صديق وزميل غاغارين من الدفعة الأولى لرواد الفضاء يكشف المخفي عن التحليقات الأولى
في هذه الحلقة نستضيف آخر من تبقى على قيد الحياة من الدفعة الأولى في العالم لرواد الفضاء. إنه بطل الاتحاد السوفيتي مرتين, العقيد طيار بوريس فولينوف. لقد تم تحت إمرته أول التحام لمركبيتين في الفضاء وأول انتقال من مركبة إلى أخرى عبر الفضاء المكشوف. في هذه الحلقة يروي لنا العقيد فولينوف تفاصيل اختيار وإعداد أول رواد الفضاء كما يتحدث عن رحلته الأولى التي نجا فيها بمعجزة حقيقية.
خالد 1
أهلا بكم.. بوريس فالنتينوفيتش.
فولينوف 1
طاب يومكم.
خ 2
أهنئك بذكرى الحدث التاريخي الكبير- ذكرى تحليق أول إنسان إلى الفضاء. في عام 1961 حلق يوري غاغارين في مدار حول الأرض. وأنت كنت في عداد من اجتازوا إجراءات الالتحاق بفصيل رواد الفضاء الأول مع غاغارين.. هلاّ ذكرت لنا ما هو أصعب شيء في عملية إعداد الرواد آنذاك؟ وما هي أصعب الاختبارات التي مررت بها شخصيا؟
ف 2
أولا- أود أيضا أن أهنئ جميع المشاهدين بهذا اليوم المشهود والذكرى الرائعة... عندما تم تحليق يوري غاغارين في 12 نيسان/ ابريل على سفينة فضائية كان ذلك حدثا عظيما بالفعل. ولنتذكر أن أحدا قبل غاغارين لم يصل إلى الفضاء، ولم يكن أحد يعرف كيف يجب الاعداد لهذا التحليق. ولكن حلت تلك اللحظة الحاسمة عندما قال كبير مصممينا سيرغي كورلوليوف: "لا بأس أن نختار طيارين حربيين شبابا يمكنهم الانطلاق إلى مدار حول الأرض". وبناء على أمر من مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي بدأت عملية الانتقاء بين طياري المقاتلات في القطعات العسكرية في كل أنحاء بلدنا. اختير للمقابلة التمهيدية بضعة آلاف طيار لم يستدع منهم إلى المقابلة الثانية سوى ثلاثمئة.. ثم سُمح لمئتي طيار بالتقدم إلى الفحص الطبي والاختبارات في "مستشفى الطيران المركزي للبحوث العلمية العسكرية". كان من العسير جدا النجاح في هذه الاختبارات. ولكن كان لا بد من النجاح.
خ 3
وما الذي كان الأكثر صعوبة؟
ف 3
كل شيء كان صعبا. استُدعي من الفوج الذي كنت أخدم فيه خمسة أشخاص إلى الاختبارات.. نجح فيها واحد فقط... هو أنا.
خ 4
ولماذا؟ ما هي المعايير؟
ف 4
لأسباب مختلفة. حتى أن أحد زملائي هجر فريق إعداد الرواد لتدهور حالته الصحية. كان التمرين على جهاز الطرد المركزي- على سبيل المثال- اختبارا صعبا. كان ينبغي أن يجلس الشخص الممتحن في الكرسي.. ثم تثبت على جسمه مجسات كثيرة لتسجل البيانات عن عمل أعضاء الجسم أثناء الجَهد. وبعد ذلك يبدأ عمل جهاز الطرد المركزي. وجهاز المحاكاة هذا مخصصٌ لدراسة مدى قدرة الجسم على التحمل أثناء تزايد الجهد مع تسارع المركبة الفضائية وفرملتها ومناورتها. وكان في يد الواحد منا زر خاص نقبض عليه بإحكام قبل بدء الاختبار. وإذا أدركنا أثناء عمل جهاز الطرد المركزي أننا وصلنا حد الاحتمال الأقصى يجب إفلات الزر، فيتوقف جهاز الطرد المركزي. عندها كان يُسمح لنا باستراحة قصيرة حوالي خمس دقائق لنستعيد وضعنا الطبيعي.
