استقالة الغبان في الميزان

أخبار العالم العربي

استقالة الغبان في الميزان
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ht8e

استقال وزير الداخلية محمد الغبان، إثر تفجير الكرادة الدامي، وأقيل مديرو استخبارات وأمن ونجدة ومرور ومكافحة إرهاب الكرادة، وأُعلن الحداد في البلاد لمدة ثلاثة أيام.

وقد اشتعل غضب الناس، ونسوا تحرير الفلوجة، وفرحة العيد. وهالهم تفجير الكرادة، وهو الأعنف منذ سنوات، وقد أودى بحياة 250 شخصا، فأهانوا رئيس الوزراء لقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي، حين زارهم بعد ساعات من التفجير، وانهالوا على موكبه بالحجارة، ما اضطره إلى المغادرة.

وقد اتخذ العبادي على عجل جملة قرارات لاستيعاب غضب الناس، منها: إعلان الحداد العام، وتنفيذ حكم الإعدام بعدد من المدانين، وسحب أجهزة كشف متفجرات زائفة استوردها حكومة المالكي في 2012. كما أقيل عبد الكريم الشمري، قائد عمليات بغداد، والمسؤول الأول عن امن بغداد، وعدد من مسؤولي الأمن والاستخبارات في منطقة الكرادة.

 ثم قدم وزير الداخلية محمد سالم الغبان، الذي كان يشكو من إدارة عمليات بغداد للملف الأمني، استقالته للعبادي، وقال: "قدمت استقالتي من منصبي إلى رئيس الوزراء بسب تقاطع الصلاحيات الأمنية وعدم التنسيق الموحد للأجهزة الأمنية". كما دعا الغبان إلى إصلاح منظومة الأمن إصلاحاً حقيقيا.

 فهل أطاح تفجير الكرادة مسؤولَ الأمن الأولَ في العراق، في الوقت الذي كان على قائد عمليات بغداد أن يقدم استقالته، لأنه هو المسؤول عن أمن بغداد وليس وزير الداخلية؟

وهل ستعيد هذه الإجراءات ثقة الناس بحكومة العبادي وبأجهزة الأمن بعد تفجير الكرادة، الذي قد يشبه في تأثيره وتداعياته على أجهزة الأمن سقوط نينوى في يونيو/حزيران 2014، على هيبة وبنية الجيش؟

 وحتى تتضح الإجابة على هذه الأسئلة، فقد بينت دراسة علمية أن أداء أجهزة الأمن العراقية، ورغم كل الدعم الذي حصلت عليه، ما زال بعيدا عن الحد الأدنى، الذي يطمح إليه المواطن العراقي. وخلصت الدراسة إلى استشراء ظاهرة الفساد داخل أجهزة الأمن، وانتشار ظاهرة التعددية في التشكيلات الأمنية وتداخل اختصاصاتها وغياب التنسيق، الذي أشار إليه وزير الداخلية في استقالته.

 ولو أخذنا بغداد مثلا، فإضافة إلى مجلس ومحافظ بغداد، وهو أعلى سلطة تنفيذية في المحافظة ومسؤول الأمن الأول حسب الدستور، سنجد وزارة الدفاع والداخلية والأمن الوطني والاستخبارات العامة وجهاز مكافحة الإرهاب ومكتب القائد العام للقوات المسلحة وقيادة عمليات بغداد، التي تنضوي تحت جناحها قوات تابعة لأكثر من وزارة، وهناك قيادة العمليات المشتركة، فضلا عن الحشد الشعبي و100 فصيل مسلح غير تابع "للحشد الشعبي".

ورغم كل هذا العدد الكبير من الأجهزة الأمنية، فإن العراق يتعرض لألف حادث عنف خطير شهرياً رغم مرور عشر سنوات منذ تولى المالكي ولايته الأولى في 2006. ويصدق في تعدد أجهزة الأمن العراقية وواقع الأمن فيه المثل العراقي القائل: "من تكثر الملاليح تغرك السفينة، والملاليح" (عندما يكثر الملاحون تغرق السفينة والملاحون).

