"إيران برا برا"!

أخبار العالم العربي

مقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hlwi

كما كان متوقعا، انسحبت جموع المعتصمين داخل المنطقة الخضراء من ساحة الاحتفالات، بعد بيان اللجنة التنظيمية للاعتصامات التي دعت فيه إلى الخروج من المنطقة احتراما لزيارة الإمام الكاظم.

فقد أعلنت اللجنة المنظمة للاعتصامات في بغداد، الأحد، الخروج من داخل المنطقة الخضراء وسط العاصمة "احتراما" لزيارة الإمام الكاظم (ع)، مؤكدة أن المتظاهرين سيعودون إلى المنطقة بعد انتهاء الزيارة لغرض "إصلاح" العملية السياسية، فيما دعت إلى "وقفة عظيمة" يوم الجمعة المقبل.

وقالت عضو اللجنة إخلاص العبيدي في كلمة أمام حشود المعتصمين في ساحة الاحتفالات ببغداد: "من موقع الاقتدار والقوة نعلن خروجنا من المنطقة الخضراء، وسنعود وسيكون عودنا أحمد". وأضافت العبيدي: "إننا نطالب بالتصويت على حكومة تكنوقراط بجلسة واحدة لمجلس النواب، وإلا فإننا سنتجه إلى إقالة الرئاسات الثلاث. وإن لم يتحقق ذلك فسنتجه إلى العصيان المدني أو الاضراب الشامل؛ والمرحلة الأخيرة ستكون التوجه إلى الانتخابات المبكرة".

وقد ألقى اقتحام الصدريين للمنطقة الخضراء غير المسبوق في 30 أبريل/نيسان، وما جرى من ممارسات واعتداءات على بعض النواب؛ ثم اعتصام الصدريين الرابع في ساحة الاحتفالات، بتداعياته على جميع أطراف العملية السياسية.

وكان لهتاف المعتصمين "إيران برا برا" من تحت قوس النصر، المليء بخوذ قتلى الجنود الإيرانيين في الحرب العراقية-الإيرانية، دويه أيضا.

فقد اكد رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، الأحد، ألا بديل عن حماية العملية السياسية والنظام والحفاظ على هيبة الدولة. وقال الجبوري في بيان له إن "مجلس النواب هو بيت الشعب وصوته وتمثيله". وإن ما جرى من ممارسات، سواء على المؤسسة التشريعية أو على أعضائها والموظفين فيها بالاعتداء عليهم، يعد خرقا واضحا وسافرا لقيم احترام الدولة والقانون.

من جانبه، حذر القيادي في "منظمة بدر" محمد مهدي البياتي، الأحد، من "نكبة" قد يتعرض لها العراق بعد اقتحام مجلس النواب. وفيما أشار إلى أن شعارات بعض المتظاهرين "مدفوعة الثمن" من "البعث الصدامي" والسعودية، أبدى رفضه تغيير شعار "الموت لأميركا" إلى "إيران بره بره". وخاطب البياتي المتظاهرين بالقول: إننا "شاهدنا بأم أعيننا الدعم الإيراني لمحاربة "داعش"؛ وهذا هو الفرق يا أيها المتظاهرون فعليكم إدراك المؤامرة، ومن أقحمكم بهذه اللعبة الخبيثة".

وفيما دعا قادة "التحالف الوطني العراقي" (الذي يرأسه وزير الخارجية إبراهيم الجعفري) المتظاهرين إلى أخذ الحيطة والحذر والحفاظ على هيبة الدولة، دان "تحالف القوى العراقية" (الذي يرأسه أحمد المساري) و"ائتلاف الوطنية" بزعامة إياد علاوي، اقتحام مبنى البرلمان. ومن جانبها، استنكرت الكتل الكردستانية اقتحام مبنى البرلمان من قبل المتظاهرين، ورأت أن ما حصل، يوم أمس (01 05 2016)، هو ضربة موجعة للعملية السياسية؛ وأعلنت عن الحاجة في الوقت الحالي إلى إعادة النظر في كيفية مشاركة الكرد بالعملية السياسية.

