بنجامين كلمنتين.. من القلب إلى المصران الأعور

الثقافة والفن

بنجامين كلمنتين.. من القلب إلى المصران الأعور
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/jibz

"الشاب الموهوب الذي شق طريقه للنجومية بعد أن كان مشردا معدما". هكذا روجت آلة الإعلان لحفل المغني البريطاني بنجامين كلمنتين لاستقطاب من لا يعرفه مسبقا، فكانت فرصة تعارف.. غير سعيدة.

كانت الإعلانات عن حفل المغني الشاب مكثفة، حتى تظن أنك تغيبت عن الدرس، الذي تحدث فيه الأستاذ عن ولادة النجم العظيم. لكنك بعد حضور الحفل، الذي وقع، لا حول ولا قوة، في "إزفيستيا هول" في وسط موسكو، تكتشف أن الأمر لا يتعدى دعابة قاسية، مقلب، وأن فكرة "بنجامين المغني" غير مستساغة بالمرة.. حتى مقارنة مع فكرة "ميسي المؤرخ".

فمنذ اللحظات الأولى من هذا الحفل تشعر أنك على موعد مع شيء غير عادي، يذكرك بالمثل الشعبي "رزق الهبل على المجانين" الذين، هم وأولئك، يصدّرون أنفسهم في المجتمع على أنهم النخبة.. وكم أبغض هذه المفردة بكل جوارحي.

ما أن خرج "المغني" الشاب برفقة مجموعة من أصدقائه، الذين جاؤوا معه إلى موسكو للنزهة أولا، والمشاركة في إحياء الحفل تاسعا، حتى تدرك سريعا أن هؤلاء لا يمتّون للفن بأدنى صلة. وقد أثبت كلمنتين ومن معه ذلك حين راح يخرج أصواتا غريبة، يجثو على ركبتيه ويتظاهر بأنه يغني وهو يتواصل مع مجموعة من الدمى الخشبية المثبتة على المنصة قبل بدء الحفل.. لم يفهم أي ممن تحدثت إليهم معنى وجودها.

كان "المغني" يداعب دمية "حبلى" تارة ويحمل دمية طفل تارة ثانية، يضع على أحدها العلم الأمريكي، وهو البريطاني الغاني الأصل الذي شق طريقه للشهرة من فرنسا، ثم يتوجه لمجموعة الدمى الخشبية بغنائه، يطبع القبلات عليها ليتذكر فجأة أن هناك بشرا خلفه، فيتجه إلى هؤلاء ثم يعود إلى "خشباته" فيغير مواقعها.. وكأنه مدرب لكرة القدم، يغير خطته ليُحسن الهجوم على الجمهور.

إن أداء أي فرقة في أي شارع من شوارع موسكو الفرعية.. أو أداء أي فرقة موسيقية في ناد ليلي قروي في ضواحيها أفضل من أداء بنجامين كلمنتين وكل من معه.

لم تخرج "إبداعات" كلمنتين عن صراخ بنوتات موسيقية مشوهة، صنعت من هذه "الموسيقى" شيئا أقرب إلى طبيخ الشحاذين، علما أن بنجامين كان في بداية مسيرته معدما، واعتاد العزف والغناء في مترو باريس، شأنه، في بدايته المتواضعة هذه، شأن العديد من العظماء والمرموقين.

حاول المغني الشاب أن يؤدي أغاني شبيهة بالتراتيل الدينية، كما حاول في إحدى "أغنياته" تقليد Blind Boys Of Alabama ولكن شتّان.. وقد يكون استحضار هذه الفرقة هو الفائدة الوحيدة التي عادت عليّ شخصيا من حضور هذا الحفل.