خ 5
وبعد ذلك ينطلق الجهاز مرة أخرى
ف 5
نعم. كان يفترض خلال فترة الاستراحة أن تعود أعضاء الجسم إلى عملها ووضعها الطبيعي. كان الأطباء فورا يفحصون تسجيلات البيانات: تخطيط القلب والنبض والتنفس وسوى ذلك. وإذا كان كل شيء على ما يرام يصدر الأمر مجددا بالقبض على الزر فيبدأ جهاز الطرد المركزي بالدوران من جديد إنما بمزيد من الجهد. كان هذا الجهاز يدور في اتجاهات مختلفة دائما كي يشعر الجسم بحالات فرط الإجهاد التي قد تنشأ في مختلف متجهات سفينة الفضاء. ومن جديد كان الممتحَن يضغط على الزر عندما يشعر أنه لن يتحمل أكثر ومن ثم تكرر العملية مع زياة الجهد. بالإجمال كان يُضاعف الجهد حتى 8G . وكان على الممتحن أن يتحمل كل مرحلة مالا يقل عن دقيقتين. وإذا لم ينجح في ذلك يعدُّ غير مناسب... كافة المؤشرات عندي كانت أعلى من ذلك.
خ 6
أعلى بكم؟
ف 6
اقترحوا عليّ زيادة الجهد حتى 9G ولكنني رفضت. وقلت للمسؤولين إنني مستعد لمواصلة الاختبارات إذا ما قُبلت في مجموعة رواد الفضاء. وعلى العموم اجتزت جميع المراحل كما يجب بحسب كل المقاييس.
خ 7
وكانت هناك أيضا اختبارات أخرى في حجرات منفردة كالزنزانات تقريبا... صحيح؟
ف 7
نعم.. هذه حجرات صماء..عازلة للصوت.
خ 8
وفي واحدة منها أمضيت عشرة أيام؟
ف 8
نعم.. عشرة أيام بليالها.
خ 9
حجم الحجرة كما فهمت حوالي متر مربع؟
ف 9
ضيقٌ جدا. وفي حجرة كهذه فارق الحياة زميل لنا كان الأصغر سنا بيننا نحن المرشحين للانضمام إلى أسرة رواد الفضاء
خ 10
وماذا حدث؟
ف 10
توفي بمحض الصدفة. إنه فالنتين بوندارينكو.
خ 11
احترق؟
ف 11
نعم.. احترق.
خ 12
نتيجة الاهمال في التعامل مع سخان؟
ف 12
شروط الاختبارات والفحوص في الحجرة العازلة تختلف من شخص إلى آخر. كنت من أوائل الذين خضعوا للتجارب في هذه الحجرة... الحيز ضيق. وللحجرة بابان يغلقان بواسطة قفل دوار تضمن العزل المحكم تماما.
خ 13
هل كانت ثمة إمكانية لمطالعة شيء؟ أم كان يجب الجلوس وحسب؟
ف 13
كلا... لا مجال للمطالعة.
خ 14
وماذا فعلت طيلة عشرة أيام؟
ف 14
كان بإمكاننا أن نقرأ فقط إرشادات تقنية أو طبية موجودة في الحجرة. عدا ذلك كنا ننفذ مهمات مختلفة. كنا نقوم فقط بما يتعلق ببرنامج وجودنا داخل تلك الحجرة التي تحاكي حجرة المركبة الفضائية.
خ 15
ليس ذلك بالأمر السهل...
ف 15
المكان المتاح داخل الحجرة ضيق جدا. يمكن الجلوس والوقوف ولكن يتعذر التحرك خطوة واحدة في أي اتجاه. وفي حال ميل الكرسي للنوم فلا يبقى أي حيز للحركة.
خ 16
اختبار صعب؟
ف 16
طبعا.
