كيف وصف طارق عزيز غزو الكويت أمام صدام حسين؟

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/pvlv

أستاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية هاني الحديثي يسرد تفاصيل موقف وزراء صدام حسين الحقيقي من غزو الكويت.

وزراء ودبلوماسيون وأكاديميون عراقيون عارضوا صراحة غزو صدام للكويت

وردنا من دبلوماسي عراقي سابق، تعقيب على ما ورد في المقابلة مع الاكاديمي هاني الحديثي ضمن حلقات " قصارى القول التوثيقية " المكرسة لمرور 30 سنة على حرب الكويت.
وجاء في تعقيب الدبلوماسي السابق الذي طلب عدم الاشارة الى اسمه لأسباب تتعلق بأمنه وأمن اسرته في العراق:

ان موضوع الكويت شائك تاريخيا وهو ليس وليد حقبة صدام حسين، بل ان مصرع الملك غازي و السياسي العراقي نوري سعيد والزعيم عبدالكريم قاسم الذي قاد حركة تموز /يوليو عام 1958 واطاح بالنظام الملكي الدستوري؛ كان من أسبابها أقترابهم من هذه الأشكالية .
ان المحاولة الأخيرة كانت زلزال 2 اب / اغسطس 1990م الذي اودى بحياة صدام حسين، والعراق ككيان متماسك ودولة لها شأن ، حيث تجرأ صدام على مَس الخط الأحمر للمصالح الغربية في المنطقة والخليج العربي، بل تصادم معها صداما ستراتيجيا ، دون أن يستخدم العقل والحكمة، بدون علم القيادة، أو أن يقدر تقديرا علميا مقاييس القوة والتوازن . فلقد غاب العقل والمنطق على قرار الغزو بغض النظر عن حجم الأذى الذي ألحقه حكام الكويت بالعراق وأستفزازتهم الموجهة من جهات خارجية، لأيقاع صدام في الفخ والعراق خارج من حرب مدمرة مع إيران الخميني، دفع خلالها ثمنا باهضا من دماء أبنائه من أجل حماية البوابة الشرقية وعروبة الكويت والخليج .
النقطة التي ركز عليها الأستاذ سلام في حوارة مع الدكتور الحديثي تساؤله هل للقادة والمسؤولين، وكبار البعثيين وكوادر البعث رأي معارض لهذه المغامرة التي قامرت بمصير بلد بأكمله .
اشير الى ما ذكره الدكتور هاني الحديثي، وأضيف عليه لان وقت البرنامج لم يسمح كما يبدو للضيف ان يسهب في التفاصيل .
أن القبضة الستالينية للرئيس صدام على الحزب، وكل مفاصل الدولة ساعدته كثيرا في تطويع الشعب والحزب وأظهاره بصورة المؤيد للغزو.
مع ملاحظة أن الكويت حاضرة في الضمير الجمعي للعراقيين وكل من ينكر هذه الحقيقة ويتنكر لها يكذب على نفسه وعلى الأخرين .
ولكن وجوب أن يكون العقل والمنطق هو القاضي والحكم لكل فعل يجعل كل عقلاء العراق يرفضون الغزو ، أدراكا منهم لنتائجه الكارثية على مستقبل البلد ، مع ايمانهم بالقضية.
وكان ذلك حال مجالس العقلاء ، بمن فيهم عقلاء بيته وأقرب الناس إليه، وحتى عقيلة صدام حسين واخته اللتين كانتا يتحدثن همسا، خوفا من بطش الرئيس.

أؤكد عن دراية وعلم أن معظم القيادة لا تدري بما جرى ألا من خلال المذياع بمن فيهم عزة الدوري، الذي أدان الغزو وأعتبره فعلا لا أخلاقيا في آخر خطبه قبل وفاته بعام وهو بموقع الأمين العام للحزب، وطه ياسين رمضان وطارق عزيز وسعدون حمادي أبرز القادة في ذلك الوقت ، بل ان رئيس أركان الجيش أضافة الى ابو الجيش العراقي الفريق أول ركن عبدالجبار شنشل كانوا ضمن الرهط المغيب .

