نعمة المطر تتحول نقمة وتوقع عشرات القتلى في البلدان العربية

أخبار العالم العربي

نعمة المطر تتحول نقمة وتوقع عشرات القتلى في البلدان العربية الأردن
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/h50i

كشفت أمطار السماء، مرة أخرى، وتزامنا مع بدء الشتاء، هشاشة البنى التحتية في العواصم العربية، وطرحت تساؤلات حول جدوى إنفاق مليارات الدولارات على مشروعات يثبت فشلها مع أول موجة أمطار.


وفي منطقة تعد الأفقر بالموارد المائية عالميا، عادة ما يجتمع السكان في صلوات الاستسقاء طلبا لنعمة السماء حتى تتوفر المياه اللازمة للشرب وري المحاصيل الزراعية لسد جزء من الفجوة الغذائية المتزايدة، مع تضاعف أعداد السكان، وتتابع موجات الجفاف، والتصحر الذي يتسع عاما بعد آخر. لكن مشاهد السيول الجارفة وهي تجتاح المدن والقرى في أكثر من بلد، وغرق العشرات، وموت آخرين صعقا بالكهرباء، ربما تجعل أهل الضحايا يتمنون لو أن الأمطار لم تهطل.

وبالرغم من انتظار موسم الأمطار، فإن البنى التحتية لم تكن جاهزة في اليمن، أو العراق، أو الأردن أو مصر. وساهمت المبادرة الفردية وشجاعة رجال الدفاع المدني النادرة في التخفيف من حجم الكوارث التي كان يمكن أن تكون أثمن هدية من السماء.

ومع تحول الشوارع إلى أنهار جارية، والأنفاق إلى بطون سدود، والأراضي والقرى المنخفضة إلى بحيرات ومستنقعات مائية، يبرز بوضوح رداءة البنى التحتية في البلدان العربية. وتطرح الأسئلة عن مصير مئات مليارات الدولارات التي صرفت لتحسين شبكات الصرف الصحي، والكهرباء، والمرافق العامة، وعن آلية اختيار شركات التنفيذ ووجود صفقات فساد في التنفيذ، وعن وجود استراتيجية واضحة أصلا لبناء المدن وتخطيطها في بلدان تعيش في القرن الحادي والعشرين. فلا يمكن فهم أن تبنى المدن والقرى والجسور، ومرافق مهمة في مجرى السيول أو الأنهار والينابيع الجافة. فمعظم المشروعات تنفذها شركات كبيرة ترتبط بخيوط فساد مع مسؤولين في الحكومات، إضافة إلى اختلاس مليارات في مشروعات وهمية لا توجد إلا على الورق وفي الخطط الخمسية.

ومن المفاجئ أن تغمر الأمطار بغداد عاصمة الرشيد إذا عرفنا أن العراق جنى أكثر من ترليون دولار من النفط في نحو عشر سنوات، ورغم أن المملكة العربية السعودية أعلنت أنها أنفقت أكثر من مئة مليار دولار على مشروعات البنية التحتية فإن جدة والمناطق الشرقية والشمالية على موعد في كل عام مع سيول تجرف كل ما يقف في طريقها، وتهدم الجسور وتخرب الشوارع، وتخطف عشرات الأرواح. ويصاب المتابع بالدهشة عندما يعرف أن مدنا كبرى في أكبر منتج للنفط عالميا تعيش من دون شبكة صرف صحي حتى يومنا الحاضر. وقد نجد السبب في ضعف البنى التحتية في اليمن الأفقر عربيا والذي يعاني ويلات الحرب على القاعدة منذ سنوات، وازدياد مشكلاته مع تحول مسار الثورة إلى حرب طاحنة مع الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. ولكن وضع البلدان المستقرة يثير الحيرة.

وواضح أن ثالوث الفساد وسوء الإدارة وغياب المحاسبة يقف وراء رداءة البنى التحتية القائمة، ويشمل الفساد منح تراخيص غير نظامية للبناء في مجرى السيول المحتمل، والمناطق الزراعية. وكشفت السيول والأمطار تهالك البنى التحتية رغم كل ما يقال عن جهوزيتها، والمبالغ المخصصة لتطويرها وتحديثها. لكن هذا لا يسقط مسؤولية الأفراد والمجتمعات، في المراقبة على الإدارات المحلية، والمؤسسات الخدمية، ومساعدتها بعدم رمي النفايات في الحفر المخصصة للصرف الصحي وتصريف المياه.

منذ سنوات طويلة كتب الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب أنشودة المطر يتغنى بها بسقوط المطر بمزيج جميل من الغزل والرومانسية، لكن استقبال المطر في هذه الأيام بات مخيفا في بلدان تتمناه لكنها لا تحسن استقباله، فهدم البيوت، وجرف الأراضي، وأغرق العشرات. ونبقى مع الذكريات منذ أعوام قليلة في ذروة مواسم القحط تجمع رجال دين من اليهود والمسيحيين والمسلمين يستجدون السماء ألا تبخل بالمطر، لكن الواضح أننا غير مستعدين حتى لاستقبال نعمة المطر واستثمارها جيدا، وربما بات لزاما على الجميع العمل بجد من أجل التحضير لاستقبال الأمطار واستغلالها ومنع حصول كوارث كما جرى، وهذا لا يتم إلا بضخ مليارات في مشروعات البنية التحتية من دون أن يشوب العملية أي شكل من أشكال الفساد، كما يجب تكاتف المجتمع من أجل المحافظة على هذه النعمة السماوية، وإلا فإن المطر يعني ازهاق المزيد من الأرواح، وتدمير الممتلكات.

سامر الياس