بوتين يؤكد تعليق تسليم دمشق صواريخ "إس 300" ويحذر الغرب من خطوات مخالفة للقانون الدولي

أخبار العالم العربي

بوتين يؤكد تعليق تسليم دمشق صواريخ بوتين يحذر الغرب من أي عمل ضد سورية دون تفويض مجلس الأمن الدولي
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/626413/

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا علقت تسليم دمشق صواريخ "إس300"، لكنه حذر الغرب من خطوات مخالفة للقانون الدولي، وذلك في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد بريس". وإليكم نص المقابلة.

س. شكرا لدعوتكم لنا إلى منزلكم، ولموافقتكم على الإجابة على أسئلة متابعي وكالة "أسوشيتد برس".

في وقت لاحق من هذا الأسبوع ستُعقد قمة مجموعة العشرين، وسيكون ذلك حدثا مثيرا. أريد أن أبدأ بالسؤال عن الشأن السوري. الرئيس أوباما يقول إنه ينتظر الآن موافقة الكونغرس قبل البدء بالعملية العسكرية في سورية. ماذا تعتقدون أنه قد جرى في سورية فيما يتعلق بالهجوم الكيميائي، وماذا يجب أن يحدث بهذا الصدد؟

ج. ليست لدينا أدلة كافية عما جرى، ونعتقد أنه وعلى أقل تقدير يجب انتظار نتائج التحقيقات التي أجرتها لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة. ولكن لا توجد لدينا معلومات فيما إذا كانت تلك المواد الكيماوية التي هي إما أسلحة كيماوية أو أنها عبارة عن مواد كيميائية مضرة، قد استخدمت من قبل الجيش السوري النظامي تحديدا. عدا عن ذلك، وكما سبق وذكرت، فإننا نرى أنه سيكون أمرا سخيفا أن تَستخدم القوات السورية النظامية الأسلحة الكيميائية المحظورة في هذا الوقت، حيث يحاصر الجيش من يسمون بالثوار ويقضي عليهم، ويعرفون في الجيش السوري جيدا أن استخدام الكيماوي يمكن أن يصبح سببا لتطبيق العقوبات على سورية وصولا إلى استخدام القوة ضد البلد. إن ذلك سخيف، ولا يتوافق مع أي منطق، وذلك أولا.

ثانيا، ننطلق من أنه في حال كان لدى طرف ما أدلة على أنه تم استخدام الكيميائي، وأن ذلك جرى من قبل الجيش السوري حصرا، فإن تلك الأدلة يجب تقديمها إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. للمفتشين ولمجلس الأمن. ويجب أن تكون الأدلة مقنعة، وينبغي ألا تستند إلى إشاعات ما، أو إلى معلومات استخبارية جاءت من تنصت على مكالمات وما شابه. وحتى في الولايات المتحدة يوجد خبراء ممن يَعتبرون الأدلة التي قدمتها الإدارة الأمريكية غير مقنعة، ولا يستثنون إمكانية أن تكون المعارضة قد قامت بعمل استفزازي عن سابق تخطيط، محاولة بذلك إعطاء ذريعة لرعاتها  ليقوموا بالتدخل العسكري.

س. شاهدنا مقاطع من الفيديو تعرض أطفالا يعانون من التسمم. هل شاهدتم هذه المقاطع أيضا؟ ما هو رد فعلكم؟

ج. فيما يخص تلك المقاطع التي ذكرتموها والتي تَعرض أطفالا قتلى ويُزعم أنهم قُتلوا نتيجة هذا الهجوم الكيماوي فهي مقاطع رهيبة. وهناك سؤال: ما هذا ومن فعله؟ ومن المذنب في ذلك؟ وهذه المقاطع بحد ذاتها لا تجيب عن تلك الأسئلة التي طرحتُها الآن. وهناك من يرى أن هذه المقاطع ملفّقة من قبل المقاتلين أنفسهم الذين (وفق ما نعرف جيدا وتعترف الإدارة الأمريكية بذلك) يرتبطون بتنظيم القاعدة ويتميزون بقسوة كبيرة.

وإلى جانب ذلك أود أن ألفت نظركم اذا كنتم قد شاهدتم هذه المقاطع بانتباه لا يوجد في هذه المقاطع آباء ولا نساء ولا أطباء. من هؤلاء الناس وما الذي حصل لهم؟ لا توجد إجابة عن هذا السؤال. ومن دون شك هذه الصور بحد ذاتها فظيعة. لكنها لا تثبت من المذنب. وبطبيعة الحال لا بد من التحقيق في هذا الأمر. ونتمنى أن نعرف من الذي ارتكب هذه الفظائع.  