خ 17
من الناحية النفسية؟
ف 17
وجودك داخل حجرة كهذه لعشرة أيام أمر في غاية الصعوبة دائما. *أما فالنتين بوندارينكو الذي لقي حتفه في آذار عام 1961 فكان في وضع أكثر صعوبة... أثناء اختباراته كانت درجة إشباع الأوكسجين داخل الحجرة حوالي 40% في حين أن الإشباع الطبيعي 21% ، وهذا هو الهواء الذي نستنشقه. وكما أسلفت فإن ظروف الاختبارات تختلف من شخص إلى آخر.. مثلا على البعض كانت تجرى اختبارات التأثير بواسطة أصوات جانبية غريبة. ومورس على آخرين تغيير الوقت باستمرار بحيث لا يعرفون إن كان الوقت ليلا أم نهارا.
خ 18
كتأثير نفسي؟
ف 18
نعم. طبعا. كان يجري لنا قياس مستوى الاستقرار النفسي. ولكن مستوى الأوكسجين كان مرتفعا في حجرة بوندارينكو. وفي ساقيه كانت سخانة كهربائية يمكن بواسطتها تسخين أنبوبات الطعام الخاص بالتحليق الفضائي. ونتيجة بعض الاهمال اندلع حريق.
خ 19
ولماذا لم يتم اخراجه بسرعة؟
ف 19
أكرر مرة أخرى: كان للحجرة بابان سميكان جدا، يتم إغلاقهما المحكم بواسطة أقفال دائرية كبيرة - تدار بصعوبة حتى أن شدها بإحكام يتطلب جهدا كبيرا. وهنا كان من المستحيل التصرف على جناح السرعة والقيام بكل ما يتطلبه الموقف.. لقد شب الحريق في لمح البصر وملأ الحجرة فورا. كنت هناك في اليوم التالي بحسب جدول اختباراتي. كان الجميع يُمنحون فترة استراحة بعد القفز بالمظلات، أما أنا فقد أرسلتُ إلى الحجرة العازلة مباشرة. ورأيت حينها ما حدث لزميلي..
خ 20
كنت تدرك أم مصيرك يمكن أن يكون مشابها؟ وما هي المخاطر والمجازفات المحتملة؟ لك ذكريات رائعة عما جرى عشية انطلاق فاليري بيكوفسكي إلى الفضاء إذ كنت بديله الاحتياط... آنذك سمح لكما سيرغي كوروليوف بمشاهدة انطلاق صاروخ مطابق تماما للصاروخ الذي كان من المفترض أن يحمل بيكوفسكي إلى الفضاء. أثناء تلك التجربة انفجر الصاروخ بعد الانطلاق بثوان. ولاحظتما أن كوروليوف كان ممتقع الوجه بعد الحادث.. ومع ذلك قال لكما أن كل شيء سيكون على خير ما يرام يوم غد طبقا لبرنامج الرحلة الفضائية المزمعة.
ف 20
حدث ذلك.. ذاكرتك جيدة حقا.
خ 21
نعم.. يبدو لي أن شعور المرء يكون فظيعا عندما يرى بأم عينيه انفجار صاروخ مطابق تماما للذي سينطلق به إلى الفضاء في اليوم التالي.
ف 21
شي منطقي أن ينتابك شعور من هذا القبيل.
خ 22
بالفعل...
ف 22
الإحساس يجب أن يكون واحدا لا غير. يجب ان تتمالك نفسك.
خ 23
وهل كان بينكم من لم يقدر على ذلك؟
ف 23
لا مجال لاحتمالات أخرى طالما أن الشخص جاء للعمل في هذا الميدان.. وإذا تم اختياره للانضمام إلى فصيل رواد الفضاء فيجب أن يتمالك نفسه دائما.
خ 24
وبعد حوادث كهذه.. عندما كنتم تشاهدون الصواريخ وهي تنفجر.. ألم يرفض أيٌ منكم التحليق إلى الفضاء؟
ف 24
كلا.