 ولذلك، لا يتوقع أن يكون هناك أثر ايجابي لقرارات العبادي، أو لإقالة الشمري، أو لاستقالة الغبان، على الوضع الأمني في بغداد ما لم تنته ظاهرة تعدد الرؤوس داخل هذه الأجهزة، التي تغيب في ظلها إمكانية تحديد المسؤول الأول عن أي خلل أمني.

 ورغم ادعاء الحكومة أنها حققت انتصارات أمنية أو عسكرية ضد "داعش" أو "القاعدة" سابقا، وأنها قتلت أو اعتقلت وحاكمت وأعدمت ألوف الإرهابيين، فإن يد الإرهاب لا تزال تفتك بالمواطنين، وأن أحدا لم يسمع منذ 2006 إلى اليوم أن لجنة تحقيق أمنية واحدة، في أي حالة خرق امني، استطاعت أن تتوصل إلى تحديد المسؤول الأول عن ألوف الأعمال الإرهابية. 

وعليه، فإن جهاز كشف المتفجرات المزيف، الذي سحبه العبادي بعد أربع سنوات من الخدمة، ربما لم يكشف عن أي متفجرات طوال سنوات خدمته، لكنه كشف ربما سوءة تعدد الأجهزة الأمنية التي تغطت بجهاز مزيف لأربع سنوات.

 وإذا كان سقوط نينوى قد اسقط هيبة الجيش، وتسبب في تأسيس "الحشد الشعبي"، فإن تفجير الكرادة قد يدفع لإسقاط هيبة الأجهزة الأمنية، ويفتح المجال لتسلُّم "الحشد الشعبي" مسؤولية أمن بغداد والمحافظات.

والدليل على ذلك أن الناس، التي أهانت رئيس الوزراء ورفضت استقباله، استقبلت من بعده هادي العامري، رئيس "منظمة بدر"، وقيس الخزعلي، زعيم "عصائب الحق"، الذي صرح من هناك بضرورة محاسبة المسؤولين عن الخلل الأمني.

 وهذا قد يفتح المجال لاستلام الحشد ملف الأمن في بغداد، وربما في محافظات أخرى، وخصوصا بعد أن تعرض مخيم للنازحين في أطراف الدورة وآخر للمعارضة الإيرانية في محيط بغداد للقصف. وقد يمهد لعودة نوري المالكي من جديد إلى المشهد السياسي والأمني، خاصة بعد أن أعلن عن استعداد للعودة إلى رئاسة الوزراء. 

كما ورد على لسان هادي العامري حديث عن تكليف المالكي بمسؤولية "الحشد الشعبي". وقد رفض السيد مقتدى الصدر ذلك، وقال إن "حشدا يرأسه المالكي لا يمثلني"، وهذا قد يجدد الصراع بين المالكي والصدر الذي يستعد لتظاهرة مليونية بعد العيد. 

وقد يجد المالكي نفسه اليوم، يقف أمام نفس الفرصة التي وظَّفها بعد سقوط نينوى، وأسس بها "الحشد الشعبي". وقد يوظف المالكي فرصة تفجير الكرادة، فينتزع من العبادي الملف الأمني في بغداد والمحافظات عبر "الحشد الشعبي".

 وليست الفرصة أمام العبادي أقل مما هي أمام المالكي، إذا ما قام بصولة لإعادة بناء أجهزة الأمن بصورة صحيحة. وإذا فعل وحوَّل "الحشد الشعبي" إلى حرس وطني، فسيعبر بالبلاد والعباد إلى بر الأمان، كما فعل مع الجيش عندما بدأ بإعادة بنائه منذ استلامه السلطة في أغسطس/آب 2014.

 وإذا لم يأخذ بيده العبادي زمام المبادرة، فإنها ستفلت منه لمصلحة المالكي ومعه حشد شعبي بخبرة سنتين. وقد يفعلها المالكي وينقلب به على العبادي، كما انقلب صالح بالحوثيين على هادي في اليمن في سبتمبر/أيلول 2014.

عمر عبد الستار – بغداد

الأزمة اليمنية