س. أفترض أن جون كيري يعتقد أن الجميع يعرف لماذا يجري ارتكاب الجرائم في سورية، وأننا يجب أن نتحمل مسؤولية تاريخية. وأنتم، أعني روسيا، كان يمكن أن تنضموا إلى الولايات المتحدة في ذلك. هل تخشون من أنه يمكن أن يتم تقييمكم الآن على أنكم تدعمون النظام السوري الذي يرتكب جرائم ضد شعبه؟ هل يوجد خطر من التقييم القائل بأنكم تدافعون عن الحكومة السورية؟

ج. لا ندافع عن الحكومة السورية، بل عن أمور أخرى تماما، إننا ندافع عن المعايير والقوانين الدولية وعن النظام العالمي الحالي، وعن أن إمكانية استخدام القوة يجب أن يجري بحثها ضمن إطار النظام والقوانين والأعراف الدولية الراهنة. هذا ما ندافع عنه، وتعد تلك أهمَ القيم. حين يجري بحثُ مسائل استخدام القوة خارج نطاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن، تنجم مخاطر من أن تلك القرارات غير الشرعية يمكن أن يجري تطبيقها ضد أي جهة كانت وتحت أي ذريعة.

قلتم إن السيد كيري يعتقد أن جيش الأسد استخدم السلاح الكيماوي، ولكن وبشكل مشابه، كان وزير خارجية أمريكي آخر في عهد بوش يقنع المجتمع الدولي بأنه توجد في العراق أسلحةٌ كيماوية، وحتى أنه كان يطلعنا على أنبوب اختبار يحتوي على مسحوق أبيض. وكانت تلك حجة غير مقنعة، ولكن مع ذلك وانطلاقا من تلك الحجة جرت عملية عسكرية يسميها الكثيرون في الولايات المتحدة اليوم بالخاطئة. فهل نسينا ذلك أم ماذا؟ وهل ننطلق من أننا وبهذه البساطة يمكن أن نتغاضى عن أخطاء جديدة؟ أؤكد لكم بأن الأمر ليس كذلك. الجميع يتذكر ما جرى، ويأخذه بعين الاعتبار حين اتخاذ القرارات.

س. يقال الكثير حول هذا الموضوع. فهل سلّمت روسيا تلك المنظومات إلى سورية أم لا؟

ج. لا تعد منظومة "إس-300" من أحدث المنظومات. إنها كما أعتقد في الحقيقة من حيث المواصفات أفضل من "الباتريوت"، ولكن لدى روسيا يوجد كذلك "إس-400"، كما اقتربنا من إنتاج "إس-500". إنها منظومات فعالة للغاية من دون شك، ويوجد لدينا عقد بتسليم "إس-300"، وقمنا بتسليم بعض المكونات، ولكن التسليم لم يتم كليا، فقد أوقفناه، ولكن في حال وجدنا أن هناك خطوات مخالفة للشرعية الدولية، فسنفكر كيف نتصرف لاحقا، بما في ذلك تسليمُ منظومات مهمة مشابهة من الأسلحة في مناطق محددة من العالم.

س. أعلن العديد من قادة العالم أن دولهم وتحت أي من الظروف لن تتورط في الأزمة السورية. فهل يمكنكم أن تقولوا أمرا مشابها؟

ج. يجب أن ألفت انتباهكم إلى أنه لا تواجد لجيش روسيا الاتحادية خارج البلاد، ويستثنى من ذلك قاعدتان عسكريتان تتموضعان داخل حدود الاتحاد السوفييتي السابق، كذلك جنودنا الذين يشاركون في قوات حفظ السلام في عمليات ضمن إطار الشرعية الأممية. وذلك أمر جيد للغاية، ويسرنا كثيرا. ولن نتورط بالطبع في أي من الأزمات.

