ساحر بولندي في حضرة ستالين..

أخبار العالم

ساحر بولندي في حضرة ستالين..يوسف ستالين في لوحة فنية
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/h95k

يمكن وصف التاريخ الإنساني بأنه ملحمة متواصلة من التدافع والتشابك سلما وحربا استقرارا واضطرابا، ملحمة بإيقاعات مختلفة لا تخلو من غموض الأساطير.

هي هكذا صفحات التاريخ الإنساني مهما اختلفت رواياتها وتعدد شهودها وأبطالها وضحاياها، إنها نسيج من الأحداث والوقائع والشخوص في أجواء من الأسرار والمكائد والخير والشر.

تحظى بين هذا وذاك الشخصيات القلقة الغامضة التي تتميز بمواهب خارقة بمكانة خاصة وإن كانت على هامش التاريخ، لأنها تعكس الشغف الباطن بالمجهول ولأن أمثال هؤلاء يسهمون بطريقة أو أخرى في تحقيق توازن بين الظاهر والباطن بين الواقع والخيال بين الحاضر والغائب.

 من بين عدد من الشخصيات "الخارقة" التي عاشت على هامش التاريخ وكانت شاهدا على أحداث هامة فيه، "فولف ميسينغ"، العراف البولندي الذي ارتبط بالاتحاد السوفييتي في فترة الحرب الوطنية العظمى ضد النازية بين عامي 1941 إلى 1945.

 ولد "ميسينغ" في مدينة "غورا كالواريا" البولندية التابعة في ذلك الزمن للإمبراطورية الروسية في 10 سبتمبر عام 1899 وتوفي في موسكو عام 1974 .

 عاش هذا الساحر الشهير، حياة مضطربة حافلة بالمغامرات، ونال شهرة واسعة على المستوى الرسمي والشعبي وصار نجما شهيرا في الاتحاد السوفييتي في تلك الحقبة.

 وكان قد وصل إلى أراضي الاتحاد السوفييتي عام 1939، عقب نشوب الحرب العالمية الثانية، حيث انخرط في الحياة العامة مستعرضا أمام الجمهور قدراته الخارقة على قراءة الأفكار وابتكار الخدع المدهشة.

 فُتحت الأبواب أمام "ميسينغ" بعد أن أقنع الكثيرين بقدراته الخارقة، وأيضا لأن جميع تنبؤاته كانت في صالح الدولة السوفيتية التي لجأ إليها فارا من جحافل الغزو النازي..

 لم يكن هو راضيا عن موهبته التي وصفها بأنها لعنة، ربما لأنه أراد القول إن معرفة الغيب وقراءة ما يخبئه الآخرون في أفكارهم من أسرار، فيها الكثير من الألم خاصة لأنك ترى أوجاع الآخرين وتعاساتهم قبل أن تصل إليهم!

 ذكر "ميسينغ" في كتابه "عن نفسي بنفسي" فيما ذكر أنه قابل يوسف ستالين الزعيم السوفييتي "الرهيب" الذي امتحن قدراته، بل واختبره في مهمة مستحيلة، حينما طلب منه أن يسحب بورقة عادية من مصرف الدولة 100 ألف روبل، وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت.

فولف ميسينغ - 1968

 قص أنه ذهب إلى المصرف رفقة شهود أرسلهم ستالين معه خصيصا لتوثيق مهمته، ومد للصراف ورقة منزوعة من دفتر مدرسي، ثم فتح حقيبته، فعد الصراف مبلغ 100 ألف روبل ووضعها في الحقيبة.

 أكد "ميسينغ" للسوفييت أنه هرب من وجه هتلر الذي أمر بتعقبه ووضع جائزة كبيرة مقابل رأسه مقدارها 200 ألف مارك بعد احتلال قواته لبولندا، لأنه حسب زعمه تنبأ عام 1937 في أحد استعراضاته في وارسو بموت هتلر إذا أرسل قواته باتجاه الشرق.

 وارتبطت الحادثة التي رفعت من شأن "ميسينغ" بحسب الحكايات الشائعة من سيرته، بموقف كاد أن يؤدي به إلى التهلكة، ففي عام 1940، بعد توقيع روسيا وألمانيا اتفاقية عدم الاعتداء المعروفة باسمي وزيري خارجية البلدين "مولوتوف – ريبينتروب" والتي سبقت غزو هتلر لبولندا بثمانية أيام، سُئل في نادي هيئة مكافحة الجريمة وتعزيز النظام عن رأيه في الاتفاقية الروسية الألمانية، التي كان يُنظر إليها آنذاك باعتبارها قرارا حكيما تمكن ستالين بواسطته من تجنيب بلاده ويلات الحرب.

