دواء التغيير.. لمكافحة الإرهاب والتدمير

أخبار العالم العربي

دواء التغيير.. لمكافحة الإرهاب والتدمير الجيش السوري
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hl7o

لو أن الحراك الشعبي في سورية الذي انطلق عام 2011، تواصل على هدي الشعارات الأولى، ولو أن تلك الشعارات لقيت أذنا صاغية عند أولي الأمر، لما كانت المسألة بحاجة لأية وصفات لمعالجتها.

ولولا الانحراف القاتل باتجاه السلاح والتدخل الخارجي، واستسهال الحلول الأمنية والعسكرية، ما كان أحد ليجهد نفسه في البحث عن مخارج من حالة استعصاء سداه ولحمته العنف الدموي.

أما وقد "وقعت الفأس بالرأس"، وبات الجميع يتلظون في أتون حرب مجنونة أوشكت أن تصل بالبلاد والعباد إلى أدنى مهاوي التهلكة، فلا مناص من اللجوء إلى كل السبل، واستجداء كل المسميات، من العقل والضمير إلى العواطف والمشاعر الإنسانية وغيرها؛ فضلا عن استدراج مساعي القريب والغريب... كل ذلك، بغية فتح كوة بسيطة في جدار "الأزمة" الأصم.

ولعل من باب الأولويات أن يتوقف المراقب عند مستوى العنف الذي استحال- من جهة- عسفا سلطويا غير مسبوق، تُغذيه حساسيةٌ مفرطة إزاء أية معارضة لسلطة الأمر الواقع، وتقفُ خلفه كتلة متأهبة لارتكاب كل شيء من أجل الاحتفاظ بهذه السلطة. أما من الجهة الأخرى، فقد انداح العنف إرهابا تكفيريا أسود سافرا، يلطخ وجه الوطن بأقبح فنون الموت، ويتوسل ما لا يتصوره الخيال كي يتمكن دعاته من اقتناص السلطة، وإقامة مشروعهم التدميري المريع.

أرقام الهلاك والدمار، التي يوردها المتابعون المتخصصون في أكثر من مجال، باتت مخيفة حقا... مئات الآلاف من الضحايا الذين لن يُغنيهم شيئا وصفُهم بالشهداء. ومثلهم من المعطوبين والمشوهين الذين تقف أنبلُ العواطف، وأرقُ تعابير المواساة، عاجزة عن تعويضهم ما فقدوه.

ضربَ الإرهاب أطنابه في جميع مناحي الحياة السورية، وصار جزءا لا يتجزأ من يوميات المواطن، قريبا كان أم بعيدا عن الجهات المتصارعة؛ فبعد أن كان، في كل وقت، مشروعَ ضحية لأجهزة منفلتة من عقالها، صار اليوم ضحية "ناجزة" تتقاذفها جهات عديدة، تشهر على مدار الساعة سلاح القتل، عشوائيا ومبرمجا، حتى بات هذا المواطن "كالمستجير من الرمضاء بالنار".

وبغض النظر عمَّن يمارسه، أضحى الإرهاب في الأراضي السورية وحولها، خطرا ماثلا يهدد العديد من اللاعبين، الذين لن يتخلوا، بطبيعة الحال، عما يرونه مصالحَ حيوية لهم في منطقة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها شتى الدروب والمصالح منذ غابر الأزمان.

تعرضت بنى المجتمع السوري إلى تدمير جهنمي مارسته كل الأطراف في حربها المجنونة هذه... منذ البداية انهال النظام بالرصاص على المتظاهرين، فوجد "البعض" في ذلك الحجة والذريعة لحمل السلاح، والذهاب إلى أقصى حد، في "تثوير" حركة الجمهور السوري الذي اقتصرت مطالبه آنذاك على الحرية والكرامة. تكاثر المسلحون، تقاطروا من كل حدب وصوب، دخلوا المدن والبلدات والأحياء والقرى، وسيطروا على قسم كبير منها، فما كان من آلة جبروت السلطة إلا أن بادلتهم "التحية" بأحسن منها، ضربا وقتلا وتدميرا بحجة مكافحة الإرهاب... وهكذا دواليك، حتى أمسى العديد من حاضرات البلاد قاعا صفصفا.