فيما يتعلق بقرارعدد من الدول عدم المشاركة في العملية العسكرية، فقد أدهشني ذلك كثيرا في الحقيقة، لأنني اعتقدت أنه يجري كل شيء في الغرب وفق مبادئ محددة ومتماثلة تشبه القرارات التي كان يجري اتخاذها في مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفييتي. ولكن اتضح أن الأمر مغاير. اتضح أنه يوجد أشخاص يكنون اعتبارا لسيادتهم، ويحللون  الأوضاع، ولديهم الشجاعة لاتخاذ قرارات تصب في مصلحة دولهم، ويدافعون عن وجهة نظرهم. وذلك جيد جدا، وهذا يدل على أن تعدد الأقطاب يترسخ حول العالم.

س. السيد الرئيس... ما هو المكان الذي ستحتله القضية السورية في جدول أعمال قمة "العشرين"؟ ولا سيما أننا نلتقيكم عشيَّةَ هذا اللقاء الكبير في سان بطرسبورغ...

ج. قبل كل شيء أود القول إن جدول أعمالِ قمة العشرين تم وضعه منذ فترة طويلة، وناقشنا هذا الجدول مع جميع شركائنا. ولا نعتقد أننا نملِكُ الحق في مخالفة هذه الاتفاقات. وتُكرس قمةُ "العشرين" قبل كل شيء وبشكل أساسٍ لمناقشة المشكلات الاقتصادية في العالم  وقضايا التنمية ومكافحةِ البِطالة والفساد والجرائم الضريبية ومسائلِ الادارة. ولكننا نأخذ بعين الاعتبار أن الوضع حول سوريا متوتر ومتأزم، وحتى الآن لم نتمكن من تنسيق كل المواقف من هذه القضية البالغة الأهمية. فيمكن استغلال اجتماع قادة الدول العشرين الريادية فى الاقتصاد العالمي في مدينة سان بطرسبورغ لتخصيص وقت ما لمناقشة هذا الموضوع. ولكننا لن نفرض ذلك، بل نستطيع أن نقترح تخصيص وقت ما لمناقشة القضية السورية خارج إطار النقاشات المخططة.

تجدر الاشارة الى أننا نستضيف القمة. وهناك قواعدُ معينة. هناك جدول أعمال متفق عليه. ولا نعتقد أنه من حقنا إدخالُ أي تعديلات عليه. ولكني من دون شك سأقترح على الشركاء مناقشةَ هذا الموضوع. آمل أنهم لن يرفضوا.

س. بم سيتمثل نجاح القمة بالنسبة لكم؟

ج. سيكون نجاح القمة في النقاش الإيجابي والمفتوح، والذي يهدُف في نهاية الأمر إلى اتخاذ القرارات التي جرى إعدادها. ما هي تلك القرارات؟ إنها قراراتٌ حول مجموعة من المعاييرِ الهادفة إلى حفز نمو الاقتصاد العالمي، وإلى خلق أماكن عمل جديدة. وهما التوجهان الرئيسان. وبالتالي ننطلق من أنه لإيجاد الحلول للمسألتين الرئيسيتين، يجب أن نحل عددا من المسائل الفرعية، وهي جذب الاستثمارات، وجعلُ الاقتصاد العالمي أكثر انفتاحا، وكما ذكرت سابقا، يجب العمل على إدارة شؤون الضرائب والنظام المصرفي وغيرها من المسائل المشابهة.

وبالحديث عن إدارة شؤون الضرائب وتحسين النِظام الضريبي، فإن مشكلةَ التهرب الضريبي ترتبط في جزء منها بمكافحة الفساد. وسأخبركم عما تمكنا من الاتفاق حوله كما أفترض، ولم نقم بذلك بمفردنا، بل مع شركائنا وزملائنا تحت رعاية منظمة التعاون والتنمية. تمكنا من الاتفاق على المبادئ الأساسية لتطوير النظام الضريبي في العالم. ولم يسبق لأحد أن قام بذلك في السنوات المئة الأخيرة. وذلك هو أحد العناصر الرئيسية لعملنا.

تم تحضير ما يسمى بــ"خطة بطرسبورغ" لتنمية الاقتصاد العالمي وخلق فرص عمل جديدة. واتفقنا حول جملة من الأمور الأخرى المتعلقة بمكافحة الفساد، واتفقنا على ما يجب فعله في مجال مكافحة الملاذات الضريبية. ولدينا بصدد ذلك مجموعةٌ كاملة وكبيرة من المعايير. وبالطبع سنبحث في مشكلات التجارة العالمية والمالية منها، وسنعتبر أن القمة جرت بنجاح، إذا تم تصديق جميع الوثائق المعدة مسْبقا والتي تم الاتفاق عليها.