 "ميسينغ" فاجأ الجميع آنذاك بأن قال إنه يرى دبابات تحمل النجمة الحمراء تسير في شوارع برلين.

 تقول روايات بأن "ميسينغ" عُوقب بعد هذه الحادثة على ما عُد تشكيكا في حكمة ستالين، فاختفى اسمه من الإعلانات، وأوقفت استعراضاته حتى 22 يونيو 1941، حين نقض هتلر معاهدة عدم الاعتداء واجتاحت قواته حدود الاتحاد السوفييتي.

 بعد اندلاع الحرب، عاد نجم "ميسينغ" إلى السطوع، فطاف بربوع البلاد طولا وعرضا، مبرزا قدراته ومواهبه أمام الحشود، وشارك في المجهود الحربي متبرعا بريع عمله لصنع طائرتين مقاتلتين.

أطلق "ميسينغ" نبوءته التي أشاعت الأمل بالنصر بين الملايين في الاتحاد السوفييتي في أوج اشتداد الحرب عام 1943، وأجاب من خشبة مسرح مدينة نوفاسيبيريا الروسية على سؤال كان يؤرق الجميع آنذاك: متى ستنتهي الحرب؟

 ما أن قرأ ميسينغ السؤال من الورقة التي مُدت إليه حتى أجاب من دون ترد : "8 مايو" من دون ذكر للعام.

 وتقول الروايات الشائعة إن ستالين دخل على الخط من جديد وإنه علم بالنبوءة، ولذلك وجه إليه برقية تهنئة بعد استسلام ألمانيا.

 انتهت الحرب في 9 مايو 1945، ولم يكف يوم واحد لتكون نبوءة ميسينغ مطابقة تماما، إلا أن الجميع غفر له هذه الهفوة الصغيرة آنذاك، بل لا يزال الكثيرون، يؤمنون بقوة ميسينغ السحرية وبالدور الكبير الذي قام به مساهمة في رفع معنويات شعوب الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب.

فولف ميسينغ - 1968

 مع كل ذلك لم تتطابق وقائع التاريخ المسجل وتواريخه الدقيقة مع التاريخ الذي صاغه "ميسينغ" وكرسه لنفسه في كتابه "عن نفسي بنفسي"، فبعض الباحثين ممن درسوا شخصيته كظاهرة، وتتبعوا ما قصه في ضوء الوقائع والمستندات، فلم تصمد رواياته وكاد أن يزول بريقه وينقلب السحر على الساحر!

 كان "ميسينغ" أكد أنه التقى العالم الألماني أينشتاين، عام 1915 حين كان له من العمر 16 عاما في شقته في فيينا، وتعرف على فرويد. إلا أن الباحثين اكتشفوا أن أينشتاين لم يكن له منزل في فيينا، بل لم يزر فيينا من عام 1913 حتى عام 1925 على الإطلاق.

 وأيضا، ادعى "ميسينغ" أن هتلر وضع جائزة مقابل رأسه قدرها 200 ألف مارك بعد احتلاله لبولندا، وأنه هرب من قبضة الجنود الألمان بفضل قدراته على التأثير على الآخرين والسيطرة عليهم. إلا أن جميع الوثائق الروسية والألمانية التي تم فحصها لم تؤكد حادثة القبض على "ميسينغ"، كما لم يعثر على أي دليل حول معرفة هتلر به!.

 والأدهى أن مقابلات ستالين لـ"ميسينغ" لا وجود لما يؤكدها، فلم يُعثر في أرشيف الأجهزة الأمنية "كي جي بي" أو "إف إس بي"، أو غيرها من المؤسسات عما يشير إليها من قريب أو بعيد.

 أما حكاية سحب "ميسينغ" لمبلغ كبير من مصرف الدولة مقابل قصاصة ورق، فإجراءات بنوك الدولة آنذاك تنسفها، إذ أن المحاسب لم يكن مخولا بإعطاء النقود، بل يستلم الصكوك التي تخضع لفحوصات دقيقة داخل المصرف، قبل أن تعود إلى الصراف الذي يعد الوثائق والنقود على ضوئها.

رغم كل ذلك لا يزال "ميسينغ"، يحظى باهتمام كبير من جمهور واسع في روسيا الاتحادية، وتلقى المقالات والبرامج الوثائقية حوله إقبالا منقطع النظير، ربما لأن الإنسان بطبعه يجنح إلى معاندة وقائع الحياة الروتينية الجامدة بالتمسك بالأساطير وبالحكايات المليئة بالغرائب والعجائب، مستمتعا بنكهتها الساحرة المختلفة عن المألوف.

م. الطاهر