روسيا و"سيلاك": نحو تعاون أوسع تفرضه المرحلة والظروف

أخبار العالم

روسيا ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i7j3

تشهد سوتشي الروسية الاثنين 14 نوفمبر/تشرين الثاني لقاءات بين وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف ونظرائه بمجموعة "سيلاك" لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي لوضع خريطة طريق لتعاون مستقبلي

ويمثل هذا التعاون تطويرا للتكامل والتفاعل بين روسيا وثلاث وثلاثين دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي، باستثناء الولايات المتحدة وكندا، في مجالات عدة في مقدمتها التجارة والاستثمار والتعليم والثقافة وغيرها، والتي قد تمهد بدورها لتفاعل على نطاق أكثر عمقا.

ولن يعود تعزيز المواقع الاستثمارية الروسية في بلدان أمريكا اللاتينية بمكاسب اقتصادية ومالية للطرفين فحسب، بل وسيحمل معه تباعا تعزيزا للمواقع السياسية، كتدعيم النظرة المتطابقة تجاه ملفات بعينها، إقليمية ودولية، كمحاربة الإرهاب والجريمة العابرين للقارات والدول، وتسوية النزاعات، حيث بؤرها اليوم في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وليس آخرا، استمرار رفض هيمنة القطب الواحد والتصدي له عبر استقدام الأدوات والطرق كافة: الدبلوماسية منها والاقتصادية والاجتماعية.

ولا يمكن أن نهمل هنا وجود تقاطعات عريضة بين "سيلاك" وموسكو بخصوص الكثير من ذلك؛ فسيلاك وموسكو تؤمنان بألَّا قانون فوق القانون الدولي ببنوده والمواثيق المبنية عليه، وما يترتب على الالتزام بها جميعها من ضرورة الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها مع ضمان عدم التدخل في شؤونها.

وكيف لا تقر "سيلاك" بذلك! وكل دولها كانت قد عانت ويلات التدخل الأجنبي الأمريكي المبني على مبدأ الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو، الذي خول واشنطن وحدها التدخل في شؤون الدول المذكورة باعتبار أن الأمريكتين امتداد متصل لمصالحها الجيوسياسية المشروعة. وعملا بهذا المبدأ، أرسلت الولايات المتحدة جيوشها إلى الدومينيكان (1905) ونيكاراغوا (1912) وهايتي (1915)، في مشهد تكرر لاحقا بصورة اضطرابات وانقلابات عسكرية متواترة لموكل واحد.

وقد تجسد حلم خلاص دول أمريكا اللاتينية من النفوذ الأمريكي في شكل كتلة إقليمية تحت مسمى "مجموعة سيلاك". وولدت المجموعة من رحم الحاجة إلى استراتيجية متكاملة على امتداد بلدانها تحقق الرخاء لشعوبها، كما تضمن لها تكافؤ الفرص على أساس المساواة. مراقبون رأوا فيها منافسا لمنظمة الدول الأمريكية (1948)، تركة واشنطن من أيام مقارعة النفوذ السوفييتي، ومكملا لـ "مجموعة ريو" (1986)، المنصبة على حل عقد صراعات مسلحة اعترضت المنطقة والمرحلة.

وعلى طريق التنمية والتفاعل المنشودين، كان لا بد من خروج المجموعة من أطر التعاون بين دولها إلى رحاب التنسيق مع بلدان، تعد بعينها أجزاء من العالم، وبينها الصين وروسيا.

على ذلك، فقد شهدت العلاقات مع روسيا تطورا ملحوظا نتيجة الظروف السائدة إقليميا ودوليا، وبالرغم عنها. هنا، سجلت بلدان المجموعة خلال السنوات الأخيرة تراجعا في الدورين الأمريكي والأوروبي في مضامير عدة، لجهة تنامي الدور الصيني. إذ صعد معدل التبادل التجاري بين بلدان أمريكا اللاتينية والصين بمقدار 22 ضعفا (من 12 مليار دولار إلى 275 مليارا) بين عامي 2000 – 2013. ومن المتوقع أن يبلغ 500 مليار دولار بحلول عام 2024، فيما تأمل بكين أن تبلغ قيمة استثماراتها في المنطقة 250 مليار دولار خلال السنوات الـ 10 المقبلة.

وقد بلغ الأمر من الخطورة لدى واشنطن درجة دفعتها، وفق خبراء، إلى اعتماد نهج سياسي جديد تجاه كوبا، أفضى إلى عودة العلاقات بين البلدين بعد 50 عاما من القطيعة والحصار.

إلى ذلك، يكتسب التكاتف الروسي مع الدول الجنوب أمريكية، بما في ذلك تشكيلاتها المختلفة كمجموعة "سيلاك" وغيرها، أهمية خاصة في ظل تدهور العلاقات بين روسيا والغرب. وهذا التكاتف يمنح موسكو فرصة خفض المخاطر وتدعيم المواقف إزاء العقوبات الأمريكية والأوروبية (الغربية). تلك العقوبات، التي وضعت نصب أعينها تمزيق الاقتصاد الروسي، استدعت ردا روسيا في صورة عقوبات جوابية من جهة، والارتقاء بمستوى العلاقات مع بلدان أمريكا اللاتينية بما يضمن رأب فجوة النقص الحاصل - دول المنطقة كالأرجنتين والبرازيل والباراغواي وتشيلي، إلخ لطالما امتلكت المقدرات السلعية لاستبدال المنتج الغربي الممنوع وإعادة التوازن إلى السوق المحلي.

ولذا، فالتعاون الروسي مع أمريكا اللاتينية تكرس في مجالات كثيرة بينها تكنولوجيا الطاقة النووية وصناعة المركبات والطائرات والأسمدة وغير ذلك.

وموسكو، التي كانت قد وضعت مع "ترويكا" مترأسي "سيلاك" خطة لبلوغ التكامل، استكملت الخطة بخطوات عملية محددة في هيئة توافقات ترقبت الإشهار من منابر سوتشي جنوبي روسيا.

إنه تكامل على طريق آخر، ربما أوسع وأشمل، محركه رفض أساليب الإملاء والهيمنة أيا كان مصدرها ليس عبر التأكيد على وجود البديل فحسب، بل وحتمية وجوده في عالم، لا يمكن أن يكون إلا متعدد الأقطاب أسوة بتعدده وتنوعه غير المحدود.

أريج محمد

فيسبوك 12مليون