س. حسنا. بودي أن أسألكم عن زيارة الرئيس أوباما. في الحقيقة كان من المفروض أن نناقش اليوم نتائج القمة الروسية الامريكية التي كان من المقرر أن تبدأ اليوم. انا أقصد لقاء القمة مع الرئيس اوباما. هل انتابتكم خيبة الأمل بسبب الغاء زيارة الرئيس الامريكي؟

ج. نعم، بالطبع. كان بودي أن يزور رئيس الولايات المتحدة موسكو ليتسنى لنا الحديث معه ومناقشة القضايا المتراكمة. ولكني لا أرى في ذلك اي كارثة. حقيقة، الاتصالات بين الهيئات الحكومية والوزراء في الاتجاهات المتنوعة لا تتوقف. وقد قام وزيرا الدفاع والخارجية لروسيا الاتحادية بزيارتة الى واشنطن مؤخرا. لدينا اتصالات برلمانية بين البلدين. اذا التعامل مستمر ولا يتوقف. نعي أن المواقف الروسية من بعض المسائل تزعج الادارة الامريكية. وهذا واقع. واعتقد انه من الأفضل ليس الانفعال بل التحلي بالصبر والعمل المشترك على ايجاد الحلول. أعول على انه سيتسنى لنا الحديث مع زميلي الامريكي  على هامش قمة مجموعة العشرين في سان بطرسبورغ. كانت لقاءاتنا السابقة بناءة للغاية. الرئيس اوباما جليس ممتع وهو رجل عملي وواضح الرؤية. أنا على يقين من انه حتى اذا جرى اللقاء المرتقب على هامش قمة مجموعة العشرين فسيكون لقاء مفيدا بعينه. على اي حال لدينا مسائل كثيرة نتعاطى معها ونهتم بحلها. وبين هذه المسائل مسألة نزع السلاح وقضايا الاقتصاد العالمي وملف كوريا الشمالية والملف الايراني وغيرها من الملفات والقضايا التي تهتم بحلها الولايات المتحدة وروسيا على حد سواء. على سبيل المثال قضية مكافحة الارهاب. قبل فترة غير بعيدة شهد الامريكيون مأساة، أعني تفجيرات اثناء المسابقات الرياضية. تتعامل اجهزة دولتينا الامنية على معالجة هذه القضية. وهذا التعاون لمصلحة الشعبين الامريكي والروسي. هذا التعاون لم يتوقف. وانا على يقين  بانه سوف يستمر في التطور.

س. ما رأيكم هل يمكن أن يوصف القضاء في روسيا بأنه مستقل؟

ج. القضاء في روسيا يعتبر بالطبع مستقلا. لا يوجد استقلال  في حي او مدينة  حيث لا يريد قاض أن يكون مستقلا ويتشاور مع  المحافظ ثم يتشاور مع مسؤولين آخرين. لكن أريد التأكيد ان الأمر ليس كذلك في كل مكان. وفي حال اتخاذ قاضٍ موقفا مبدئيا لا يمكن لأحد  أن يتخذ بحقه أي إجراءات. ولا يستطيع أحد في ظروف روسيا المعاصرة أن يفعل ذلك لأن القاضي يحظى بحقوق وصلاحيات وسلطة كبيرة.

س. نظرا لأننا  نذكر المسائل المتعلقة بالقانون والقضاء فإن ملف سنودن قد أثار الاستياء وخيبة الآمال في الولايات المتحدة. ما كان  رد فعل سيادتكم بصفتكم رجلا كان يعمل في الاستخبارات على تصرف موظفين مثل سنودن الذي قام بتسريب معلومات سرية؟

ج. إذا كانت تلك المعلومات  سرية حقا وألحق هذا الرجل بنا ضررا ما فإنني كنت رددت عليه  طبقا للقانون الروسي القاسي.

س. في سياق متصل هل تعتقدون أن الإدارة الأمريكية على حق عندما تطلب بتسليمه وإعادته  إلى وطنه؟

ج. ربما هكذا. ولا تكمن المشكلة في ذلك. في الحقيقة أننا لا نعرف هل كانت الإدارة على حق أو الحق عليها. والمشكلة ليس في أننا ندافع عن سنودن. نحن لا نحميه، بل تنحصر المشكلة  في أنه ليس لدينا اتفاقية خاصة بتسليم المجرمين مع الولايات المتحدة. كنا نقترح على الولايات المتحدة مرارا أن نوقع مثل هذه الاتفاقية. لكنها رفضت.

