الدستور وهيئة الحكم يهددان مفاوضات جنيف

أخبار العالم العربي

الدستور وهيئة الحكم يهددان مفاوضات جنيفمحادثات جنيف حول سوريا
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hkjo

دخلت مفاوضات جنيف السورية مرحلة حرجة مع إعلان الهيئة التفاوضية العليا للمعارضة وقف المفاوضات إلى حين تحسن الظروف لتصبح ملائمة للتفاوض.

ليس الأمر مرتبطا باستمرار القتال في حلب واستمرار الحصار المفروض على مدن وبلدات، كما قال منسق المعارضة رياض حجاب، بقدر ما هو مرتبط بالهوة الكبيرة التي تفصل بين الطرفين المفاوضين ورؤيتهما للحل السياسي المنشود.

فطرفا المفاوضات لا يزالان متمسكين بمواقفهما:

المعارضة ترفض أية تسوية لا تبدأ بتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة؛ وهي صيغة تم تجاوزها في القرار الدولي 2254، الذي وإن شدد على بيان جنيف في مقدمته، فهو في الفقرة الرابعة الحاكمة، التي تشكل المرجعية الرئيسية للمرحلة الانتقالية، يشير إلى حكم ذي مصداقية وغير طائفي.

ودمشق ترفض، في المقابل، الحديث عن مناقشة مصير الرئيس بشار الأسد على طاولة المفاوضات؛ فضلا عن رفضها هيئة الحكم الانتقالية ذات الصلاحيات الكاملة، واستبدالها بحكومة وحدة وفق الدستور الحالي.

وهنا نشأت معضلة أخرى - هي الدستور: هل يتم الانتقال السياسي ضمن الدستور الحالي أم بعده؟ فإذا كان الانتقال السياسي سيتم في ضوء الدستور الحالي، فلا بد من تشكيل حكومة الوحدة أولا ثم الانتقال إلى كتابة الدستور، وهذه وجهة نظر دمشق.

ولذلك، نقل الوفد الحكومي استعداد دمشق لبدء عملية سياسية بناء على الدستور الحالي لعام 2012، ويشمل ذلك تشكيل حكومة موسعة تضم موالين للدولة والآخرين والمستقلين. على أن تقوم هذا الحكومة بتنفيذ بندَي القرار 2254، اللذين يتعلقان بصوغ دستور جديد وإجراء انتخابات خلال 18 شهراً.

لكن هذا الطرح بدا مرفوضا من قبل المعارضة، التي تصر على أن مرحلة الانتقال السياسي، وكما جرت العادة في تجارب دولية سابقة، تتطلب وجود هيئة سياسية جديدة ممثلة لكل الأطراف، تكون مهمتها تهيئة الأجواء للانتقال إلى مرحلة الاستقرار السياسي.

ووفقا لهذا الطرح، لا بد من البدء بتشكيل هيئة الحكم التي تضم المعارضة وممثلين للحكومة، وتكون كاملة الصلاحيات وتناط بها كتابة الدستور وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسستان العسكرية والأمنية.

والخلاف يكمن، كما يؤكد كثيرون، في أن دمشق لا تريد لهذه الهيئة أن تعمل بمعزل عن الدستور الحالي، وأنها لا تريد أن تكتب دستورا جديدا؛ بل هي تريد أن تكون الحكومة الوطنية، التي ستضم المعارضة ومستقلين وممثلي الدولة، ذات صلاحيات واسعة وليست كاملة، وتكون كتابة الدستور بالتفاهم مع الرئاسة.

وأمام هذه المعضلة - أيهما يسبق أولا، الحكومة أم الدستور؟ - تم اقتراح إنشاء مجلس تأسيسي تكون مهمته تشكيل الحكومة والدستور. لكن هذا المقترح رفضه الجانبان، ليتم الانتقال إلى طرح تقدم به المبعوث الأممي الخاص بسوريا ستيفان دي ميستورا قبل يومين، ويقضي بتشكيل مجلس رئاسي يضم ثلاثة أو ربما خمسة نواب للأسد وبصلاحيات واسعة، بحيث يبقى للأسد بعض الصلاحيات البسيطة التي لا تخرج عن البروتوكولات. وهذا الحل من شأنه تجاوز عقبة ثنائية الحكومة - الدستور.

لكن المعارضة رفضت ذلك، لأن هذه الخطوة من شأنها تكريس الدستور الحالي وتكريس الأسد رئيسا وإن كان بصلاحيات أقل. وقد رد على هذا الطرح رئيس وفد الهيئة أسعد الزعبي حين قال إن "النظام بعث برسالة قوية مفادها بأنه لا يريد الحل السياسي لكنه يريد الحل العسكري الذي سيؤدي إلى تدمير البلاد بالكامل".

والمشكلة الكبرى التي تواجه طرفي المفاوضات تتمثل في أن التفاهمات الدولية خصوصا الروسية-الأمريكية تجاوزت حدود فهمهما.

فمن جهة، لم تفهم المعارضة أن مصير الأسد تُرك إلى نهاية المرحلة الانتقالية؛ ومن جهة أخرى، لم تستوعب الحكومة السورية أن محاولات إعادة إنتاج النفس أضحت غير ممكنة مهما تنوعت الأساليب.

والصعوبة تكمن في أن الطرفين غير قادرين على تجاوز هذه العقدة:

فالهيئة التفاوضية العليا تضم مكونات عدة أهمها الائتلاف وممثلو فصائل عسكرية هددوا بالانسحاب من هيئة التفاوض إذا تم التراجع عن مطلب هيئة الحكم كاملة الصلاحيات.

وفي المقابل، يمكن القول إن صنع القرار داخل منظومة الحكم في سوريا لم يعد كما كان قبل عام 2011، لأن الأزمة الحالية أدت، وفق مراقبين، إلى خلق مراكز قوى في صنع القرار، فضلا عن تأثير الحلفاء الإقليميين والدوليين.

وأمام هذا الواقع، تحاول موسكو وواشنطن دفع الطرفين نحو التفاهم. لكن في حين تضغط واشنطن لوقف العمليات العسكرية، مطالبة دمشق بإبداء ليونة تفاوضية، تسعى موسكو مجددا إلى إعادة فتح ملف وفد المفاوضات عبر إعادة هيكلة الوفد وإدخال مجموعة موسكو أو ممثل عنها كقدري جميل، وإدخال مجموعة القاهرة أو جزء منها، ومجموعة "آستانة" أو ممثل عنها.

حسين محمد