تشيلينتانو في موسكو.. أن تكون عندما لا تكون

الثقافة والفن

تشيلينتانو في موسكو.. أن تكون عندما لا تكونأدريانو تشيلينتانو وماوريتسيو شويتزر
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i6x6

امتلأت قاعة "كروكوس سيتي هول" في موسكو بجمهور كثيف جاء ليحضر حفلاً يحمل اسم الفنان الإيطالي أدريانو تشيلينتانو.

ويحمل الحفل اسم تشيلينتانو بالمعنى الحرفي لأن الفنان الذي ضرب الموعد إياه مع الجمهور الروسي هو الإيطالي ماوريتسيو شويتزر، الشبيه شكلاً بأدريانو تشيلينتانو، وصاحب الشهرة الواسعة بمباركة تشيلينتانو نفسه الذي أرسل من خلاله تحية دافئة إلى محبيه في روسيا.


يصعب القول إن الفن هو أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ العربي حين يقع نظره على كلمة "شبيه".. إذ ارتبط هذا المفهوم بالسياسة والرؤساء الذين يُقال إنهم يستعينون بأشخاص يشبهونهم في مناسبات معينة. ولكن لهذه الكلمة مفهوما آخر في روسيا، وفي العالم بشكل عام، وهو ما تكتشفه حين تجلس في حفل ماوريتسيو شويتزر الذي يُشعرك أنك أمام أدريانو وأي أدريانو.. بصورته الحاضرة في ذهن الجمهور، ذلك الشاب الحيوي المتميز بحركاته الطريفة وهو يؤدي أغانيَ تكتسب في صوته نكهة خاصة.


وبالطبع لا يقتصر التشابه في ما بين تشيلينتانو و"تشيلينتانو" على الشكل والمظهر فهو في الصوت أيضاً، وهو ما تجد نفسك وقد أدركته ما إن تفوّه ماوريتسيو بأول كلمة تحية إلى الجمهور واضعاً نظارة سوداء على عينيه، لا لإخفاء ملامح قد تبدو مختلفة عن ملامح تشيلينتانو بل لتأكيد التشابه معه.


قبل بداية الحفل تحدث ماوريتسيو عن مواطنه الذي طبّقت شهرته الآفاق، مشيراً إلى أنه مولع بتشيلنتانو منذ صغره، وأنه عاش طفولته فيه فعشق فنه وافتتن به. ولربما تقمص شخصيته لأنه أحاط نفسه بفنانه المحبوب منذ الطفولة حتى صار يشبهه، حتى في تفاصيل حركاته وتعابير وجهه. فهل يبدو ذلك غريباً ؟ كثيراً ما نسمع أن الزوجين يكتسب أحدهما ملامح الآخر إلى درجة أن تشابههما يصبح أمرأً واقعاً شيئاً فشيئاً.. بل يُقال أن العلم أثبت ذلك.


لم يكن الحفل غنائياً فقط بل كان أشبه باستعراض لإبداعات الغائب الحاضر أدريانو.. وذلك بأداء مشاهد من أدوار تشيلينتانو السينمائية.. علماً أنه معروف بشكل أو بآخر للجمهور العربي كمغنٍّ أكثر منه كممثل.. وذلك بفضل أغانٍ استخدمت في أفلام عربية اشتهرت بصوت هذا الفنان الإيطالي.


أدى ماوريتسيو مجموعة من أغانٍ قدمها تشيلينتانو، منها أغنية Ma Perke وأغنية "سوزانا" التي حققت شهرة كبيرة بصوت تشيلينتانو بعد أن أطلقتها الفرقة الهولندية VOF de Kunst.

كما أدى lashate mi kantare، إحدى أشهر الأغاني الإيطالية التي ارتبطت باسم أدريانو تشيلينتانو علماً أنها من تأليف وأداء توتو (سلفاتوري) كوتونيو، الذي كتبها خصيصاً لتشيلينتانو، إلا أنه قرر أن يؤديها بنفسه بعدما أدرك بحدسه الفني أنها ستحقق نجاحاً كبيراً.


