، تستدرك، فتقول:" ما هذه الحماقة؟ قلت لنفسي، يبدو أنني بدأت أخرّف بفعل الجوع. فهؤلاء أعداء محتلون غزاة.. وليسوا شيئا آخر. فهل أشعر بالعطف عليهم؟ لا!.. بل أشعر بالعطف فعلا...بالعطف علينا، العطف علينا معا..

إنما نحن أشبه بجسد واحد حي تم شطره فجأة وبلا رحمة وبعبثية من قبل أحد ما ثالث ليس إنسانا، من قبل عدو الإنسانية.. أجل هذا الثالث هو الذي شقنا، شق الإنسان الواحد، الإنسانية الواحدة إلى نصفين، وألقى كلا من النصفين في مواجهة الآخر من أجل أن نفترس بعضنا ونكره بعضنا. وراح أحد نصفي الإنسان الواحد، بناء على إرادة ذلك الثالث الشرير، ينهش النصف الثاني ويعذّبه ويكرهه.. ذلك الثالث الغريب، أكرهه من كل روحي وبكامل طاقة حياتي.. ذلك الثالث فاشي.. ليس هناك جريمة أكثر وحشية بحق الإنسانية من جريمة ذلك الثالث".

قد يخطر ببال أحد ما أن الشاعرة أولغا بيرغولتس كانت من عبدة ستالين، وكانت مجرد بوق للنظام الستاليني المستبد، كما يحلو لبعض "مفكري" ثورات الربيع العربي وحكمائها اليوم أن يُسفّهوا الخائفين على أوطانهم المتعالين على جراحهم في مواجهة مخاطر أعظم وأهم من الخلافات السياسية، مخاطر تتمثل بانهيار البلدان العربية وانتصار الفاشيات الدينية فيها، بعد أن فتكت بها الدكتاتوريات العسكرية. هؤلاء المشككون بالشاعرة أولغا بيرغولتس وأمثالها، أحيلهم إلى مقال للكاتب السوري منذر بدر حلوم، عنوانه "أولغا بيرغولتس المترددة بين القمع الستاليني والنداء الوطني: إننا نمجد الذين كبلونا بالأصفاد"، وقد نشر في جريدة السفير اللبنانية في 18 يناير/كانون الثاني 2003 ، وجاء فيه:
" كانت أولغا بيرغوليتس زوجة للشاعر بوريس كورنيلوف (1931-1907) الذي اعتقل وأعدم في المعتقل الستاليني. وقد سُحبت إلى التحقيق بعد اعتقاله وكانت حبلى، فداسوها هناك بأحذيتهم الثقيلة حتى أخرجوا الجنين من رحمها، لكن الوطن لم يخرج منها رغم ثقل الأبواط. فقد استوطنت روحها ذلك الرحم المدوس محتضنة روح كورنيلوف الذي أعدم ككثيرين غيره من أجل مجد الجلاّد، وحصانة القلعة التي يختبئ فيها. بينما راحت صاحبة تلك الروح، بعد أعوام من القهر والملاحقة وتضييق الخناق عليها، تشد أزر المحاصَرين في المدينة وتبث فيهم روح الصمود والمقاومة عبر الأثير إلى أن انتصروا ".

إيفان الشامي "روسيا ما وراء العناوين"