الجيش العراقي يبحث عن هويته

أخبار العالم العربي

الجيش العراقي يبحث عن هويتهأستعراض الجيش العراقي في عيد تأسيسه الـ 95
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hae3

كان الجيش السابق قد اختفى عن الأنظار قبل وصولي بوقت طويل، فمعظم أفراده وضباطه، الذين رأوا كيف يتجه مسار الحرب، تواروا عن الأنظار وانخرطوا مع عائلاتهم أو بدأوا العمل في مزارعهم.

هكذا يصف الحاكم العسكري للعراق ابان سقوط بغداد بول بريمر، حل الجيش العراقي في العراق بعد 2003 في مذكراته، ويضيف بريمر في مكان آخر "واجهتنا صعوبات عملية مهمة تعترض استدعاء أفراد الجيش السابق، فكل جيش يحتاج إلى ثكنات وقواعد ومعدات، فقد تم تدمير كل القواعد والثكنات عقب اختفاء أفراد الجيش عام 2003، كما اختفت كل المعدات العسكرية الخاصة بهم".

وفي مكان ثالث يقول بريمر "في أوائل مايو/أيار 2003، وقبل أن نصل العراق، أجرى الديموقراطي المعتدل والت سلوكومب، الذي كان يشغل منصب كبير المستشارين للشؤون الأمنية والدفاعية، مباحثات في البنتاغون شملت نائب وزير الدفاع بول وولف وويتز، حول الدلالات السياسية لاختفاء جيش صدام".

هذا هو حجم اهتمام بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق بعد 2003، بمصير الجيش العربي الأول في الشرق الأوسط والخامس عالميا، جيش عريق يتم فضه بحجة أنه جيش صدام حسين، رغم أنه تأسس في 1921، على يد الملوك الهاشميين.

وبهذه الروح العنصرية تم تجاهل مصير مئات آلاف الجنود وطمس تاريخ مجيد وحقيقي لدور الجيش العراقي في تشكيل المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.

لقد ظل الجيش العراقي منذ تأسيسه في 1921 حريصا على تقاليده وهويته الوطنية، ولم تتعرض بنيته إلى خواء في هويته الوطنية أو روحه العسكرية ولم تهيمن على قيادته مطامع وأغراض شخصية، ولم يتعرض الجيش العراقي إلى ضربات تخلخل قوانينه وتركيباته وهيبته.

الدليل على ذلك تمتعه بسمعة عربية وإقليمية من خلال فيالقه السبعة وأداءه الميداني المشهود سواء في ظل الحكم الملكي في حرب1941 ضد الحكم البريطاني و1948 في فلسطين أو في ظل الحكم القومي في حربه عام 1967 و1973 في فلسطين ومع إيران في ثمانينيات القرن الماضي.

لقد كانت تلك التقاليد وتلك الهوية وتلك الروح العسكرية للجيش العراقي ضمان وأمان لعراق موحد لثمانين عاما، وبعد أن فككت تلك الروح وتلك الهوية لم تسعف الجيش بعد 2003 رغم مئات مليارات الدولارات، التي تم صرفها لتأسيس قيادات عمليات عسكرية على عدد محافظات العراق الخمسة عشر من انهيار 6 فرق عسكرية في 6 ساعات أمام مئات من إرهابي "داعش" في حزيران 2014، وذلك جعل العراق في مهب ريح التقسيم بعد 13 عاما على تفكيك ذلك الجيش العربي.

لقد كان حادث سقوط نينوى وأكثر من ثلث مساحة العراق بيد "داعش" في حزيران 2014، وانهيار جيش يتكوّن من 15 فرقة، وعدد عناصر كل فرقة من 12 إلى 15 ألف مقاتل، ما عدا طائرات الجيش والبحرية والقوة الجوية والأمن والاستخبارات والانضباط، ومجموع كلي من 600 ألف مقاتل، وهو عدد كان كافيا لإحباط أي مؤامرة أو هجوم يتعرض له العراق، دليلا ليس لضعف الروح العسكرية والوطنية والفساد المالي للضباط، والهروب المبكر لضباط قيادة عمليات نينوى، رغم مئات مليارات الدولارات، التي تم صرفها عليه تجهيزا وتدريبا، وبل اثبات عملي أن هذا الجيش لا يملك عقيدة عسكرية ولا هوية محددة ولا سلسلة مراجع ولا قيادة واضحة في ظل تعدد قيادته وفساد ينخر منظومته، إضافة إلى تغول منظومة اللادولة على الدولة.

وفيما ينهار العراق وتتفكك الدولة والمجتمع وتفشل نخبة عراق 2003، بعد 13 عام لا يغني العراق احتفالا بذكرى تأسيس الجيش الـ 95، والمراقبون يؤكدون أن جيش عراق 2003 لا يمثل هوية ولا بوصلة ولا دولة عراق 1921، ولا يعتبر التشكيل العسكري الموجود في العراق امتداداً للجيش العراقي صاحب الماضي المجيد، وكل ذلك محصلة لسياسات بريمر في تفكيك عراق 2003، دولة وجيشا ونظاما ومجتمعا وهذا هو طرف خيط يقودنا إلى اللغز المسكوت عنه حول اختفاء الجيش العراقي ومعداته وتواري معظم قوى الأمن والشرطة عام 2003.

ويأتي استحضار "بريمر" ومذكراته الآن لطرح سؤال ضروري حول سر سقوط عراق ما بعد 2003 تحت سطوة عوامل عابرة للحدود فوق وطنية دينية مسلحة سواء كانت القاعدة أو "داعش"، أو عوامل ما دون الوطنية وربما طائفية اضاعت هوية البلد الوطنية ونقضت دولة العراق وجيشه ونظامه في 2003.

وطرف الخيط هذا يكشف سر ذلك اللغز حين يطلع الناس على الوثائق الأمريكية المنشورة منذ خمسينات القرن الماضي، والتي تتناول بالتفصيل رؤية أمريكا للسيطرة على العراق بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى. ومن ذلك مثلا أن المخابرات الأمريكية في 1978 سربت معلومات إلى صحيفة "نيويورك تايمز"، القريبة من المخابرات الأمريكية، تفيد أن العراق إذا ما استمر بتنميته الانفجارية الواسعة سيصبح خلال عشرين عاماً، واحد من 16 دولة متقدمة في العالم.

هذا السر يكشف أحداث هائلة حصلت في المنطقة كان العراق هدفا لها منذ 1980 إلى 2003، وكيف أن الأمريكيين تجرعوا المر عندما حدثت التغيرات السياسية في العراق بعد 1958، وكيف سقط حلف بغداد، ولكن وجود الاتحاد السوفييتي حينها لم تمكنهم من ذلك، وكيف قرروا العودة إلى العراق في 2003، بعد أن خرجوا منه في 1958 في ظل غياب الاتحاد السوفيتي وانهيار نظام القطبية الثنائي.

وكل ذلك بهدف أن تتفرغ أمريكا ليس لتفكيك العراق دولة ونظاما وجيشا ومجتمعا فحسب، بل ولهدم كل الأنظمة العربية، التي كانت حليفة للسوفيات فترة الحرب الباردة.

ويبقى السؤال الأهم ماذا عن مستقبل العراق وجيشه؟.

عمر عبد الستار

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

الأزمة اليمنية