خ 25
ولا مرة واحدة طيلة تلك الفترة؟
ف 25
سأقول لك ما يلي... عندما كنتُ آمر فصيل رواد الفضاء كنت في الوقت نفسه أعمل مع مرشحين إلى هذا الفصيل من طلاب دفعة جديدة. وفي إحدى المجموعات كان فلاديمير جانيبيكوف، ويوري رومانينكو وآخرون ممن حلقوا إلى الفضاء في سبعينات القرن الماضي... كنت اصطحب هذه المجموعة خصيصا إلى حيث وقعت حوادث مؤسفة. مثلا، إذا ما وقع في حقل التجارب حادث أو أمر غير مرغوب- كانفجار صاروخ مثلا- كنت أذهب وإياهم إلى المكان وأريهم ما يتبقى من الصاروخ الحامل بعد انفجاره. وعندما صاروا يتدربون استعدادا للتحليق ضمن طاقم من رواد الفضاء كنت أنتقل معهم إلى منصة الإطلاق كي يروا كيف يجري تحضير المعدات التقنية، ونصبُ الصاروخ وكيف يتصرف من حلق إلى الفضاء قبلهم. يكفي القول إن في مطار بليسيتسك الفضائي تمثالا تذكاريا للرواد الذين قضوا بانفجارات الصواريخ.
خ 26
عندما قضى رائد الفضاء فلاديمير كوماروف كنت في عداد الذين حققوا في هذه القضية؟
ف 26
عملت طويلا مع كوماروف إبان إعداد مركبات الفضاء الجديدة من طراز "سويوز". عندما كنا نحلق على مركبات "فوستوك" و"فوسخود" كان الهبوط يجري على النحو التالي: الانقذاف من جهاز الهبوط ثم النزول على الأرض بالمظلة. على هذا النحو عاد يوري غاغارين من الفضاء.. في ما بعد بات من الضروري الانتقال إلى طريقة هبوط أخرى أكثر حداثة من الناحية التقنية. وهذا ما كان يتطلب البحث بمزيد من الدقة لمعرفة كم يجب أن يكون الجهاز مريحا لرواد الفضاء. تم تصميم كرسي خاص يمكن الجلوس فيه مع ثني الرجلين.. كرسي من حيث الشكل يشبه تماما انحناء ظهر رائد الفضاء لأن الضربة الأساسية عند الهبوط تقع على الظهر.. جربنا، أنا وفلاديمير كوماروف، هذا الجهاز الجديد.. شاركنا في تصميمه وفي إلقائه من ارتفاع معين... داخل هذا الجهاز جرى رمينا أنا وكوماروف من ارتفاعات معينة.. سرعة جهاز الهبوط خمسة أمتار في الثانية في حال لم تعمل زلاقات الكبح. وهذا يعني كما لو أننا نرمي شخصا من ارتفاع خمسة أمتار.. ولكننا نجحنا في خوض هذه التجارب. أذكر جيدا كم كان هذا العمل صعبا ومعقدا.
خ 27 (1)
ومع ذلك، قضى كوماروف إثناء هبوطه من الفضاء.. وبعد عامين من ذلك واجهت شخصيا وضعا مماثلا.
خ 27 (2)
هل كنت تدرك أنك ستواجه مصير كوماروف؟
ف 27
طبعا. لم يكن يساورني شك في ذلك
خ 28
ما الذي أنقذك آنذاك؟
ف 28
الصدفة... انفجار حدث على ارتفاع كبير مافيه الكفاية.
خ 29
كان ذلك انفجار خزان الوقود؟
ف 29
نعم. يبدأ الفضاء عند ارتفاع مئة كيلومتر عن الأرض. وكل ما دون هذا الحد هو غلاف الأرض الجوي. كثافة طبقات للغلاف الجوي الغازية أعلى من كثافة الطبقات الغازية ما فوق مئة كيلومتر. المركبة الفضائية تهبط إلى الأرض بسرعة كبيرة.. ثمانية كيلومترات في الثانية... أتتصور مثل هذه السرعة؟ ثمانية كيلومترات في الثانية؟
خ 30
حقا... يصعب تصور ذلك.
ف 30
ما أن تلفظ كلمة واحدة حتى تمر الثانية. بينما نقطع هناك ثمانية كيلومترات خلال هذه الهنيهة من الزمن.
