بوتين: لاعب الجودو الذي بعث روسيا من الرماد

أخبار روسيا

بوتين: لاعب الجودو الذي بعث روسيا من الرمادالرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال دورة تدريبية مع أعضاء فريق الجودو الوطني الروسي 8 يناير 2016
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hi2m

في الـ26 من شهر مارس/آذار عام 2000، فاز فلاديمير بوتين في أول انتخابات رئاسية له، عندما كان مصير روسيا على كف عفريت.

تشتد في الآونة الأخيرة عملية "أبلسة" صورة الرئيس فلاديمير بوتين في وسائل الإعلام الغربية؛ حيث يسمى أحياناً "القيصر إيفان الرهيب" أو "ستالين الجديد". ودائماً لا تُغفل الإشارة إلى أنه ديكتاتور خرج من عباءة الـ"كي جي بي". ويبدو أحياناً أن الحديث يجري عن أحد أباطرة المغول، وليس عن رئيس منتخب في مطلع القرن الحادي والعشرين؛ فمن هو بوتين هذا؟

ولد بوتين في 7 أكتوبر/تشرين الأول 1952 في مدينة لينينغراد السوفياتية، ودرس الحقوق في جامعتها، وتخرج منها عام 1975، وكان له من العمر 23 عاماً، عندما جرى تجنيده في الاستخبارات السوفياتية، وأُرسِل إلى مدينة دريسدين الألمانية الشرقية للعمل حيث أتقن الألمانية، وتعرف إلى أوروبا.

وإبان مرحلة التراجع الكبرى في الاتحاد السوفياتي1991، ترك الـ"كي جي بي" (لجنة أمن الدولة). وبعد نجاح بوريس يلتسين، أول رئيس لروسيا الجديدة، في الفوز بولاية رئاسية جديدة في الانتخابات الرئاسية عام 1996، عين نائبا لمدير إدارة أعمال الرئاسة الروسية في الكرملين.

وقد تميز بوتين بصدق الكلمة، والحرص على محاولة تطبيق القانون حتى في عصر الفوضى الروسية، والإخلاص لرؤسائه في أي عمل مارسه. وربما من أجل ذلك، عينه يلتسين في عام 1998 مديراً لمصلحة الأمن الفدرالية "إف إس بي" وريثة الـ"كي جي بي"، ثم رئيساً للوزراء في عام 1999.

وكانت روسيا آنذاك لا تزال تعاني من آثار إعلان الحكومة تخلفها عن السداد في أغسطس/آب من عام 1998؛ ما أدى إلى تعويم الروبل، الذي فقد 70 في المئة من قيمته الشرائية. وعمت البطالة، وأصبح الناس يتسولون في الشوارع، وعاش 29 في المئة من الروس تحت خط الفقر، وانتشرت المافيا والجرائم المالية والجريمة المنظمة، والفساد في بلاد القياصرة.

ولم تعد روسيا موجودة على خريطة العالم إلا كدولة فاشلة، تتلقى النصائح الأبوية من واشنطن حول الديمقراطية الانتقالية.

هذه هي روسيا، التي تسلمها عقيد الاستخبارات السابق من يلتسين المتهور السكير، الذي أدرك أخيرا حجم الحالة المزرية، التي أوصل إليها روسيا، وعجزه عن إحداث أي تغيير فيها، فلم يجد بداً من إعلان استقالته.

وكان من الطبيعي أن تُفتح أبواب السلطة على مصراعيها أمام بوتين، لكي يُنتخب في 26 مارس/آذار من عام 2000 رئيساً للاتحاد الروسي؛ وليحظى بتفويض شعبي كبير في الدورة الأولى للانتخابات وينال نسبة 52,52 في المئة من الأصوات، رغم عدم تقديمه مشروعاً سياسياً واضحاً لروسيا الجديدة أو برنامجاً انتخابياً محدّداً أو جدولاً اقتصادياً أو وعوداً أو أي إغراءات أخرى للناخبين.

ولعبت إجادته اللغة الألمانية ودراسته الحقوق دوراً كبيرا في إعطاء صورة عصرية أخرى عن الرئيس الروسي تخالف تلك المتصورة عن قاطني الكرملين السوفييت المترهلين. ولكن ذكر الشيشان، حيث لم تتوقف حربها مع موسكو، كان دائماً يصيبه بالانفعال.