هناك قواعد وقوانين تطبق في العالم وتقضي بتسليم المجرم إلى الطرف الآخر في حال وجود اتفاقية بهذا الشأن تحدد بعض الأمور وتقدم بعض الضمانات. أما المجرمون من جانبنا الذين سربوا أكثر من سر، والذين تلطخت أياديهم بالدماء، ويتحملون المسؤولية عن قتل الناس والمتاجرة بهم فإن شركاءنا الأمريكيين لا يسلمونهم إلينا رغم أنهم على علم بذلك. وليس بوسعنا أن نؤكد هل ارتكب سنودن أيَ جريمة في الولايات المتحدة أم لا. لكننا  بصفتنا دولة سيادية  ليس لديها اتفاقيات بهذا الشأن مع الولايات المتحدة لا يمكن ألا نتيح له فرصة  للإقامة هنا.

أريد أن أقول لكم ما لم أقل سابقا بشكل مباشر ولو ألمحت إلى ذلك. وعندما ظهر السيد سنودن في هونغ كونغ لأول مرة التقى بدبلوماسيينا. وأحطت علما بأنه عنصر في الاستخبارات. فوجهت سؤالا ماذا يريد؟ - قالوا إنه يناضل من أجل  حقوق الإنسان وحرية نشر المعلومات، ويكافح ضد انتهاك حقوق الإنسان وخرق القوانين في الولايات المتحدة نفسها ومخالفات أحكام القانون الدولي. وقلت لهم: "ما عليه. إذا أراد البقاء عندنا فأهلا وسهلا، يمكنه البقاء بشرط أن يُنهيَ أي نشاط من شأنه أن  يقوض العلاقات الروسية الأمريكية، لأننا لسنا  منظمة غير حكومية، ولدولتنا مصالح. وإننا لا نريد تخريب العلاقات الروسية الأمريكية". وقد أبلغناه بذلك فقال: "كلا ، أنا مناضل من أجل حقوق الإنسان وأدعوكم إلى أن تشاركوني في ذلك". فقلت: " كلا ، لن نناضل معه، فليناضل لوحده". فرحل من دون أن يقول شيء.

ثم بدأ يحاول الانتقال إلى أمريكا اللاتينية جوا. وأبلغوني أنه يريد زيارتنا قبل ركوبه الطائرة بساعتين. وماذا حدث بعد ذلك؟ -  قد سربت معلومات. وأظن أن  الاستخبارات الأمريكية والدبلوماسيين الأمريكيين  كان بإمكانهم أن يظهروا احترافا أكثر. وبعد أن عرفوا أنه يتجه إلينا أو يريد عبور حدودنا صاروا يضغطون على كل البلدان، التي يمكن أن تستضيفه وضمنها بلدان أمريكا اللاتينية وأوروبا. وبدلا من اعتراضه بالطريق او جعله يزور بلدا يتصف بنظام قانوني خفيف فإنهم أجبروا رئيس احدى دول أمريكا اللاتينية على الهبوط الاضطراري، ما يتعارض مع الوضع القانوني للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين. ويعتبر أمرا مهينا بالنسبة إليهم. وبدلا من اتخاذ اجراءات ما بحق سنودن فإنهم  قاموا بتخويف الجميع بمن فيهم سنودن الذي بقي في مطارنا. فماذا علينا أن نعمل بعد ذلك؟ فليوقعوا معنا اتفاقية. لكن لماذا  تطالبوننا بتسليمه بطريقة إحادية الجانب . يا له من تكبر وغطرسة؟ ويجب  أن تؤخذ بعين الاعتبار المصالح المتبادلة والبحث عن حلول تتصف بالاحتراف. لذلك فإننا لا ندافع عن سنودن بل ندافع عن بعض الأصول في العلاقات بين الدولتين. وإنني آمل بأن نتوصل  في المستقبل إلى بعض الاتفاقات بهذا الشأن : ما سينعكس في  بعض الوثائق الملزمة قانونيا.

