ما سر الخلاف بين بغداد وأربيل؟

أخبار العالم العربي

ما سر الخلاف بين بغداد وأربيل؟مقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hy83

أعلنت وزارة البيشمركة في إقليم كردستان العراق أن البيشمركة لن تكون تحت أمرة الحكومة العراقية وسيطرتها.

وأضافت، في بيان لها ردا على المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر، أن "قوات البيشمركة تحت إمرة وسيطرة قيادة قوات بيشمركة كوردستان، وضمن منظومة الدفاع العراقي حسب الدستور، رغم أن الحكومة العراقية لم تقدم أي مساعدات للبيشمركة، من ناحية التدريب وتوفير المستلزمات العسكرية والأسلحة".

وكان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر قد أكد قبل يومين "الأهمية البالغة لأن تدخل قوات البيشمركة وجميع الجماعات العراقية المحاربة الأخرى تحت إمرة وسيطرة الحكومة والجيش العراقي لتشجيع جبهة موحدة ضد تهديدات داعش المستمرة".

وقد أصدرت أربيل وبغداد خطابات متباينة بشأن كيفية إدارة عملية استعادة الموصل ومشاركة البيشمركة والحشد الشعبي وكذلك مستقبل المناطق المحررة منذ سقوط نينوى وغيرها بيد "داعش".

وعلاقة بغداد وأربيل يسودها التوتر منذ تم تأجيل تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي نهاية 2007. وزادت العلاقة توترا بعد نقض نوري المالكي اتفاقية أربيل 2010، ثم ازداد التوتر أكثر بعد سقوط نينوى بيد "داعش" في يونيو/حزيران 2014.

وربما بلغ التوتر مداه حين أعلن مسعود بارزاني أن "دخول قوات البيشمركة إلى محافظة كركوك أنهى المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بالمناطق المتنازع عليها بعد انسحاب قطعات الجيش منها وسيطرة "داعش" عليها". وتابع بارزاني: "لقد صبرنا عشر سنوات مع الحكومة الاتحادية لحل قضية المناطق المتنازعة وفق المادة 140 لكنها كانت دون جدوى"، وأضاف: "بالنسبة لنا، المادة 140 أنجزت وانتهت ولن نتحدث عنها بعد الآن".

وبعد كل ذلك، ليس غريبا أن نسمع خطابات ومواقف متباينة بين بغداد وأربيل، أو بين واشنطن وأربيل بعد أن انسحبت أمريكا في 2011، وبقيت المادة 140 من دون تنفيذ.

ذلك أن العراق يقف اليوم ليس أمام تحرير نينوى فحسب، بل أمام تسوية قضية كركوك أيضا، وكلاهما معارك عالمية وليست محلية فحسب. وسيفتح كلاهما الباب أمام عهد ما بعد "داعش"؛ وهو عهد قد يفتح استحقاقات دستورية عراقية مؤجلة، ليس منذ نهاية 2007 فقط، بل ربما منذ 2005 أيضا.

ففي الوقت الذي طلب فيه حيدر العبادي من البيشمركة الانسحاب من المناطق التي استعادتها حديثاً من داعش في نينوى، وأكد أنه" لا يمكن لأي قوة دخول الموصل باستثناء القوات الأمنية العراقية"، أكدت وزارة البيشمركة في إقليم كردستان العراق أن "قوات البيشمركة لن تنسحب من المناطق التي تم تحريرها منذ عامين".

وكلام رئيس الوزراء هذا يواجه صعوبة في التنفيذ. ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وقعت اتفاقية أمنية ومالية مع إقليم كردستان في 12/7/2016.

وقد تم توقيع الاتفاقية في أربيل بحضور كل من وزير الداخلية وزير البيشمركة بالوكالة كريم شنكالي، ونائبة وزير الدفاع الأمريكي إليسا سلوتكين، ورئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني. ونصت الاتفاقية على تقديم الولايات المتحدة الأمريكية دعماً عسكرياً وماليا لقوات البيشمركة.

وقد ردت وزارة الدفاع العراقية على هذا الاتفاق في بيان لها صدر عقب انتهاء أعمال مؤتمر وزراء دفاع التحالف الدولي، الذي عقد في واشنطن في 22 و23 تموز 2016. وهو مؤتمر لم يُدع إليه رئيس إقليم كردستان بعكس مؤتمر ميونيخ في شباط الماضي!

وقال بيان وزارة الدفاع إن "الاتفاقية العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإقليم كردستان تمت بموافقة الحكومة العراقية، وإن قوات البيشمركة ستنسحب من المناطق المحررة من محافظة نينوى، حيث إن هذه المناطق تستخدم وفقاً لبرنامج مؤقت من أجل عملية تحرير الموصل".

لكن وزارة البيشمركة ردت هي الأخرى على وزارة الدفاع العراقية، فقالت إن "انسحاب قوات البيشمركة من تلك المناطق التي وضعت كخريطة مؤقتة لعملية تحرير الموصل، يجب أن يحدد عبر اتفاق بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة المركزية، وليس بحسب خطة أحادية من جانب الحكومة العراقية".

كما أكدت وزارة البيشمركة أنها "لن تنسحب بأي شكل من الأشكال من تلك المناطق"، وأن هذا الجزء من الاتفاقية لا يعني بأي حال أن تنسحب قوات البيشمركة من تلك المناطق التي تم تحريرها منذ عامين، وأن الانسحاب يكون فقط من داخل مدينة الموصل.

وتأتي هذه التطورات بعد أن حررت قوات البيشمركة أخيرا أكثر من عشر قرى جنوب شرق نينوى بدعم من مدفعية وطائرات التحالف الدولي بعد اجتماع امني عقد في أربيل وضم كلا من مسعود بارزاني، وبريت ماكغورك المتحدث باسم الرئيس أوباما، ومستشار الأمن الوطني العراقي فالح الفياض.

كما تأتي هذه التطورات في وقت شاركت فيه ولأول مرة قوات من جهاز مكافحة إقليم كردستان العراق مع قوات التحالف الدولي في إنزال بقوات خاصة ضد "داعش" في منطقة القائم بمحافظة الأنبار قبل أسبوع بغياب أي قوات عراقية.

وفي الوقت الذي ستباشر فيه كلاريسا باستوري، الممثلة الجديدة للاتحاد الأوروبي في إقليم كردستان، عملها مطلع سبتمبر/أيلول المقبل، تلقت قوات البيشمركة من ألمانيا مؤخرا نحو 70 طنا من السلاح؛ تضمنت بنادق خفيفة وقاذفات صواريخ محمولة وعربات مدرعة.

وإذا كان سر توتر العلاقة وتناقض الخطاب بين بغداد وأربيل مفهوما، فما هو سر التناقض في مواقف واشنطن من قوات البيشمركة؟ لماذا تزودها برواتب ودعم عسكري وتشترك معها بعمليات مكافحة إرهاب خارج إقليم كردستان من جهة، وتطلب منها الدخول تحت خيمة الجيش العراقي من جهة أخرى؟

يبدو أن واشنطن، التي تستعد لحقبة دولية جديدة بعد انتهاء عصر "داعش" في العراق، تنتهج سياسة الاحتواء المزدوج ليس مع أربيل فقط، بل مع بغداد أيضا، لأجل فتح باب لعراق جديد. وعراق جديد يعني فتح المجال أمام استحقاقات دستورية مؤجلة. ولعل من أول هذه الاستحقاقات أن يكون للحشد الشعبي والبيشمركة قانون حرس وطني واحد.

عمر عبد الستار