وبين اقتحام الصدريين ثم انسحابهم من المنطقة الخضراء، عقدت الرئاسات الثلاث وقادة الكتل السياسية اجتماعا، الأحد، دانوا فيه اقتحام مجلس النواب والاعتداء على عدد من أعضائه، وأشاروا إلى أن ما حصل كان تجاوزا على هيبة الدولة، ويستدعي مقاضاة المعتدين. وجاء في بيان لرئاسة الجمهورية أنه قد "تقرر في الاجتماع مواصلة اللقاءات من أجل ضمان حركة إصلاح العملية السياسية إصلاحا جذريا".

وفيما اعربت السفارة الأمريكية في العراق، ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني، عن القلق إزاء اقتحام المنطقة الخضراء والبرلمان العراقي، أعلنت "منظمة الحج والعمرة الإيرانية"، عن إلغاء الرحلات الإيرانية المتجهة الى بغداد بسبب الأحداث الاخيرة في العاصمة. وحذرت المواطنين الإيرانيين من التوجه إلى العاصمة العراقية هذه الأيام، خوفا من حصول أعمال عنف واضطرابات امنية.

وبينما كانت الاطراف المحلية والدولية منشغلة بردود الأفعال على اقتحام الصدريين للمنطقة الخضراء واعتصامهم التاريخي فيها، أكد المكتب الخاص لزعيم "التيار الصدري" السيد مقتدى الصدر أن الشعب بدأ نهضته بالإصلاح ولن تنتهي إلا بالإصلاح. وقال المكتب، في بيان له، إنه قد "سقطت اليوم أقنعة الزيف، وأعلن الشعب ثورته وفار تنور الاصلاح، ولا عاصم اليوم من طوفان الشعب، إلا بجودي الاصلاح لولادة العراق الجديد على أنقاض الفساد والمفسدين".

كما أكدت الهيئة السياسية "للتيار الصدري"، الأحد، رفضها أي تعد على ممتلكات الدولة العامة والممتلكات الخاصة وأي محاولة لحرف جهود الإصلاح عن جادتها؛ داعية المشاركين في العملية السياسية إلى تشكيل كتلة وطنية عابرة للطائفية. وحثت الهيئة الأحزاب والكتل السياسية كافة على استيعاب دروس التاريخ والتحلي بشجاعة الاعتراف بالاخطاء، "فإن لم يفعلوا ذلك فلات حين مندم ولات حين مناص".

ومهما كان فعل الصدريين المستمر والمتقدم من اعتصام إلى آخر، ومهما كانت ردود فعل الاخرين عليه، فإن نجاح تكامل اعتصامات الصدريين مع انسحاباتهم المدروسة قد خلخل بنية العملية السياسية التحتية التي تأسست في عام 2005.

ولذا، يبدو أن العراق يتجه بالجميع، رضوا أم أبوا، نحو النصف الثاني من عام 2004، متجاوزا عام 2005، الذي جرى فيه انتخاب أول برلمان وتشكيل أول حكومة وكتابة الدستور وتأسيس البيت الشيعي، وتم رفض المصالحة الوطنية تحت رعاية الجامعة العربية. كما كان قد بدأ، في عام 2005، أيضا التصادم الأمريكي-الإيراني في العراق، بسبب تطورات الملف النووي الإيراني، وتم كذلك انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا لإيران.

ومن النصف الثاني لعام 2004، يمكن أن يبدأ العراق من جديد بعد أن يتخفف من وزر الصدام الأمريكي-الإيراني في العراق، ومن فساد عملية سياسية أنتجتها أحداث عام 2005، في ظروف انقسام سياسي عراقي بعد الاحتلال، وبخاصة بعد انتهاء التصادم الأمريكي-الايراني إثر توقيع "اتفاق لوزان" في تموز 2015.

وكلنا يتذكر أن تسونامي الحراك الشعبي في العراق بدأ في الأيام العشرة الأخيرة من يوليو/ تموز 2015. أي بعد خمسة أيام من توقيع "اتفاق لوزان". وربما يكون ذلك دليلا على فقه الحراك الشعبي العراقي لاتجاهات بوصلة الاحداث. وما هتافات المعتصمين "إيران برا برا" إلا مؤشر أيضا على ذلك، وأنها قد تعني ليس فقط أفول عصر الصدام الأمريكي-الإيراني في العراق، بل وأفول العصر الإيراني في العراق أيضا.

عمر عبد الستار