س. هل قدم إدوارد سنودن أي معلومات سرية أو معلومات خاصة إلى روسيا؟

ج. كلا، لم يقدم لنا شيئا، ولم نتلق منه أي شيء كما اننا حتى لا نرغب في ذلك. ونحن ننطلق من اننا ايضا رجال محترفون ونعرف ان كل ما يمكن ان يقوله وكل شيء معروف اصلا لدى زملائنا الامريكيين في اجهزة الاستخبارات، ولهذا فهم أزالوا جميع الأخطار المحتملة بالنسبة لهم في هذا المضمار. وانهم استبدلوا كل شيء  واتلفوه وغيروه. فما فائدتنا منها؟ ونحن حتى لم نرغب في التورط في هذا، مفهوم؟ انه رجل من طراز آخر تماما، ويمكن وصفه بكافة الاوصاف. وانا أفهم ان من المناسب للأجهزة الخاصة الامريكية تصويره كخائن،  لكنه رجل من طراز تفكير آخر تماما، وهو يعتبر نفسه مناضلا من أجل حقوق الانسان. ويمكن عدم الاعتراف بصفته هذه  لكن هذا من شأن الذين يعطون الاوصاف، إلا انه يقدم نفسه بهذه الصفة بالذات ويسلك معنا هذا السلوك بالذات. ولا توجد لدينا رغبة في  جذبه الى اي شكل من التعاون، والحصول منه على بعض المعلومات. انه لم يحاول ابدا اعطاءنا أي شيْء، كما اننا لم نحاول اصطياد المعلومات منه.

س. أي هل يمكنه نظريا البقاء في روسيا حتى بلوغه الشيخوخة؟

ج. في الواقع انني أفكر احيانا بشأنه ، فهو شاب غريب الطبع. انه شاب تجاوز الثلاثين عاما ، فما هو تفكيره ، انا لا استطيع تصور ذلك.  وكيف يعتزم بناء حياته في المستقبل؟ ومن حيث المبدأ انه حكم على نفسه  بالعيش حياة صعبة جدا. ماذا سيفعل لاحقا ، انا حتى لا أتصور ذلك. لكن من المفهوم اننا لن نسلمه ، ويمكنه الشعور بالأمان هنا.  لكن ماذا بعد ذلك؟  ربما ستمضي فترة من الزمن  ، وستدرك امريكا نفسها ، انها  تتعامل ليس مع خائن او جاسوس ، بل تتعامل مع رجل لديه قناعات معينة ، ويمكن وصفها بمختلف الاشكال. ولربما سيتم التوصل عندئذ الى حلول وسط ما. انا لا أعرف مصيره مستقبلا ، لكنه اتخذ خياره ، وفعل ذلك بنفسه. انه يعتقد ان فعلته نبيلة ، وان لها مبرراتها، ومثل هذه التضحيات ضرورية، لكن هذا هو خياره.

س. السيد الرئيس... اسمحوا لنا بطرح بعض الاسئلة حول الاقتصاد. أثناء زيارتكم الأخيرة إلى فلاديفوستوك وفي لقائكم مع الطلبة قلتم إنه يجب على الحكومة مستقبلا تقليص نفقاتها المعتمدة. بحيث عادت إلى الذاكرة كلمة "قص". هل يدور الحديث حول ميزانية السنة الجارية أو المقبلة؟ وما هو حجم هذا التقليص؟

ج. أذكّركم أن "القص" هو عبارة عن تخفيضات شاملة للانفاق من دون استثناء بحجم معين ومهما كانت الأولويات. وهذا يحدث أحيانا في اقتصادات اليوم ويرتبط بالتغيرات السريعة في الوضع الاقتصادي وبالاتجاهات السلبية في الاقتصاد. هذا الوضع غير قائم في بلدنا الآن. ولا يوجد لدينا تراجع. بل لدينا نمو ولو صغير مقارنة بالسنة الماضية. ولكن المشكلة تكمن في أننا توقعنا أن يكون النمو أكبر. وإذا كان النمو أكبر فستكون دخول الميزانية أكثر. وفي البداية كنا نخطط لتخصيص المزيد من الأموال في برامج مختلفة.

ومن الواضح اليوم أن التوقعات تغيرت قليلا. الاقتصاد ينمو ولكن ببطء أكبر. وستكون الدخول أقل وهذا يعني أنه يجب علينا التصرف بعناية. هذا ليس "قص" ولكن لا بد من تحليل آفاق التنمية الاقتصادية مرة أخرى وثم اعتماد النفقات وتحديد الأولويات على أساس هذا التحليل وانطلاقا من الواقع. أظن أننا سنُضطر إلى تقليص بعض النفقات. ولكن هذا ما يجب أن تقترحه الحكومة في سياق عملها على الميزانية.

