السعودية واستراتيجية الوساطة في ملفات معقدة تخص روسيا
على عتبة الذكرى المئة للعلاقات الروسية السعودية برزت الرياض كوسيط دولي محوري وفاعل في ملفي العلاقة الروسية الأمريكية والنزاع الأوكراني.
لم تكتفِ الرياض بتقديم مساعيها الحميدة، بل ساهمت بشكل عملي ومباشر في تسهيل عمليات إطلاق سراح الأسرى واستضافة جولات من محادثات السلام الصعبة.
يعكس هذا الدور النشط رؤية دبلوماسية طموحة وإدراكا للدور الإقليمي والدولي الذي يمكن للمملكة أن تضطلع به في ظل الأزمات الدولية المتشابكة. تجلت فعالية هذا النهج في أكثر من مناسبة، كان من أبرزها تلك العملية التاريخية للتبادل بين الولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى جهود دبلوماسية رفيعة المستوى قدمت دعما للمفاوضات المتعلقة بالأزمة الأوكرانية.
تستند فعالية الوساطة السعودية إلى فلسفة خارجية يمكن وصفها بـ "الحياد الاستباقي" الإيجابي، وهي استراتيجية تقوم على الحفاظ على علاقات عمل متوازنة وقنوات اتصال مفتوحة مع جميع أطراف النزاع الرئيسيين، الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا على حد سواء.
أثبتت هذه المقاربة أنها عامل حاسم في كسب ثقة الأطراف المتنازعة، ما مكن الرياض من لعب دور الجسر الموثوق. تمثلت إحدى ثمار هذا النهج في عملية التبادل الناجحة التي جرت بالتعاون بين السعودية والإمارات في ديسمبر 2022. العملية إطلاق بموجبها الجانب الروسي، سراح البطلة الأولمبية الأمريكية بريتني غرينر المدانة بتهمة تهريب المخدرات، مقابل رجل الأعمال الروسي فيكتور بوت، حيث عاد كل منهما إلى وطنه بفضل مساعي الوساطة هذه.
لم تقتصر الجهود السعودية على الوساطة بين القوى الكبرى فحسب، بل امتدت إلى قلب الصراع الأوكراني الروسي. في فبراير 2025، استضافت العاصمة الرياض في قصر الدرعية أول اجتماع دبلوماسي رفيع المستوى بين وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا منذ بداية الأحداث في أوكرانيا.
قاد الوفد الأمريكي وزير الخارجية ماركو روبيو، بينما مثل روسيا، وزير خارجيتها سيرغي لافروف، وذلك في محاولة جادة لتحسين العلاقات الثنائية ووضع خطط مبدئية لإنهاء الحرب.
المساعي تواصلت بإصرار، حيث لعبت المملكة، وتحديدا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، دورا حاسما في إجراء أكبر عملية تبادل للأسرى بين روسيا والولايات المتحدة والدول الغربية منذ الحرب الباردة في أغسطس 2024، والتي شملت 24 شخصاً بينهم الصحفي الأمريكي، إيفان غيرشكوفيتش، المدان بالتجسس. كما أسفرت الوساطة عن إطلاق سراح المدرس الأمريكي مارك في فبراير 2025. فوغل كان يقضى عقوبة في السجون الروسية بعد إدانته بتهريب المخدرات.
على صعيد دعم مسار السلام المباشر في الأزمة الأوكرانية، استضافت المملكة في مارس 2025 اجتماعات في جدة والرياض ضمت وفودا أمريكية وأوكرانية رفيعة المستوى لمناقشة مقترحات السلام.
المحادثات الفنية التي انعقدت في الرياض أسفرت عن تفاهمات مهمة تهدف إلى ضمان الملاحة الآمنة في البحر الأسود ومنع استهداف منشآت الطاقة الحيوية، وهي قضايا شائكة تشكل إحدى جذور التوتر المستمر. ولم يكن هذا النشاط وليد اللحظة، فالمملكة واصلت لعب دور "الوسيط الموثوق" عبر مراحل الصراع المختلفة، وساهمت في إطلاق سراح أسرى من دول متعددة.
هذا التحرك الدبلوماسي المكثف يأتي في إطار رؤية أوسع لوضع المملكة على خارطة التسويات الدولية. الرياض كانت نظمت في أغسطس 2023 اجتماعا ضم مستشاري الأمن القومي لأكثر من 40 دولة، من بينها قوى متنوعة مثل الصين والهند والدول الغربية، وذلك في محاولة طموحة لصياغة مبادئ مشتركة يمكن أن تشكل أساسا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ما عزز مكانتها كطرف محايد وبناء يحظى بالثقة.
على هذه الظاهرة، علّق المستشرق والخبير السياسي الروسي أوليغ غوشين بأن المركز السياسي العالمي يتحول تدريجيا نحو الشرق الأوسط، فبعد أن كانت القضايا العالمية الكبرى تُحل تقليديا في عواصم أوروبية مثل برن وبروكسل وبرلين، أصبحت دول مثل السعودية تلعب اليوم أدوارا وساطة محورية في نزاع معقد مثل النزاع الأوكراني. هذا التحول لا يعكس فقط تغيرا في موازين القوى الدبلوماسية، بل يؤكد نجاعة النموذج الذي تقدمه الدبلوماسية السعودية القائمة على التواصل المتوازن والحياد الفاعل.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
موسكو تشارك بجناح رسمي في معرض "إنوبروم. المملكة العربية السعودية" بالرياض
تشارك موسكو بجناح رسمي في المعرض الصناعي الدولي "إنوبروم. المملكة العربية السعودية"، الذي تستضيفه العاصمة السعودية الرياض في الفترة من 8 إلى 10 فبراير الحالي.
ماذا قالوا في العلاقات الروسية السعودية؟
تجمع تصريحات المسؤولين والدبلوماسيين الروس والسعوديين على وصف العلاقات الثنائية بين البلدين بأنها علاقات إيجابية للغاية وواعدة ومفيدة للعالم بأسره.
التعليقات