"التمرد العرقي" – لا رحمة فيه أو شفقة

أخبار الصحافة

غيورغي فيليمونوف
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hv7u

نشرت "إيزفيستيا" مقالا بقلم مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والتنبؤات في الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب، شرح فيه كيف لعب الشارع الأفروأمريكي دورا لمصلحة دونالد ترامب.

 جاء في مقال المحلل غيورغي فيليمونوف،:

منذ عام 2008، بدأ المحللون والخبراء والعسكريون في الولايات المتحدة الحديث بجدية عن مقدمات "حرب الطبقات" في الولايات المتحدة؛ حيث تبين حينها أن الوضع متوتر إلى أقصى حد: فعلى خلفية الهزات الاقتصادية، تهيأت قوات الحرس الوطني لمواجهة حملة احتجاجات واسعة وأعمال الشغب. ولكن، تمت السيطرة على الاحتجاجات الشعبية العفوية، على الرغم من أن الملايين في الولايات المتحدة وخارجها فقدوا مدخراتهم كافة وحتى مساكنهم. ومع الوقت سارت هذه الاحتجاجات في قنوات قانونية. أما المتحمسين جدا للعدالة الاجتماعية، فقد قمعتهم شرطة نيويورك.

أما ضد المتظاهرين من حركة "احتلوا وول ستريت"، فقد استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والهراوات المطاطية. وكان المشهد فظيعا: المتاريس في مراكز المدن، برك الدم في كل مكان، والحشود البشرية تسير وتستعد لـ "دفن الرأسمالية"، وتطلق شعارات تصلح للفوضوية في أولى مراحلها.

ولم يكن أحد ما يعتقد حينها أن هذه الأحداث هي بداية لما سيحصل في صيف عام 2014، والتي تطورت إلى حرب شوارع مع رجال الشرطة في مدينة فيرغسون، والتي نشبت إثر قتل الشرطة المحلية المراهق مايكل براون من أصول أفريقية لسرقته علبة سجائر؛ ما دفع الرئيس باراك أوباما إلى الاعتراف بفشل "الحلم الأمريكي"، الذي يجسده هو شخصيا.

احداث فيرغسون

أما الآن، فتغيرت الحالة نوعيا؛ لأن مواطني الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل سينتخبون رئيسا جديدا للبلاد. وكلما ارتفع صوت الشارع الأفروأمريكي أكثر، شعر المرشح اليميني المحافظ دونالد ترامب، الذي وعد بمكافحة الهجرة غير الشرعية وقمع المتمردين، بحرية أكبر.

ولم يطل الانتظار، ففي بداية يوليو/تموز الجاري رصدت عدسات أجهزة الفيديو في ولايتي مينيسوتا ولويزيانا حوادث قتل مواطنين من أصول إفريقية، نشرت في قنوات التواصل الاجتماعي. وبعد ذلك، قتل في دالس مايك جونسون (25 سنة)، الذي شارك في الحرب الأفغانية. ولم تمض سوى بضعة أيام على ذلك، حتى أطلق أحد أفراد مشاة البحرية السابقين من أصول إفريقية النار على رجال الشرطة في مدينة باتون روج.

وهنا تذكَّروا لأوباما كل شيء.

فقد أشار المحلل المحافظ ستيف تشالمن إلى أن قتل الشرطة يعكر بجدية إحصاءات السنوات العشر الأخيرة، التي كانت تشير إلى انخفاض نسبة القتل المتعمد لدى رجال الشرطة خلال تأدية واجباتهم، حيث انخفض عددها منذ عام 1977 بنسبة 69 في المئة.

من جانبه، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي أن 80 في المئة من الجرائم في الولايات المتحدة ترتكبها عصابات الشوارع، التي تتألف في غالبها من أشخاص من أصول إفريقية ومن أمريكا اللاتينية.

واضطر البيت الأبيض إلى التراجع. فأعلن أوباما أن "الأمريكيين من أصول إفريقية ولاتينية يشكلون فقط 30 في المئة من مجموع شعب الولايات المتحدة. ولكنهم يشكلون 50 في المئة من نزلاء السجون". حاول أوباما بهذا كسب بعض الناخبين اليمينيين إلى جانب الحزب الديمقراطي. ولكن هذه الكلمات الغامضة والضبابية وغير المقنعة، التي أطلقها الرئيس الحالي، لا يمكن مقارنتها مطلقا بالدعوات الصارخة الاستفزازية التي يطلقها مرشح الجمهوريين دونالد ترامب بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية و"الجريمة السوداء".

باراك أوباما

ومن الواضح أن الجريمة على أساس عرقي وإثني ستكون ساحة للصراع على السلطة وأصوات الناخبين. ولكن جذور الشر تكمن في شيء آخر.

فأمريكا لم تتمكن من التغلب على التفرقة العنصرية، التي تلقي بظلالها في الوقت الحاضر حتى على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. طبعا، هذا لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها؛ حيث يكفي أن نتذكر كيف توترت العلاقات في الاتحاد الأوروبي على أساس عرقي وطائفي، في ظروف أزمة الهجرة المستعرة.

وفي هذا السياق، فإن العملية الإرهابية في مدينة نيس الفرنسية، التي وقعت في العيد الوطني لفرنسا، تصب في مصلحة الدوائر المحافظة وتعزز الشعور اليميني الراديكالي في أوروبا والولايات المتحدة.

وليس مستبعدا أن نشهد قريبا تشكيل أمريكا جديدة وأوروبا جديدة، تنجذبان نحو جذورهما التاريخية والقومية، وتنبذان ليس فقط مفهوم التعددية الثقافية، بل وأيضا أفكار التسامح والإدارة فوق القومية.

في نوفمبر/تشرين 2016، ستكون الولايات المتحدة بانتظار سياسي جديد، سيكون كما أعتقد تجسيدا لعصر جديد.