وكان يعول على الدعم الغربي لنظامه؛ وعلى أثر هجمات 11 أيلول 2001، كان بوتين أول المتصلين بالرئيس الأمريكي جورج بوش-الابن للتعزية بضحايا الاعتداءات. وذكـّر بأن 15 من بين الخاطفين الـ 19 للطائرات كانوا يحملون جنسية المملكة العربية السعودية، التي كانت تموِّل برأيه مسلحي الشيشان.

لكنه، لم يكن مكتوباً للتحالف الأميركي ــــــ الروسي ضد "الإرهاب العالمي" أن يبصر النور. واستمرت الإدارة الأميركية بانتقاد انتهاك حقوق الإنسان في الشيشان، وانهارت أيضاً خطط بوتين للتحالف مع حلف الأطلسي أو للتقارب مع الاتحاد الأوروبي.

وبيّنت سياسته في الأزمة الشيشانية بوضوح تام عزمه الصارم على اتباع نهج حازم إزاءها، وعلى محاربة الإرهابيين بشدة أكبر، وباستخدام وسائل أكثر حسما، ما سمح له بالقضاء على الإرهابيين.

وفي الوقت نفسه، تحالف بوتين مع مفتي الشيشان السابق ورئيسها أحمد قديروف، الذي كان قد أعلن عن ولائه لموسكو. وبعد مقتله في عام 2004، تحالف الرئيس الروسي مع ابنه رمضان، الذي ترأس منذ ذلك الحين هذه الجمهورية الروسية القوقازية، التي صرفت موسكو وتصرف مئات الملايين من الدولارات على إعادة إعمارها.

ورأى بوتين أخيراً أن الأوان قد آن لإفهام الولايات المتحدة أن روسيا ليست جمهورية موز في جيبها، وأن الوقت أصبح ملائماً لإنهاء علاقة النفاق، التي غلّفت المساندة الأميركية لنظام يلتسين. وبدأ الرئيس الروسي بالتكلم مع واشنطن من موقع المساواة، الذي تجسد بسعيه للاعتراف الدولي بالعالم المتعدد الأقطاب، وباتخاذه مواقف معارضة لمصالح الولايات المتحدة بالنسبة لإيران وسوريا.

وبدأت المواجهة تشتد بين موسكو وواشنطن، بعد خطاب بوتين عام 2007 في مؤتمر ميونخ الأمني، وانتقاده الولايات المتحدة "لخطواتها الأحادية الجانب وغير الشرعية على الصعيد الدولي".

وقد ارتفع مؤشر شعبية بوتين، بعد انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا في مارس/آذار 2014، إلى 80 في المئة (حسب مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام "فتسيوم"). ومنذ ذلك الحين، لا يتراجع مؤشر شعبيته عن هذه النسبة.

بل إن مؤشر شعبيته تجاوز 90 في المئة، عندما بدأت روسيا، في الـ30 من سبتمبر/أيلول الماضي، بتوجيه ضرباتها الجوية الحاسمة إلى "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية في سوريا، رغم اعتراض الدول الغربية، فغيرت موازين القوى في المنطقة. ثم انسحب الجزء الأساس من قواتها في عملية أخرى، لإجبار الفرقاء السوريين على السلام.

وقد أشار استطلاع للرأي، أُجري في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى أن 85 في المئة من الروس يساندون رئيسهم، ويعارضه فقط 14 في المئة منهم.

وفي حين أن الاقتصاد الروسي تعرض لثلاث ضربات مبرحة، هي: العقوبات الاقتصادية، التي فرضتها الدول الغربية بسبب الوضع في أوكرانيا؛ وتهاوي أسعار النفط، الذي يعد أهم صادرات روسيا؛ ومستوى التضخم المرتفع، فإن ذلك لم ينعكس على شعبية الرئيس الروسي.

بوتين لا يزال يتمتع بثقة المواطنين الروس، رغم تعرضه في الغرب للانتقاد و"الأبلسة"، لأن أيا من منتقديه لا يستطيع إنكار أن روسيا عادت بفضله دولة كبرى نافذة. وهي بالطبع لم تصبح جنة الله الموعودة على الأرض، لكن بوتين بعثها من الرماد، وحفز نهوضها السياسي والاقتصادي، وأوقفها على قدميها بعد طول إذلال.

حبيب فوعاني