سدنة الإرهاب ومأساة نيس

أخبار العالم

سدنة الإرهاب ومأساة نيس
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hua2

يضرب العالم رأسه بجدار الإرهاب مجددا وتكون الحصيلة في اعتداء مدينة نيس ثقيلة ومرشحة للزيادة، فيما تقف فرنسا أمام  هذه المأساة كما لو أنها عزلاء.

يتكرر هذا النوع من المآسي لأن الحكومات تتناسى أن الإرهاب لا تنبت له أذرع تمارس القتل والتدمير بتصريح سماوي هكذا صدفة أو بموقف فردي، وهنا يكمن سر هذا الوباء الخطير.

هذه الظاهرة لا ترتبط بشكل حصري بتنظيمات عنيفة محددة مثل داعش والقاعدة، توفرت لها في غفلة من العصر والعقل ظروفا مناسبة كي تترعرع وتزدهر وتنبعث جذورها السامة وتبرز أغصانها الوحشية من تحت أديم ميادين الحروب التي يشنها ساسة متحضرون، يمارسون هم أيضا ما يعتقدون أنه عنف مشروع مستخدمين في ذلك أعتى الجيوش، باسم مبادئ لا تخلو هي الأخرى من قدسية.

وما يجعل من ظاهرة الإرهاب خطرا قاتلا يهدد البشرية جمعاء أنه وباء معد عابر للحضارات والثقافات، قادر على الانتشار السريع و"الانغماس" في عقول ضحاياه. ضحايا يمكن تدجينهم ومسخ وجدانهم الإنساني بفتاوى مليئة بالوعود البراقة تحول البعيدين منهم إلى ذئاب منفردة متعطشة للدم مدفوعة بقوة سحرية للفتك بأنياب لا تعرف الرحمة.

مثل هذه الفتاوى يقف وراءها جيش من الشيوخ يتفننون في نسج حبائلها وتركيز سمومها منذ عقود، وفي ظل حكومات ترعاه وتموله وتوفر له الوسائل ليعمل من خلف الستار. وحين تكتمل الجريمة وتسيل دماء الأبرياء تتباكي هذه الدول وتبدو في مظهر الحمل الوديع، ولا يسألها أحد، إذ أن المصالح هي الأخرى تتمتع بقوة سحرية، بل وبما يشبه الحصانة الرسمية.

ويمكن القول إن الغرب ضمنيا مسؤول مع الدول الراعية لفتاوى الإرهاب عن إحياء عنف "القرون الوسطى" وإضرام نيرانه في هشيم أفغانستان وبلدان الشرق الأوسط الأخرى وانتقاله إلى أوروبا.

هذان الطرفان متواطئان ضمنيا في إطلاق وحش الإرهاب من عقاله، ومعظم عواصم الغرب متورطة في ذلك، وما إقرار بريطانيا الأخير بأن مشاركتها في غزو العراق "لم تكن صائبة وهي من دون أساس قانوني"، إلا اعتراف متأخر بمسؤولية تلك الحرب المباشرة عن انتشار الإرهاب الدموي العنيف في العراق وتمدده إلى سوريا وترعرعه في ليبيا واستشرائه في اليمن ووصول أذرعه إلى أقاصي الأرض، إلا أن  مثل هذا "الندم" في المحصلة لن يعيد الزمن إلى الوراء ولا الوحش إلى أصفاده.

وبالمقابل، استفاد سدنة الموت وأئمته من "غزوات" الغرب وأخطائه المتكررة، فلم يعد تلامذتهم وأنصارهم هائمين على وجوههم في الجبال والصحارى والوديان البعيدة، إذ أن تدمير أسوار العراق منحهم مفاتيح بلاد الرافدين والشام، وتدمير أسوار ليبيا منحهم قاعدة على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط تمتد إلى وسط القارة الإفريقية.

 وساعدت هؤلاء تلك المغامرات العسكرية الدموية أيضا في تعتيق الكراهية والأحقاد، وإعداد جرعات بفعالية سحرية فائقة لصنع قنابل بشرية موقوتة، بعضها ينضم إلى مفارز القتل في ملاجئ الإرهاب بالموصل والرقة وبنغازي، والبعض يتربص بالأبرياء وأصابعه على الزناد وعلى صواعق المتفجرات وخلف مقود الشاحنات في انتظار ساعة الصفر.

والغريب أن العالم بين كل هجوم دموي وآخر يبحث عن الأذرع المنفذة، ويسهب في سرد التفاصيل الدقيقة عن أصولها وفصولها وعلاقاتها القريبة والبعيدة، ولا أحد يولي اهتماما موازيا بسدنة الموت الذين يعملون براحة تامة، بل وفي بروج عاجية ويمدون النيران في كل يوم بمزيد من الحطب!

والأدهى والأمر أن ساسة الغرب يواصلون نهجهم في التحالف الضمني مع سدنة الإرهاب، وذلك بإصرارهم على تصنيف إرهابيين يحملون نفس الوصفات ويتقيدون بذات الفتاوي بين متطرف عدو يتعين القضاء عليه، ومعتدل صديق يتوجب إمداده بالسلاح بل وحمايته من الجو، كما يحدث في سوريا!

يحدث كل ذلك فيما يسعى الإرهاب بجميع فصائله من دون كلل إلى شن حرب عالمية على الحضارة البشرية مستعملا في ذلك ثقافة "مقدسة" للموت، يجري نشرها بسهولة على أوسع نطاق عبر الإنترنت، وبواسطة أنصار يعملون في الخفاء في جميع أنحاء العالم، حتى إذا سقطت قلاع داعش في الموصل والرقة وغيرها عسكريا، فستبقى قنابل بشرية موقوتة كثيرة بعيدا عن الأعين عصية عن الرصد، قنابل يتواصل العمل على تجهيزها وتحضيرها عن بعد ليل نهار.

 وإذا لم يعد الغرب الرسمي إلى رشده ويعي فداحة ما صنعت يداه، ويعيد النظر في حساباته الخاطئة في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط ومع ظاهرة الإرهاب بشكل شامل وحازم، فقد يتمكن هذا الوباء من تهديد الحياة على الأرض أكثر من نيزك عملاق أو غزو محتمل من قبل كائنات من الفضاء الخارجي، كما تسهب في إظهار ذلك أفلام هوليود.

محمد الطاهر