الأبعاد العسكرية والسياسية للسيطرة على الشدادي

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hehw

في تطور عسكري سريع نجحت "قوات سوريا الديمقراطية" في السيطرة على بلدة الشدادي، ذات الأهمية الكبيرة، بعد 4 أيام من إطلاق حملة عسكرية، للسيطرة على الريف الجنوبي الغربي لمحافظة الحسكة.

 وتعَدُّ السيطرة على الشدادي الإنجاز العسكري الثاني لـ "قسد" في الحسكة بعد السيطرة على مدينة الهول في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

 بيد أن الشدادي تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة في المنطقة؛ فإذا كانت الهول صلة الوصل بين سنجار العراق شرقا ومحافظة الرقة غربا، فإن الشدادي تقع ضمن مثلت ضلوعه: العراق شرقا والرقة غربا ودير الزور جنوبا، ما يجعلها نقطة انطلاق عسكرية في اتجاهات عدة.

 ومن شأن السيطرة على المدينة هذه إجبار "داعش" على التحرك نحو الجنوب تجاه دير الزور، كخطوة ضرورية لتطهير الحسكة، وهنا تكمن الأهمية الكبرى للسيطرة على الشدادي؛ حيث الهدف من ذلك يتجاوز عموم محافظة الحسكة.

 وقد امتد الفاصل الزمني بين السيطرة على الهول والسيطرة على الشدادي إلى ثلاثة أشهر، كان لا بد خلالها من إنهاء معارك ريف اللاذقية الشمالي وريفي حلب الشمالي والشرقي، وإلى حد ما الريف الجنوبي لحلب.

والرابط بين الحسكة في أقصى الشرق وحلب في أقصى الغرب هو محافظة الرقة، التي تتوسطهما، وتشكل عاصمة "داعش".

ويتطلب فتح معركة الرقة أولا السيطرة على المناطق المحيطة بها، في خطوة لعزل التنظيم، وقطع أوصاله الجغرافية، بحيث يكون منتشرا في كانتونات جغرافية غير متواصلة فيما بينها.

 كما أن المقاربة العسكرية الأمريكية تربط بين معركتي الموصل في العراق والرقة في سوريا، لأن واشنطن تخشى أن تجبر معركة الموصل عناصر التنظيم على التوجه غربا نحو الرقة، معقلهم السوري؛ كما تخشى واشنطن في المقابل أن يحدث العكس في حال فتحِ معركة الرقة، أي أن يتوجه التنظيم نحو العراق عبر الحسكة.

بينما تقوم الخطة الأمريكية على إجبار التنظيم على التحرك نحو الصحراء، لكي يكون لقمة سائغة للطيران. وتعَدُّ السيطرة على الشدادي الخطوة الأولى على طريق تحقيق هذا الهدف؛ فهي تبعد عن الحدود العراقية شرقا ومنطقة شنكال نحو 50 كم، وعن مدينة بعاج العراقية الخاضعة لـ "داعش" نحو 80 كلم، وعن دير الزور جنوبا نحو 200 كم، وعن مدينة الرقة غربا نحو 250 كم. وخروج الشدادي من أيدي "داعش" تعني خسارته قاعدة انطلاق عسكرية مهمة، خاصة أن التنظيم كان ينطلق من الشدادي نحو عملياته العسكرية في العراق والرقة ودير الزور.

 كما أن للمدينة أهمية اقتصادية تساوي أهميتها العسكرية الجغرافية؛ حيث تحتل المرتبة الثانية في إنتاجها النفطي بعد منطقة رميلان في الجزيرة. ويوجد فيها حقل جبسة النفطي - أحد أهم حقول النفط في سوريا؛ ويوجد فيها حقول للغاز أيضا، وكان "داعش" يكسب من إنتاج وبيع النفط ما يقارب 5 ملايين دولار في اليوم.

 وعلى الرغم من هذا الإنجاز العسكري، فإن السيطرة على الشدادي فتحت الباب على مشكلات متوقعة، وقد تؤثر مستقبلا على طبيعة التحالفات في هذه المنطقة؛ فالشدادي مدينة عربية غالبية سكانها من عشيرة الجبور، والذين يشعرون بالحساسية من السيطرة الكردية على منطقتهم، وإن كانت تحت عنوان "قوات سوريا الديمقراطية"، التي تتألف من قوى عربية، لكن قرار هذه القوات مرتبط بالقيادة الكردية-الأمريكية، ولذلك ثمة حديث يدور الآن عن تسليم قيادة المنطقة إلى قوى عربية.

 كما أن هذه الإنجازات الكبيرة للأكراد في عموم الشمال السوري، بدأت تأخذ مسارا مختلفا، من حيث العلاقة بين القوى الكردية السياسية-العسكرية وبين الحكومة السورية.

 وليس مصادفة أن يأتي تصريح بثينة شعبان المستشارة السياسية للرئيس السوري بأن "وحدات حماية الشعب الكردي" تعَدُّ وحدات من الجيش السوري. في حين أن مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري أعلن قبل ذلك بأيام أن "الوحدات الكردية تتلقى دعمها من دمشق والولايات المتحدة وروسيا، وهذه الانتصارات هي مشتركة للجيش السوري أيضا".

وغالبا ما يحاول الأكراد تمييز أنفسهم عن الحكومة والجيش السوري، بالقول إنهم غير مرتبطين بهما، وإنهم جزء من المعارضة "المعتدلة". وطالما أعادوا التذكير بسياسة دمشق تجاه الأكراد خلال العقود الماضية، قائلين إن ما يجري على الأرض من تلاقي المصالح العسكرية لا يعني ارتباط الطرفين بعضهما ببعض.

لكن من الواضح أن دمشق تريد بعد هذه النجاحات العسكرية إعادة القبض على زمام الأمور، كما كان الأمر في السابق قبيل الأزمة، وهذا ما لن يقبل به الأكراد.

وعلى الرغم من أن النجاحات العسكرية الأخيرة في سوريا جاءت نتيجة تلاقي مصالح دمشق مع الأكراد على المستوى المحلي، وتقاطع المصالح الروسية-الأمريكية على المستوى الدولي، فإن بين هذه الأطراف خلافات لم تكشف بعد، ومع كل انتصار عسكري تتكشف الخلافات بين هذه الأطراف جميعا.

حسين محمد