س. سؤال آخر حول الألعاب الأولمبية. أتفهّم أنكم أنفقتم خمسين أو ستين مليار دولار تحضيرا للألعاب في سوتشي لبناء المنشآت والبنى التحتية والطرقات. اشرح لنا من فضلك، هل تلك الاستثمارات مبررة في بلادكم؟ أعتقد أن بلدكم أنفق أكثر بكثير من غيره تحضيرا للألعاب الأولمبية.

ج. لعل روسيا أنفقت كمية أكبر من الأموال على الأعمال التحضيرية، ولكنها لم تنفق أكثر من غيرها من البلدان على المنشآت الأولمبية. ستبلغ التكاليف التجهيزية مئتين وأربعة عشر مليار روبل. ويمكن حساب المبلغ بالدولارات، ويباع الدولار الواحد اليوم مقابل ثلاثة وثلاثين روبلا. ومن مجمل المبلغ هناك مئة مليار دولار مصدرها الدولة، أما المئة وأربعة عشر المتبقية فتأتي من المستثمرين، وهناك المزيد من الأموال المصروفة على البنى التحتية. فعلنا ذلك بوعي من أجل أن يكون الجنوب الروسي جذابا ومريحا ليس فقط في أوقات الألعاب بل وفي غضون السنوات العشر المقبلة، علما بأن معظم أراضي روسيا تقع في الشمال، وفعلنا ذلك من أجل ألا يسافر مواطنونا للاستجمام إلى تركيا وأوروبا وإيطاليا وغيرها، بل من أجل أن ينفقوا أموالهم هنا، ومن أجل منح مواطنينا إمكانية الاستجمام طوال العام في منطقة رائعة من حيث الظروف المناخية.  وكان يمكن أن نقوم بذلك من دون الألعاب الأولمبية، وأعتقد أنكم ستفهمونني، حيث أن القيام بذلك صعب للغاية بسبب المحدودية الدائمة في مصادر الميزانية، ولكن بالتحضير للألعاب الأولمبية فإننا ملزمون بكل ما نقوم به.

وبالتحديد، لقد قمنا بمد مئات الكيلومترات من الطرقات الجديدة، وشيدنا العشرات من الجسور، العشرات منها! إضافةً إلى الأنفاق، وقمنا في واقع الحال بمد طريقين جديدتين، إحداهما تم إعادة تشييدها، ويمكن اعتبارها جديدة في الحقيقة، أما الأخرى فجديدة تماما. إنهما طريقان للسيارات تمتدان من ساحل البحر إلى المنطقة الجبلية، وبنينا سكة حديد من الساحل إلى الجبل، وقمنا بمد أنبوبين إضافيين لنقل الغاز لتأمين الطاقة للمنطقة، كما أنشأنا محطة كهربائية وسبع عشرة محطة فرعية، وبنينا مركزا طبيا وثلاثة وأربعين فندقا تحتوي على عشرات الآلاف من الغرف العصرية، وآمل أن كل ذلك سيخدم الناس في غضون عشرات السنوات المقبلة، ولن نبخل بالأموال على ذلك، لأنها ستنفق على ما يمكن أن يستفيد منه المواطنون الروس طوال السنوات المقبلة كما ذكرت، وقمنا بذلك من أجل الناس وليس لمجرد إقامة الألعاب الكبيرة القادمة. إن ذلك بالطبع مثير ورائع، ولكنه ليس الأهم بالنسبة لنا.

يوجد عنصر آخر أعتبره مهما للغاية، إنها الدعاية للرياضة ونمط الحياة الصحي. وحين يقام في البلاد الأولمبياد ، يزداد من دون شك عدد الناس الذين يمارسون التربية البدنية والرياضة عما كان من قبل مثل هذا الحدث الكبير، وهذا يشكل العنصر الأهم لكل المصاريف. ولماذا ننفق إن لم يكن لأجل الناس؟ يوجد لدينا عائدات من قطاع النفط والغاز على سبيل المثال، وننفق جزءا معتبرا منها على التحضيرات.