بالإضافة إلى ماوريتسيو شويتزر تميز عدد من الفنانين المرافقين له، وعلى رأسهم سيلفيا من مجموعة الـ back vocal بأدائها أغنية "كاروزو"، التي كتبها لوتشو دالا تخليداً لاسم التينور الإيطالي الأشهر إنريكو كاروزو قبل 30 عاماً، فحققت خلالها شهرة منقطعة النظير ولا تزال، والتي أداها العديد من ألمع المغنيين في العالم.

ويجدر القول إن الفنانة الشابة سيلفيا أدت واحدة من أصعب الأغاني ببراعة تضاهي براعة فنانين عالميي الشهرة غنوا "كاروز"، يُذكر منهم لوتشانو بافاروتي ولارا فابيان وخوليو إيغليسياس.

ولكن الأغنية الأهم التي كان الجمهور الروسي بانتظارها هي الأغنية التي صدح فيها صوت تشيلينتانو باللغة الروسية، Ja Tebya Lublu وتعني أنا أحبك. وعلى الرغم من أن ماوريتسيو لا يتكلم اللغة الروسية، إذ كان بحاجة لمترجم في أثناء الحفل، إلا أن لفظه للكلمات القليلة التي يعرفها بلغة بوشكين كان بنطق روسي سليم وبدون لكنة.. تقريباً.


بالطبع هناك من رأى أن إحياء حفل شبيهِ أدريانو تشيلينتانو خدعة، ولكن محبي أدريانو الذين جاؤوا للاحتفاء بالفنان الكبير حتى غصت بهم القاعة أثبتوا عكس ذلك. ففعالية فنية بمشاركة شبيه الفنان أفضل، بحسب وجهة نظر هؤلاء، من الجلوس في قاعة ومشاهدة حفل هولوغرام كما بات شائعاً في الآونة الأخيرة، حتى في الساحة الفنية العربية التي شهدت في العام الماضي حفلاً يمكن القول إنه كان بمشاركة الشحرورة.. الراحلة صباح.

هل هي خدعة ؟ بكل تأكيد لا. فالجمهور يدرك أن الحفل لماوريتسيو. وحتى إن كان الأمر كذلك.. ألم يقل ألكسندر بوشكين.. ليس خداعي بصعب أبدا! فأنا سعيد بأن أكون مخدوعاً؟
لا بد من الإشارة إلى أن إيطاليا كانت لها دوماً مكانة خاصة في الوجدان الروسي. فالطليان حاضرون دائماً في التاريخ والفن الروسيين، ولا يمر عام إلا وتعرض القنوات المحلية فيلم المخرج العظيم إلدار ريزانوف "مغامرات الطليان المدهشة في روسيا"، الذي يعتبر أحد أكثر الأفلام شعبية في البلاد.. فكانت الحفاوة الروسية طبيعية ومألوفة في استقبال تشيلينتانو.. وماوريتسيو.


لفتت انتباهي سيدة مسنة رأيتها بعد انتهاء الحفل، كنت قد لمحتها بصحبة فتاة وهي تجلس ممسكة بعكازها في قطار المترو المتجه إلى "كروكوس سيتي هول". ترى ما الذي دفع بسيدة تكاد لا تقوى على السير إلى ركوب المترو والتوجه إلى قاعة الحفلات عند أطراف موسكو.. تتكئ من جانب على رفيقتها ومن جانب آخر على عكازها ؟ مرت السيدة في أثناء خروجها من القاعة بطفل فرمقته بنظرة لطيفة وابتسمت له، بينما كان الصغير يرقص ويصفق فرحاً ويحاول ترديد كلمات الأغاني غير المفهومة.. بعد لقاء مع إبداعات فنان محبوب في حفل جميل.. تُزهر أغصانها من جيل إلى جيل.


علاء عمر

أفلام وثائقية