خ 31
وكنت تهبط بمثل هذه السرعة؟
ف 31
عندما تهبط بمثل هذه السرعة وتدخل طبقات الغلاف الجوي العليا تزداد جدا سخونة أي جسم كان، والمركبة الفضائية ضمنا. في خزانات الجهاز الذي هبطتُ بواسطته كانت بقايا وقود من المحرك. فارتفعت سخونته أيما ارتفاع.. بعد ذلك حدث انفجار في الخزان قذفني جانبا...
خ 32
على ما أذكر وصلت درجة الحرارة على غلاف الحجرة إلى ستة آلاف...
ف 32
نعم. والانفجار زاد في السخونة.
خ 33
طبعا ظننت أنك إما ستتحطم وإما ستحترق؟
ف 33
نعم.. فكانت تلك درجة حرارة تصهر أقسى المعادن... مهما كان صلبا
خ 34
درجة الانصهار ثلاثة آلاف....
ف 34
ونصف.
خ 35
ثلاثة آلاف وخمسمئة ...
ف 35
نعم. كل ذلك جراء انفجار الوقود.
خ 36
طالما أن كل شيء ينصهر ويشتعل فكيف نجوت ولم تصب بأذى عندما كنت داخل ذلك الجهاز؟ وكيف تسنى لكم تجنب الحروق؟
ف 36
انظر... وراءك جهازُ هبوط من الفضاء (يشير إليه) ... له لفافة بنية اللون.
خ 37
نزلت بجهاز مشابه؟
ف 37
نعم. آنذاك حلقتُ بجهاز كهذا. ولكن لم يبق منه شيء. جهاز هبوطي لا يمكن عرضه في المتحف لتشوهه الشديد. لقد أُتلف فورا. الفقاعات على غطاء المركبة كانت هائلة الحجم... أما المركبة نفسها فقد تحملت الحرارة العالية. أنا في الداخل لم أشعر بهذا اللهب. تفحصت في ما بعد حالة الطلاء فأدركت كم كانت حرارة الاحتراق عالية... حوالي ستة آلاف درجة.
خ 38
وكيف تحملت الارتطام بالأرض؟ من الواضح أن الضربة كانت أشدّ مما عرفتموه في التدريبات والاختبارات؟
ف 38
كلا.. الضربة كانت مماثلة تقريبا..
خ 39
حسنا
ف 39
ربما أقوى قليلا... لماذا؟.. أولا- لأن الهبوط لم يكن عموديا تماما. في التدريبات دائما يكون الهبوط عموديا تماما... أما في حالتي فكان ثمة انحراف بسبب الريح إضافة إلى أن الانفجار غيّر مسار الهبوط. وفي مكان الهبوط - بالمناسبة- كانت درجة الحرارة 38 تحت الصفر.. بينما كنت مرتديا.... هكذا تقريبا (يشير إلى...). *نُقلت إلى المستشفى العسكري وأُدخلت قسم جراحة الوجه والفكين. أحد الاختصاصيين المهرة، جراحٌ خبير برتبة عقيد، شخّص حالتي بعبارة واحدة فقط: "تهشم في جذور جميعأسنان الفك العلوي".... تشخيصٌ جيد.. أليس كذلك؟
خ 40
جذور الأسنان جميعا؟
ف 40
... تحطمت كلها.
خ 41
بعد كم من الوقت عثر عليك عندما كنت في الصقيع، ودرجة حرارة الجو 38 تحت الصفر؟
ف 41
في الحقيقة لم أبق في الداخل.. بل غادرت الجهاز فورا. كان ثمة دخان... كان مطاط الجهاز يحترق.
خ 42
هبطت على مسافة ستمئة كيلومتر من المكان المفترض؟
ف 42
نعم. لقد حدث تغير في المسار.. فازدادت المسافة إلى نقطة الهبوط المفترض كثيرا. كما لو كنت - مثلا- تنتظرونني في موسكو ولكنني هبطت في سان بطرسبورج. كانت طواقم الإنقاذ بحاجة إلى بعض الوقت كي تصل إلي.