بالإضافة إلى كل ذلك، ففي الفترة بين عامي ألفين وثمانية وألفين وعشرة وفي ظروف الأزمة، كان تشييد المرافق الأولمبية عاملا فعالا مضادا للأزمة، لأننا بذلك خلقنا في المنطقة الآلاف من فرص العمل، حيث توافد الخبراء من المناطق الروسية كافة إلى سوتشي وأنشأنا فيها مدنا بأكملها، وذلك يرفع نوعية أداء منظماتنا العاملة في مجال البناء ويشجع التعاون الدولي، حيث أن العديد من المسائل صعب الحل. أعول كثيرا على أن ورشات العمل الناشئة أو جزءا منها في كافة الأحوال سيعمل في المناطق الروسية الأخرى، بما في ذلك في الجنوب الروسي لمتابعة إنشاء مرافق البنى التحتية.

س. سيادة الرئيس، تعرفون أننا مرتبطون إلى حد ما بالسياق التاريخي. تقترب الذكرى المئوية الأولى للحرب العالمية الأولى، الحرب التي أدت إلى انهيار الامبراطورية الروسية. وآنذاك، كان السبب في ذلك إلى حد كبير عدم ولاء النخبة للحكومة. وبعدها جرت أحداث متشابهة الملامح في العام الحادي والتسعين من القرن الماضي، حين كان الاتحاد السوفييتي يحتضر. برأيكم، هل النخبة الروسية اليوم تكنّ الولاء للحكومة؟

ج. الأمر لا يتعلق فقط بالنخبة، حيث يوجد في المجتمع دائما بكتيريا تقوض بِنية المجتمع أو الدولة. إن عوامل الهدم تنشَط فقط حين تضعف المناعة وتتكون المشكلات وتبدأ معاناة الملايين من عامة الناس، وحينها يرى البسطاء أن الأمور وصلت إلى أقصى سوئها، ويقولون لأنفسهم فلنقم بالتغيير مهما كلف الأمر، ونستأصلُ كلَ شيء من الجذور، و"سنبني عالمنا الخاص الجديد حيث من كان لا شيء سيصبح كلَ شيء"، كما في النشيد الأممي، وفي الواقع لم يتحقق ذلك.

وفيما يتعلق بولاء النخبة أو عدمه، ربما توجد مشكلة محددة، و برأيي، لا يمكن لأحد ما أن يتهم بوشكين بأنه كان طاغيةً حكوميا أو قيصريا روسيًا حينئذ، فقد كان إنسانا محبا للحرية وصديقا للديسمبريين المناهضين للقيصر، ولا شك في ذلك بالتأكيد، وحتى أنه قال ذات مرة: "لدينا الكثير من الناس الذين يقفون ليس في الصفوف المعارضة للحكومة، بل لروسيا". وتقليد مشابه وللأسف يوجد لدى مثقفينا. ولكن ذلك يتعلق بالرغبة الدائمة في التأكيد على التوجه الحضاري ومستوى الثقافة، ومقارنة الذات بأفضل الأمثلة على ذلك، ولعله أمر حتمي في مرحلة ما من التطور، ولكن ومن دون أدنى شك كان فقدان الهوية الذاتية للدولة في فترة انهيار الامبراطورية الروسية وإبان سقوط الاتحاد السوفييتي، كان أمرا مدمرا وفتاكا. يجب إدراك ذلك مبكرا، وعدم السماح للدولة بالوصول إلى الوضع الذي كانت تعيشه في المرحلة الختامية للحرب العالمية الأولى، أو مثلا، في الأعوام الأخيرة من وجود الاتحاد السوفييتي، حين أصبحنا حينها في وقت بات فيه الحصول على الصابون يجري بواسطة القسائم التموينية.

هل تتذكرون النكتة التي تروى عن عائلة زارت أخرى وسألت الأخيرة:

- هل تشربون الشاي مع السكر؟

- نعم، مع السكر.

- حسنا، في هذه الحالة ستغسلون أيديكم من دون صابون.

المزاح يبقى مزاحا، ولكن الناس اعتقدوا أنْ لا أوضاع أسوأ مما يعيشونه، ولكن يجب أن ندرك أنه حالما تبدأ التغيرات الثورية، وأعني الثورية وليس التطورية، فإن الأوضاع يمكن أن تسوءَ أكثر للغاية عما كانت عليه، وأفترض أن هذا الإدراك يجب أن يكون لدى المثقفين أولا، لأنهم وبإدراكهم لذلك يجب أن يحذروا من المنعطفات الحادة ومن الثورات المتعددة الأنماط والمضامين. لقد اكتفينا، فقد عشنا الكثير من الثورات والحروب، ونحتاج إلى عقود من التنمية المتوازنة والهادئة.