القرم تعود إلى الحضن الروسي

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/669203/

قرار سكان القرم الانضمام إلى روسيا جاء نتيجة منطقية ومتوقعة للأزمة الأوكرانية التي كانت موسكو تحذّر مدبريها منذ البداية من أن نهجهم وأساليبهم ستقود البلاد إلى التفكك.

منذ اندلاع الأزمة في أوكرانيا في نوفمبر /تشرين الثاني الماضي كان شبح التفكك يحوم فوق البلاد، نتيجة احتدام التناقض الجوهري بين تصاعد النزعة القومية الأوكرانية، ومصالح غالبية سكان المناطق الشرقية والجنوبية المنتمية  لغويا وثقافيا إلى الفضاء الروسي. وقد بلغ هذا التناقض ذروته بعد انقلاب 22 فبراير /شباط الماضي الذي أرغم الرئيس الأوكراني الشرعي فيكتور يانوكوفيتش على مغادرة البلاد، وحمل إلى الحكم في العاصمة كييف تحالفا من الأحزاب والتيارات المعارضة، لعب فيه التيار القومي المتشدد دورا بارزا منذ بدء الأحداث في "ميدان الاستقلال". تيار لم يخف ممثلوه أبدا أنهم يعتبرون أنفسهم "أحفاد" أولئك القوميين الأوكرانيين الذين حاربوا الجيش الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية جنبا إلى جنب مع المحتلين النازيين، كما لم يخفوا كراهيتهم لروسيا وكل ما هو روسي في أوكرانيا. وإذا كان بعضهم يحظى بالتمثيل الشرعي في البرلمان (كحزب "الحرية" بزعامة أوليغ تياغنيبوك)، فإن الجزء الآخر منهم نشط تحت اسم تنظيم "القطاع الأيمن" كقوة ضاربة في اشتباكات مع عناصر الشرطة خلال أحداث الميدان، إضافة إلى مشاركتهم في الاستيلاء على المباني الحكومية ومخازن الأسلحة في مدن غرب أوكرانيا ووسطها.

مخاوف مشروعة

من الملفت للنظر أن إحدى الخطوات الأولى للسلطات الجديدة في كييف كانت إلغاء قانون يمنح اللغة الروسية صفة رسمية كلغة ثانية – إلى جانب الأوكرانية – في المناطق ذات الكثافة السكانية للناطقين بالروسية. ولا عجب أن هذا الوجه العدائي المتشدد للانقلاب، ناهيك عن وجود العصابات المسلحة المتشددة التي رفضت كييف نزع سلاحها، بل وخططت لضمها إلى صفوف أجهزة الأمن الجديدة، خلق مخاوف مشروعة لدى الملايين من سكان شرق أوكرانيا وجنوبها، وأدى لتصاعد حركة العصيان المدني فيها. كما لم يكن غريبا على الإطلاق أن أنظار هذا الجزء الكبير من مواطني أوكرانيا توجهت إلى روسيا كقوة حامية وحيدة في ظروف الدعم غير المشروط الذي ناله الانقلاب من الدول الغربية رغم عدم توافق توجهات "الفاشيين الجدد" في كييف مع المواقف الأوروبية المعلنة.

 خصوصية القرم

اعتماد سكان القرم على روسيا في هذه الظروف العصيبة له أسباب خاصة، وذلك نظرا لتاريخ هذه المنطقة التي كانت جزءا من روسيا منذ ضمها لإمارة القرم على أثر الحرب بين الإمبراطورية الروسية والدولة العثمانية عام 1783.

بعد انهيار النظام القيصري في روسيا والثورة البلشفية عام 1917 باتت شبه الجزيرة جزءا من روسيا السوفييتية حتى عام 1954، حين وضعت تحت إدارة الجمهورية الأوكرانية السوفييتية المجاورة بقرار الزعيم السوفييتي الأسبق نيكيتا خروشوف. قرار لا تزال دوافعه غامضة حتى يومنا هذا، لكنها لم تكن سياسية في أي حال من الأحوال، إذ لم يكن لخروشوف – أن يتصور نهاية الدولة السوفييتية.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نال الإقليم صفة جمهورية ذاتية الحكم نص دستورها الأول (1992) على أنها "دولة ذات سيادة" واسعة الصلاحيات (بما في ذلك ممارسة السياسة الخارجية الخاصة بها)، ولها رئاسة وبرلمان. صفة حرمت القرم منها عام 1995 مع سنّ أوكرانيا لقانون ألغى دستور الجمهورية وعددا من قوانينها. ومنذئذ كانت تطلعات الجالية الروسية الأكبر عددا في القرم (والممثلة بعدد من الحركات السياسية) إلى استعادة الوضع القانوني السابق، ناهيك عن فكرة إجراء استفتاء جديد حول إمكانية عودة الجمهورية إلى نطاق روسيا الاتحادية، تواجه معارضة شديدة، بل قمعا أمنيا ضد النشطاء الروس من قبل السلطات المركزية في كييف.

نتائج متوقعة

جاءت الأزمة السياسية الأخيرة لتجعل القرم إحدى البؤر الرئيسية للعصيان المدني ضد السلطات الجديدة في كييف، كما أنها أحيت لدى الجالية الروسية التي تشكّل الأغلبية الأمل في تحقيق حلم العودة إلى روسيا الأم. حلم وجد تجسيدا له في قرار برلمان القرم المؤرخ في 6 مارس /آذار طرح مسألة الانضمام إلى روسيا على الاستفتاء. أما روسيا فكانت استجابتها لإرادة شعب القرم متوقعة هي الأخرى إذ أعلنت موسكو بحزم استعدادها لنصرة الروس في أوكرانيا من الخطر المحدق بهم بسبب الانقلاب الإجرامي.

لم تكن نتائج الاستفتاء مفاجئة لأحد، وإذا كان هناك شيء ملفت للنظر فهو مشاركة نسبة جدية (40%) من تتار القرم في الاقتراع على الرغم من الموقف الرافض للاستفتاء الذي اتخذته بعض القوى السياسية من الأقلية التترية.

المصدر: RT