خ 43
وهل تم ذلك بسرعة؟
ف 43
من الصعب الجواب... لم أضبط التوقيت... ولكن كان لا بد من الانتظار وقتا لا بأس به. أعيد إلى الأذهان مرة أخرى... كانت ملابسي تقريبا كما أنا الآن.. ودرجة الحرارة 38 تحت الصفر.
خ 44
وكيف نجوت؟ هل تلفعت بالمظلة؟
ف 44
هكذا عُرض الحادث في أحد الأفلام؟
خ 45
.. تلفعت بقبة المظلة.
ف 45
في التلفزيون قاموا بتمثيل لحظة هبوطي. أحد الممثلين لعب دوري. قرروا أن المرء بهذه الطريقة يمكن أن يتدفأ. ولكن قبة المظلة ليست من قماش عادي. كل شيء مصنوع من مواد لا تقي من البرد. المظلة معدة لتحمل ضغط الهواء وإلا ستتمزق.. ويجب أن تبطئ عملية الهبوط، وأن تمنع نفاذ الهواء بحيث يتم التماس مع الأرض بسرعة محسوبة بدقة... وإذا لم تكن متانة المظلة كافية فسوف تتطاير وتتمزق إربا إربا.
خ 46
واضح... وفي ذلك التحليق قمت بأول عملية التحام؟
ف 46
ليست أول عملية التحام وحسب... إنما أول عملية التحام في التاريخ.
خ 47
لأول مرة في العالم؟
ف 47
مع فلاديمير شاتالوف.
خ 48
كيف يمكن أن تلتحم مركبتان فضائيتان تتحركان بسرعة 30000 ( ثلاثين ألف) كيلومتر في الساعة ؟
ف 48
لم أفهم عن أية سرعة تتكلم الآن؟
خ 49
قرأت أن سرعة المركبة ثلاثون ألف كيلومتر في الساعة.
ف 49
كلا. ثمانية كيلومترات في الثانية.
خ 50
النتيجة واحدة في الحساب النهائي.
ف 50
ليكن .. هذا على وجه التقريب..
خ 51
ولكن إذا كانت المركبتان تتحركان بهذه السرعة فكيف لهما أن تلتحما؟ من العسير على الإنسان العادي أن يفهم ذلك.
ف 51
ألا تراني؟.. ها أنا ذا أمامك... وأنا الذي قمت بذلك مع فلاديمير شاتالوف. إضافة إلى أن القيادة كلفتنا مهمة أخرى... كان علينا تصوير عملية الالتحام بكاميرا سينمائية كي يراها الجميع لأن أمامنا...
خ 52
وقد فشلت محاولتا التحام قبلكما .
ف 52
كُلف فلاديمير كوماروف مثل هذه المهمة أثناء تحليقه في عام 1967 ولكن لم يتسن له تنفيذها وقد لقي مصرعه أثناء الهبوط. في عام 1968 غيورغي بيريغوفوي أيضا حلق بغرض الالتحام ولكن بعض الأخطاء حالت دون ذلك. ولهذا كان الجميع في "مركز إدارة التحليقات الفضائية" في غاية القلق والتوتر.
خ 53
وإذا لم يتم الالتحام ألا يحدث اصطدام؟
ف 53
إذا حدث اصطدام في المدار حتى لو كان ضئيلا للغاية فسيؤدي حتما إلى حادث مؤسف لأن العزل المحكم سوف يختل. ضربة واحد قد تؤدي إلى ظهور صدع ؟ وعندئذ سيحدث تماما ما حدث لطاقم "سويوز-11" عندما لقي حتفه كل من يفغيني دوبروفولسكي.. وفاسيلي فولكوف.. وفيكتور باتسايف.
خ 54
تذكر أنك اضطررت إلى تأخيرالالتحام لضرورة بث العملية مباشرة. كنتما تقتربان من بعضكما فوق افريقيا وهذا يعني أن الالتحام لن يشاهده أحد. ولذلك اضطررتما إلى إبقاء مسافة بينكما لبعض الوقت...