كثيرٌ من المراقبين، والمواطنين العاديين، يمرون على هذه الوقائع، التي لم تعد بحاجة لدليل أو برهان، ليطرحوا السؤال الملح: ما العمل لمكافحة الإرهاب ووقف التدمير والخراب؟

لا شك في أن هذا السؤال برسم النخب السورية، وقوى المجتمع وفعالياته السياسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية....إلخ، رغم أن القضية برمتها أحيلت إلى المحافل الدولية. ولا شك أيضا في أن ثمة العديد من الأجوبة والوصفات التي يراها أصحابها في غاية النجاعة والصلاحية. ولكن، بعيدا عن الغرق في تفاصيل اللوحة، أو اجتزاء عناصرها الرئيسة، لا مفر من مواجهة الأمر الواقع بعين الواقع ذاته... وبصوته الصارخ: أن لا عودة إلى ما كان قبل الحراك... وهنا، لم، ولن، تسعف أحدا روايات "الاندساس، والتآمر والتكفير، والعدوان على أهل المقاومة... وغير ذلك".

وفي المقلب المواجه، لم يُجدِ – ولن يُجديَ- نفعا، ترديد أن "الشعب يريد إسقاط النظام"، و "تنحية الرئيس"، مع ما يرافق هذا الضجيج من توصيفات وتنويعات صارت باهتة لكثرة تكرارها الممل. لا معنى، بعد كل ما جرى، للتمترس في المواقع ذاتها... فلا بد من تغيراتٍ في الخارطة، واختراقاتٍ في النظرة والممارسة، لفتح المنافذ أمام هواءِ جديد يساعد على إعمال العقل، التماسا للحقيقة الموضوعية، وامتثالا لوقائع الحياة، "العنيدة" بطبعها، المحزنة بمآلاتها إن هي ازدريت.

ولعل تمهيد التربة أمام حل تلتف حوله القوى المناهضة للإرهاب، وصاحبة المقدرة على وقف آلة الخراب والتدمير، يقتضي أولا وبالضرورة إجراء تغيرات ملموسة، وجوهرية في بنية السلطة الأمنية القائمة على وحدانية مركز القرار، وتغييب أية مشاركة حقيقية في تقرير مصير الشعب والوطن. لا بأس( بل ربما من الأفضل) أن تأخذ تلك التغيرات طابعا تدرجيا سلميا هادئا، يحافظ على مؤسسات الدولة، ويتيح إعادة هيكلتها بما يحقق الهدف من التغيير، ويصون الدولة من التفكك والانهيار.

إن التغيرات المنشودة في إطار من هذا القبيل، ومهما كانت متواضعة، سوف تسهم إسهاما وازنا في توفير الظروف المؤاتية لمكافحة الإرهاب والتدمير، ووضع عربة الأزمة على سكة الحل، وذلك لعوامل واعتبارات منها:

• إحياء الأمل بجدوى وإمكانية كسر الجمود، وتجاوز حالة الاستعصاء، ما قد يدفع الجمهور نحو الفعالية الميدانية، وتخلي الأغلبية الصامتة عن صمتها، بحيث يعجل ذلك بإحداث اختلال في ميزان القوى لصالح الساعين إلى نبذ العنف، وإلى بلورة حل سلمي يتجاوب والمصلحة الوطنية.

• أي تغيير في الحالة الراهنة، حتى ولو كان خطوة جزئية كالإفراج عن المعتقلين من النساء والأطفال، سيخلق مناخات أفضل للثقة بين مختلف أطراف الصراع، ويفتح أفقا عمليا لتوجيه الجهود المشتركة نحو مكافحة الإرهاب، ووقف آلة التدمير والخراب.

• التغييرات المنشودة، وخاصة إذا جاءت في إطار تنازلات متبادلة، ستكون عونا لكل من يعمل على بلورة القواعد الضرورية لقيام جبهة داخلية عريضة تخلخل البيئة الحاضنة للإرهاب، وتحمي أي إنجاز يصب في مجرى الحل السياسي.

• كما أن أي مستوى من التغيير سيزيد في ثقة القوى الخارجية بفرص الحل، وقد يشجعها على بذل جهود أكبر على هذا الطريق، والمساهمة الجادة في محاصرة قوى الإرهاب، وتقديم العون المادي لإعادة الإعمار، إذا ما كتب النجاح لمساعي الخير.

عادل اسماعيل