لعل من إيجابيات إحياء حفلات كهذه في قاعة "إزفيستيا هول" المخصصة للرقص، هي وجود بار يمكنك أن تقصده لشراء العصير، كي تتمكن من بلع ما تسمعه من نشاز. وفجأة أدركت المغزى من إحياء حفل كلمنتين في بار، وهو أنه لن يكون باستطاعة المتلقي الطبيعي أن يتقبل جرعة "الفن" من بنجامين كلمنتين، دون تناول جرعة من الكحول.

ربما أكثر ما أثار انتباهي في هذا الحفل هو الجمهور. فقد كان يتفاعل مع "أغاني" كلمنتين بطريقة ميكانيكية بحتة، كمن يحاول إقناع نفسه أنه يقف أما مبدع حقيقي. فتراه يتمايل ويرقص، ثم يصفق بحماس لمجرد أن هناك من صفق قبله، فيدفعك هذا المشهد إلى التساؤل..

.. ألم يحن الوقت كي يتعلم الناس كيفية التعامل مع الفن الهابط؟ ألم يحن الوقت للامتناع عن التصفيق لأشباه المبدعين لمجرد أن هناك من صفق؟ فليصفق هو.. ما شأني أنا؟ ألم يحن الوقت لإعادة إحياء تقليد قذف "الفنان" بالبيض الفاسد كما كنا نقرأ في الصحافة القديمة؟

وفي الحقيقة لا أدري لماذا يجب أن يكون البيض فاسدا! إذ يكفي أن تكون البيضة بيضة.. حتى لو كانت مسلوقة يُلجم بها المغني الفاشل. قد يأتي هذا اليوم حين تذهب للحفل وفي يدك باقة ورد، وفي يدك الثانية بيضة.

ولو كان بنجامين يغني في شارع، لما توقف أحد للاستماع إليه. ربما كانوا سيعطونه القليل من المال شفقة، أو ربما ليصمت، إذ يصعب القول إن الموسيقى التي قدمها كلمنتين يمكن أن تُدرج ضمن تلك الموسيقى التي تخلق أجواء معينة، وإن كانت دون لحن، فهي لا تصلح حتى لأن تكون موسيقى تصويرية للقطة في فيلم هابط أو فيلم رعب على غرار.. زفاف الرجل الأخضر على السنفورة.

لا شك أن من حضر الحفل، أراد أن يستخلص منه أي شيء ذي قيمة، وكاتب هذه السطور.. إلى حد ما. فقررت أن أعض على شفتي وأحضر الحفل إلى نهايته، بكل تأكيد ليس إعجابا بتفاهات كلمنتين، وإنما لأرى موهبته في الانحدار، وقدرته على بلوغ أعلى مستويات الحضيض.. وقد نجح نجاحا باهرا في ذلك. في الحقيقة كنت أسجل ملاحظاتي هذه، وأخشى أن أغفل عن تفاهة "مهمة" من تفاهاته.

والأدهى من ذلك أن كلمنتين كان يؤدي دور الخجول ويقول للجمهور.. "شكرا شكرا"، ثم ينحني بتواضع جم، وهو ما ذكرني بكلمات رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا ميير: "لا تتواضع إلى هذا الحد فأنت لست عظيما إلى هذا الحد". كما ذكرني بنجامين كلمنتين بمقطع فيديو كويتي فكاهي قديم، حول مغن هاو كان يوزع الحلوى على أطفال الحي كي يستمعوا له.. فهذا هو مستوى "الفنان" البريطاني.

بكل تأكيد كان هذا أسوأ حفل حضرته حتى الآن. ولا أظن أنني سأحضر حفلا أسوأ منه، إلّا إذا كان حفلا لبنجامين كلمنتين نفسه، حال قرر أن يتفوق على ذاته.. ولكن هل هو "موهوب" إلى هذه الدرجة؟ هناك فن يصل إلى القلب لأنه نابع من القلب. قد يكون "فن" بنجامين كلمنتين نابع من قلبه، لكنني أشك في أنه قادر على الوصول إلى أكثر من المصران الأعور.. أو الأحول في أحسن الظروف.

علاء عمر