ف 54
هذا صحيح .
خ 55
... ثم بدأ الالتحام.
ف 55
من السهل القول "الإبقاء على مسافة".
خ 56
كلا... ليس سهلا، بالطبع.
ف 56
كنا نحلق بسرعة فضائية.. وكان ممنوعا منعا باتا الابتعاد عن القرين في الالتحام. خاصة وأن المركبة عندما تصبح على مسافة مئة متر من لحظة التقارب تتوقف عن الحركة أتوماتيكيا بواسطة منظومات التحكم الأتوماتيكي. وتقتصر على عرض ما يجري عبر الأجهزة ليراه الطاقم. التحكم يجب أن يتم بواسطة عتلات خاصة. إحدى هذه العتلات- ثلاث قنوات لتوجيه مركز الكتلة إلى الأعلى والأسفل، إلى اليسار واليمين، إلى الأمام والوراء. وهناك عتلة أخرى هي توجيه الكتلة حول المركز رأسا على عقب.. عموديا أو أفقيا. وعلى رائد الفضاء أن يوجه يدويا ست قنوات في آن .. وهذا- ببسيط العبارة- صعبٌ للغاية. على هذا النحو يجب أن تقترب المركبة من الأخرى حتى ثلاثين مترا... ثم تحافظ على السكون في المكان بهذه المسافة. أي أن سرعة الاقتراب صفرية... لا يجوز أن يتحرك أحد في أي اتجاه... وكل ذلك بالتوجيه اليدوي. ولكن لأن تقاربنا- كما سبق وقلتَ - كان فوق افريقيا حيث لا وجود لهوائيات تلتقط إشارتنا، اضطررنا للمناورة لحين الوصول إلى منطقتنا. ونتيجة ذلك ظهرت عند شاتالوف مشكلات تتعلق بالوقود لأنه أسرف في استهلاكه عند التقارب ولكبح مركبته... أما أنا فكان لا يزال لدي وقود... وهكذا حتى وصلنا إلى فوق القرم.
خ 57
وكم استغرق ذلك من الوقت على وجه التقريب؟
ف 57
قليلا من الوقت.. كما أعتقد. في حدود 10- 15 (عشر- خمس عشرة) دقيقة. عبرنا فوق منطقة بلا تغطية... ثم أُبلغنا أن الصورة عادت، وأن كل شيء على الأرض يعمل بصورة طبيعية.. وأننا في مجال رؤيتهم. وهكذا أنجزنا الالتحام. وتم كل شيء على ما يرام... بكل سلاسة وهدوء.
خ 58
نعم. شيء مثير للاهتمام.
ف 58
كان ذلك لأول مرة في العالم.
خ 59
نعم...
ف 59
بعد ذلك تلقينا التهاني من الأرض.. كنا لا نزال في المدار. عمّ الفرح والابتهاج مجموعة الإدارة والتوجيه... ويالها من انفعالات ومشاعر لا تعد ولا تحصى آنذاك...
خ 60
وتقديرا لهذا الالتحام مُنحت لقب بطل الاتحاد السوفيتي أول مرة؟ على هذا الإنجاز تحديدا؟
ف 60
على مجمل الرحلة الفضائية تلك.