و في أول أجتماع لمجلس الوزراء بعد الغزو بأيام بادر الرئيس صدام فوجه سؤالا الى الفريق الأول عبدالجبار شنشل ( ما رأيك يا أبا مثنى بما جرى وماهو تقييمك ) ، رد أبو مثنى بذكاء ودهاء أهل الموصل بالقول أن هذه الخطوه الإستراتيجية هي في قلب عقيدة الجيش العراقي منذ تأسيس فوج موسى الكاظم عام 1921م ولابد منها ، ولكن من الناحية السياسية انا لست من أصحاب الرأي بالموضوع.
وأشار الى الاستاذ طارق عزيز الأكثر وعيا بالوضع الدولي وصراع المصالح الدولية من رفاقه الاخرين بالقيادة .
طلب الرئيس من وزير الخارجية طارق عزيز أن يدلو بدلوه فلخص رؤيته بالقول ، أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بذلك ويقصد الضم والقضم مهما كانت مطالبنا واستحقاقاتنا مشروعة وسوف تستخدم قواها الضاربة وهي الخارجة توا من صراع دولي مع السوفيت حسم لصالحها.
وهنا انبرى وزير الاعلام لطيف نصيف جاسم وهو أحد الأميين في مطبخ القرار ، وتصدى لطارق عزيز بتوجية سؤال للرئيس قائلا أين تقع ألولايات المتحدة الأمريكية على الخارطة الدولية ؟!
عندها إلتزم طارق عزيز الصمت ، فوجه الرئيس سؤاله الى أخيه مدير المخابرات سبعاوي ماهو رأي المخابرات أجاب سبعاوي إذا كانت النية منعقدة على ضم الكويت علينا الزحف على المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، التي تزخر بحقول النفط حتى يضطر الأمريكان لمساومتنا على الكويت مقابل أنسحابنا من المنطقة الشرقية.
إنتقل صدام الى وزير العدل الأستاذ الدكتور منذر الشاوي وطلب رأيه القانوني ، حاول الشاوي بطريقة ناعمة مهذبة مشوبة بمشاعر القلق أن يُفهم صدام أن هناك مشكلة قانونية كبيرة مع الأمم المتحدة ومع الجامعة العربية فالكويت عضو بالأمم المتحدة، وفي الجامعة العربية.
وأن العراق يتعامل مع الكويت سابقا وفق هذا الواقع القانوني .

أنهى الرئيس الجلسة وطلب من الشاوي أن يلحق به لوحده ثم أبلغة أمرا واحدا ::
عليك أن تكتب قرار الضم وتصيغه قانونيا .
خرج الشاوي من عند الرئيس شاحب الوجه، في ذلك الأجتماع الذي تقرر فيه أنتحار الوطن بقرار شخص واحد طبل له مجموعة من المهرجين الجهلة المحيطين به .

ولم يقتصر الأمر على بعض أهم الوزراء بل تعداه لمواقف شخصيات مهمة من الغزو عبرت بشكل هادئ وذكي يتناسب والتعامل مع شخصية دكتاتورية مثل الرئيس صدام حسين.
الفريق الاول الركن نزار الخزرجي، رئيس أركان الجيش، أحد أبرز القادة الأبطال في معارك الدفاع عن البوابة الشرقية للوطن العربي في مواجهة العدوان والمد الخميني ، عندما سأله في أول أجتماع بعد الغزو عن أمكانية القوات المسلحة العراقية أذا ما تطورت الأمور وحصلت المواجهة مع الغرب والولايات المتحدة أجابه الخزرجي، أن هذه المواجهة أكبر من أمكانيات الجيش العراقي ولا تجوز المقارنة لنصر حققناه على ايران وجيشها ، فرد عليه صدام يبدو أنك تحاول التخلي عن شرف المنازلة ثم جرده من منصيه وعينه مستشارا عسكريا في الرئاسة .
الفريق صابر الدوري مدير الأستخبارات عبر عن رأي معقول لا يصطدم بجموح صدام ولكنه يعرض الأمكانيات المتوفرة لديهم بشكل هادئ وذكي .
رئيس الدائرة السياسية في القصر الجمهوري الدكتور فاضل البراك وهو مدير مخابرات سابق ، كان يشجع مجموعة من الأساتذة والخبراء، بينهم السفير عبدالملك الياسين بإتجاه كتابة أراء تدعوا للأنسحاب ، ولكنه لا يجرأ أن يقدمها بأسمه وهو قطعا رجل دولة عاقل ومن المؤكد أنه كان الأكثر أدراكا لجهنم القادمة على العراق نتيجة غزوصدام للكويت . وربما كانت اراء فاضل التي تسربت لصدام فيما بعد ، واحدة من اسباب تصفيته بتهمة ملفقة .

