روسيا بين هبوط الروبل وتعزيز التنمية

أخبار العالم

روسيا بين هبوط الروبل وتعزيز التنميةالروبل الروسي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hbrc

فيما تعكف روسيا على مكافحة الإرهاب ورفد التنمية الاقتصادية، تركز عواصم الغرب على التهويل لمشاكل الاقتصاد الروسي، وتكافح غضب المزارعين الأوروبيين الذين سقطوا ضحية للعقوبات.

وبين المواد الدسمة التي تلقفتها وسائل الإعلام الغربية، وراحت تسلط الضوء عليها وتظهرها عبر عدسات التكبير، كان الهبوط الأخير الذي سجله سعر صرف العملة الروسية.

فبالعودة إلى بداية التوتر في العلاقات بين موسكو والغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية وانضمام القرم إلى روسيا، لا بد من الإشارة إلى أن الغرب هو الذي بادر بفرض العقوبات ضد روسيا التي ردت بعقوبات جوابية، وكان على يقين تام من جدواها في قصم ظهر موسكو لحملها على إعادة النظر في قرارها و"إرجاع القرم" إلى أوكرانيا "طوعا".

كبار المسؤولين الغربيين، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، صرحوا غير مرة من أعلى المنابر بأن "نهاية الاقتصاد الروسي اقتربت" وبأن موسكو سوف تندم وتعدل عن سياستها "الخطيرة" التي زعزعت الاستقرار في أوروبا والعالم.

الحكومات الغربية استمرت في التصعيد وفرضت العقوبات على روسيا، مجددة بذلك التأكيد على عدم درايتها بكيفية التعامل معها، ومتجاهلة مقولة أوتو فون بسمارك، جامع أراضي ألمانيا إنه "إذا ما سلبت الروسي ماله وسكت، فكن على يقين تام بأنه سيعود لاسترداده ولو بعد حين".

أما الروس، وحسب مختلف استطلاعات الرأي الرسمية والمستقلة بين محلية وأجنبية، فقد أجمعوا في معظمهم على صواب الموقف الروسي، وأعربوا عن استعدادهم لمواجهة كل التحديات مهما كان ثقلها، "إذ القرم أرض روسية وحان الوقت لقبول عودتها إلى روسيا بعد خطط كييف والغرب لجعلها قاعدة بحرية للناتو وطردنا منها إلى غير رجعة".

وعليه، فبالوقوف على الخسائر التي تعرض لها الاقتصاد الروسي جراء عقوبات الغرب الانتقائية، لا بد من الإشارة أيضا إلى حجم الخسائر التي تكبدتها اقتصادات الدول التي "عاقبت" روسيا لوضعها عند حدها، بل لحشرها في مصاف الدول "الإقليمية" لا العظمى.

فعوضا عن أن ترفع روسيا يديها وتقول كفى، ها أنا قررت القبول وإعادة القرم والبقاء ضمن إقليمي تجنبا للمحظور، تستمر في تطوير اقتصادها والتحول به نحو الاعتماد على الانتاج والاستهلاك الداخليين.

كما تجني، وهو الأمر الأهم حسب الاقتصاديين، ثمار "الضرر الأكبر" الذي تعول عليه عواصم العقوبات، ألا وهو هبوط الروبل الروسي وما سيترتب على ذلك من تبعات.

النتيجة كانت، ورغم الأضرار التي يتعرض لها الاقتصاد الروسي حكما في الفترة الراهنة، أن هبوط الروبل أفضى إلى انخفاض قيمة البضائع الروسية بالدولار وتعزيز قدراتها التنافسية في الخارج، وانخفاض كلفة الانتاج، كما أسهم في تشجيع السياحة الداخلية وإرباح شركات الطيران والسياحة الوطنية مما حرك قطاعات بأكملها في الاقتصاد الروسي.

 كما أدى هبوط الروبل كذلك، إلى ارتفاع أسعار البضائع الأجنبية في روسيا وانخفاض الطلب عليها للاستعاضة عنها بالبدائل الروسية التي لا تقل جودة عما هو أجنبي، بل كانت تعاني مضاربة البضائع الأجنبية ومزاحمتها في السوق الروسية تحت وطأة اتفاقية التجارة الحرة التي عارضها الكثيرون في روسيا قبل تبنيها.

وبالوقوف على أثر العقوبات على روسيا ومن فرضها ضدها، فقد بلغت خسائر الاتحاد الأوروبي جراءها ما لا يقل عن 100 مليار دولار حتى أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فيما تراوحت خسائر روسيا ما بين بين 20 و25 مليارا حسب وزارة التنمية الاقتصادية الروسية.

فقطاع الزراعة الألماني وحده تكبد حسب DWN الألمانية خسائر قيمتها مليار يورو، فيما خسر قطاع الزراعة الفرنسي حسب Le Figaro مليار يورو هو الآخر حتى نهاية العام 2014.

ورغم كل ما تقدم، فإن روسيا وكما يؤكد الكثير من الخبراء كانت بحاجة فعلية لهزة تحرك اقتصادها وتحثه بما ينعش جميع القطاعات التنموية ويقلل من نسبة اعتماد ميزانيتها على عائدات النفط والغاز، رغم أنها ليست بلدا ريعيا يعتاش على بيع النفط والغاز كما يحاول الكثير من خصوم موسكو تصويرها، فهي تتمتع بدورة إنتاجية وصناعية وتصديرية متكاملة في هذا الحقل كما في غيره.

وبالوقوف على ما يشهده العالم من تجاذبات، تستمر روسيا في عمليتها الجوية لمكافحة الإرهاب، فيما تعكف حكومات الدول صاحبة العقوبات ضد روسيا، على مكافحة غضب مزارعيها وتفريقهم بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ليعودوا إلى مزارعهم راضين بالمتاح، فالسياسة أهم، والمشاكل الاقتصادية في أوروبا كانت موجودة قبل العقوبات الجوابية الروسية. كما أن القرار الغربي ثابت، "ويهدف إلى وضع روسيا عند حدها رغم أن الاتحاد الأوروبي لا ناقة له ولا جمل في صراع جيوسياسي بين موسكو وواشنطن وقيده المزارعون والسياح والاقتصاد".

ومما تقدم، تلوح في الأفق معالم رفع الدول الأوروبية عقوباتها عن روسيا، إذ تنتظر كما يبدو، وعلى أحر من الجمر أن توعز واشنطن لها بذلك، خاصة وأن وزير الخارجية الأمريكي قد ألمح للتو في دافوس باحتمال إزالة العقوبات الغربية عن روسيا إذا ما طبقت اتفاقات مينسك بشأن التسوية في دونباس شرق أوكرانيا، دون الإشارة أو التلميح ثانية إلى القرم.

فهل اكتفى الغرب بهذا القدر من العقوبات، أم أنه ضاق بها ذرعا وصار يبحث عن أي مخرج ينقذه من أثرها ويحفظ له ماء وجهه أمام حلفائه وروسيا والعالم؟

صفوان أبو حلا

فيسبوك 12مليون