خ 61
مفهوم
ف 61
لم تقتصر مهمتنا على الالتحام. كانت في المدار مركبتان فضائتان، أي "سويوز-4" وعلى متنها رائد فضاء واحد هو شاتالوف.... و"سويوز-5" وعلى متنها ثلاثة رواد فضاء: أنا وخرونوف ويليسييف. بعد الالتحام كان يجب أن ينتقل خرونوف ويليسييف إلى مركبة شاتالوف. نحن الثلاثة كنا بلا بدلات الفضاء.. ولكن للانتقال كان في وحدة الحاجيات اليومية بدلتان فضائيتان. ساعدتُ خرونوف ويلسييف على ارتدائهما. كان هناك العديد من الأربطة والخيوط .. كان ثمة كابل يضمن تماما حياة الرواد أثناء وجودهم في الفضاء المفتوح. كان الكابل مثبتا إلى متن مركبتي. ونظرا لأنني كنت بلا بدلة فضائية غادرت الوحدة حيث جرت الاستعدادات لخروج زميليَّ إلى الفضاء المفتوح.. وأحكمت على نفسي إغلاق الكوة وانتقلت إلى منظومات قيادة المركبة. ومن هناك أدرت عملية انتقال خرونوف ويليسييف إلى المركبة الأخرى. تفحصنا أولا جهوزية بدلات الفضاء... ثم فتحنا الكوة إلى الخارج.. وبدأ الانتقال. وهذا أيضا كان لأول مرة.. قبل ذلك خرج أليكسي ليونوف إلى الفضاء المفتوح لمدة عشر دقائق بينما هنا كان ينبغي الانتقال إلى مركبة فضائية أخرى عبر الفضاء المفتوح.
خ 62
وكم استغرق ذلك من الوقت؟
ف 62
هذا ما يتذكره المرء جيدا.
خ 63
هل طال الوقت؟
ف 63
ساعة تقريبا...
خ 64
حوالي ساعة...
ف 64
الاتحام كان صعبا... المحركات على المركبة معدة بالتناسب مع كتلة المركبة فقط. وزن المركبة سبعة أطنان. من المفهوم أن لا أهمية لذلك في حالة انعدام الوزن. ولكن أثناء الالتحام تضاعف الوزن وصار 14 (أربعة عشر) طنا. كان يجب أن أوجه الجهاز بحيث تضيء الشمس المسار الذي يجب التحرك وفقه للاتحام وألا تكون الشمس في مجال عدسة الكاميرا السينمائية التي صورت بها لحظة الالتحام. وجهتُ محركات مركبتي كما تعلمنا أثناء التدريبات، ولكن المركبة الآن صارت أثقل مرتين... ولكنني تدبرت الأمر.
خ 65
في مقابلاتك دائما تصف بطريقة مشوقة ومثيرة للاهتمام ما حدث لك عمليا وكيف سقطت بسبب تلك الوحدة التي لم تنفصل.
ف 65
أنا لم أسقط. بل هبطت وفق مسار معين ولكنه غير المسار المفترض. السقوط أمر آخر. لو أنني سقطت لما كنا نتحدث وإياك الآن.
خ 66
مفهوم.
ف 66
لو أنني سقطت... لكنتُ بالتأكيد...
خ 67
ولكنك آنذاك أحسست بأنك على شفا حفرة من الهلاك...
ف 67
طبعا. *
خ 68
... ومع ذلك كنت على ثقة بضرورة أن تصف كل ما حدث معك.. وما الأخطاء التي وقعت هناك...
ف 68
كلا.. ليس هكذا تماما.
خ 69
إذ كنت تسجل صوتيا...
ف 69
فلاديمير كوماروف سجل عند الهبوط مثل هذه المعطيات صوتيا على آلة تسجيل صغيرة، ولكن النيران التهمت كل شيء. ولذلك كتبت وسجلت صوتيا. ولكن هذه المعلومات لم تكن عن الأخطاء...
خ 70
وحفظت هذه التسجيلات داخل الكتاب الذي كان في جهاز الهبوط...
ف 70
صحيح.
خ 71
والكتاب لففته بطريقة ما بحيث يبقى سليما؟
ف 71
كان ذلك دفترا..
خ 72
سجلا؟
ف 72
سجل يوميات المركبة.. سميك كالكتاب ... وأوراقه متينة جدا.
خ 73
أي إذ أدركت أنك ئتلقى حتفك لا محالة.. قمت بكل ما بوسعك كي تترك بعدك أقصى ما يمكن من المعلومات...
ف 73
كان يجب أن تبقى المعلومات عن وضع لم يكن مدروسا، ولا معروفا لأي كان... كان بودي أن يصل ذلك إلى الذين يفترض أن يأتوا بعدنا.
خ 74
شكرا جزيلا لنتابع في الأسبوع القادم...
ف 74
عفوا... والشكر لكم.
التعليقات