وكان من بين أبرز السفراء الذين كان لهم موقف عاقل وشجاع من الغزو؛ السفير عفيف الراوي سفير العراق في استراليا الذي أعتبره مغامرة سيجهضها الأجماع الدولي ، ولكونه شجاع وموضع ثقة صدام وكثير من أقاربه من قادة الجيش، فان صدام لم يتخذ إجراءات ضده ، بعد أن عبر عن موقف الرافض في برقية جفرية موجهة للرئيس مباشرة.
و قدم السفير الدكتور رياض القيسي رأيا قانونيا شجاعا لوزارة الخارجية التي كان يرأس دائرتها القانونية بالضد من ضم الكويت لمخالفته للقوانين الدولية ، ولكنه ختم بالقول انه لايعترض سياسيا وحاول تسويغ الأمور مع الأمم المتحدة بموضوع أزداوجية المعايير التي تتعامل معها المنظمة الدولية.
وحاول برزان الأخ غير الشقيق للرئيس ، وشغل حينها موقع مندوب العراق في الامم المتحدة بجنيف بكل شجاعة عبر قنواته المباشرة الخاصة ثني اخيه وبلغة شديدة ولكنه لم يفلح.
وبقيت محاولات برزان الشجاعة طي الكتمان، وكنت شاهدا عليها ، كما انه لم يكن راضيا على تصرف طارق عزيز مع بيكر حيث حضر معه اللقاء الشهير في جنيف،وخلاله رفض الوزير العراقي تسلم رسالة إنذار اخيرة من الادارة الاميركية؛ بالانسحاب من الكويت. لقد عبر برزان عن أراء ناضجة وشجاعة في رسائله لأخيه لو صدر بعض منها عن أي شخص غيره لعلق جسده على عمود في ساحة التحرير ببغداد .
ومن الدبلوماسيين البارزين الشجعان الذين تصرفوا بعقل ودون ضوضاء ، وحاولوا بما يتاح لهم من حرية محدودة بحكم قربهم وولائهم لصانع القرار بنسب متفاوته؛ عبدالملك الياسين وعبدالجبار عمر الدوري و نزار حمدون وعبدالأمير الأنباري ومحمد صادق المشاط ونوري الويس والدكتور علي سبتي الحديثي والدكتور نبيل نجم التكريتي والأخوين حامد الجبوري سفير العراق في تونس وياسين الجبوري في الجزائر الذي جاهر بقوله وسجن بعد الغزو.
اما على صعيد حزب البعث فقد كان الصوت العاقل الذي صدر عن كادر متقدم هو صوت القيادي حسن الدليمي ، الذي عبر عن ضمير عقلاء الحزب وابدى بصراحة هواجس الخوف لدى رفاقه في قاعة الجامعة المستنصرية في الندوة الشهيرة لكادر الحزب في تنظيمات بغداد التي ادارها سعدي مهدي صالح والتي اشار لها الدكتور هاني الحديثي في المقابلة.
وقد جرد الدليمي إثرها من مسؤولياته ثم أعيد بعد هزيمة العراق في مواجهة التحالف الثلاثيني مباشرة عضو مكتب وتسلم مسؤولية محافظة الكوت .
وعلى صعيد المنظمات والنقابات فقد كانت هذه التنظيمات مجرد أبواق لما يردده الرئيس صدام ، ولكن قادتهم الذين كانوا في حركة دائبة في العاصمة الليبية طرابلس حيث تحولت الى مركز للمؤتمرات الشعبية العربية والأسلامية للبحث عن حلول يسعى لها القذافي جميعهم كانوا في لقاءاتهم الخاصة مع رئيس البعثة الدبلوماسية في طرابلس الدكتور علي سبتي الحديثي يسرون له كما نقل لي بأمانة في حينها ، حيث يقولون ان الأمر خطير وجلل وأن صدام إذا رفض الأنسحاب فسوف تسحق البلاد ، وهم على التوالي فاضل غريب رئيس أتحاد العمال وسعد قاسم حمودي نقيب الصحفيين، ونعمان العاني نقيب المحامين وعبدالستار فرمان، نقيب المهندسين وشفيق الهيتي المهن الصحية، ومحمد طاهر الحيالي نقيب الزراعيين وغيرهم . ولم يكن بينهم مزايد واحد شارك في النشاطات الشعبية العربية التي عقدت في طرابلس.
وأذكر أن الدكتور مسارع الراوي؛ كلما التقيته خلال الأزمة أو هاتفته يبادرني بترديد قول المتنبي الرأي قبل شجاعة الشجعان .
هو أول وهي المحل الثاني.
ولا شك أن أمثال التربوي الأستاذ الدكتور مسارع الراوي الذي قاد منظمة الثقافة والعلوم العربية في الجامعة العربية فترة طويلة؛ كثيرون.
لكن أصوات العقلاء طغى عليها صوت الفرد الدكتاتور يسانده الجهلة والغوغاء .
دبلوماسي عراقي سابق

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا