الشعراء كالعشاق اثنين اثنين

الثقافة والفن

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/65527/

توجه الشاعر الروسي العظيم ألكسندر بوشكين لزيارة صديقته بولينا اوسيبوفا في قرية تريغورسكويه ، وهو يعاني من اليأس والكآبة في المنفى ببلدة ميخايلوفسكويه. ففاجأته جارته باهدائه كتابا بغلاف جلدي واصرت على ان يطلع عليه. وهذا الكتاب هو طبعة للقرآن الكريم المترجم من الفرنسية الى الروسية صدرت في بطرسبورغ عام 1790 .

بقلم د. يفغيني دياكونوف

..من دعى لحضور العشاء السري
يشاركني في رفع النخب
على شرف سكون بعمق الكون
وسكون عمقه الفؤاد

ليس الشعر بالتعالي الفخور
بل هو الصمت الهش
والترجمة غير الامينة
لذلك السكون الذي بلا قعر

للشاعرة زينايدا ميركينا

توجه الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين  لزيارة صديقته بولينا اوسيبوفا في قرية تريغورسكويه ، وهو يعاني من  اليأس والكآبة  في المنفى ببلدة ميخايلوفسكويه. ففاجأته جارته باهدائه كتابا بغلاف جلدي واصرت على ان  يطلع عليه. وهذا الكتاب هو طبعة للقرآن الكريم المترجم من الفرنسية الى الروسية صدرت في بطرسبورغ  عام 1790 . فأمر بوشكين بالا يزعجه احد وهو

يعكف على مطالعة القرآن ولم يخرج  من المكتب الا بعد ان ابدع رائعة للشعر العالمي اطلقت عليها فيما بعد "محاكاة القرآن".

أقسم بالشفع وبالوتر
اقسمت بالسيف وبالنصر
وقسما بنجمة الفجر
وبصلاة الظهروالعصر

هكذا تبدأ هذة السلسلة من الاشعار التي تضم 9 قصائد لا نظير لها  من حيث قوة التأثير. والمعروف ان كل ترجمة تحاول الاقتراب من الاصل في عبقريته. وكان بوشكين بالفعل شاعرا عبقريا. الا انه كان على علم بمن هو صاحب الكتاب. فلذلك لم يطلق على قصائده "ترجمة  القرآن" بل اكتفي  بوصفها كمحاكاة له. لكن اشعاره لم تصبح اقل عبقرية من جراء ذلك، ناهيك عن انه اشاد بجودة الاصل بقوله:" الفيزياء لا بأس بها، لكن يا لشعر جريء".
حين نطالع ابيات المتنبي العظيم:

 أنا ترب الندى ورب القوافي       وسمام العدى وغيظ الحسود
أنا في امة تداركها  الله              غريب كصالح في ثمود

نحس بمرارة كان يواجهها الشاعر لانه لا كرامة لنبي في وطنه وتخطرعلى بالنا ابيات اخرى:"

انهض، يارسول وابصر
لب ارادتي
وجب البحار والاراضي
والهب بدعوتك قلوب الناس

ولا يعني ذلك اطلاقا ان بوشكين كان عارفا بالقصائد المبكرة للشاعر العربي العظيم الذي اطلق عليه معاصروه لقب المتنبي. الا ان مرجع الاستلهام لكلا الشاعرين هو الفرقان. وكان بوسع كليهما وصف كل منهما كالآتي:"

 ولعتُ بالخيل والليل وشاركت المبارزاتِ
الا اني لم اصلح للفروسية والمغامرات 
بل يا لي من شاعر ويا لابياتي 
وقد مدحت الامراء عشرات المراتِ
وكان منهم احد اشاد بالشعر ومن نظمه
فاعتبرتُ سيف الدولة حاكما، 
ولكنه جعلني اجوب الآفاقَ

وحاكم احدهما هو امير من حلب وحاكم ثانيهما هو امبراطور من بطرسبورغ. وسقط كلاهما ضحية لمكائد ودسائد البلاط وسوء الفهم.

ليف تولستوي

ثمة اديبان عبقريان آخران. وعاش احدهما في اقليم سوري بدولة الخلفاء ضريرا مسدودا في محبس العماء

ومنزله. وقد اطلق على نفسه لقب "رهين المحبسين". وكان ثانيهما سجينا في عزبة "ياسنايا بوليانا"  وسجينا لذويه ومعجبيه. ولم يفهم معاصرو كليهما افكارهما واتهموهما  بالزندقة. واسم احدهما ابو العلاء المعري واسم ثانيهما ليف تولستوي.
فلنلق نظرة الى نتاجهما  وافكارهما لنجد انها متقاربة ومتشابهة الى حد ما. فلنطالع الابيات التالية:

 يحطِّمنا ريب الزمان كأننا          زجاج ولكن لا يُعاد لنا سبك
                                         - - -
  وما الإنسان في التطواف إلا           أسير للزمان فما يفك
                                       
ألا تذكرنا تلك الابيات بتأملات بيير بيزوخوف وقسطنطين ليفين حول مغزى الحياة.  ثمة وصف لاذع للعصر قدمه المعري بالبيتين التاليين:
  إذا كان لا يَحظى برزقك عاقل    وتَرزق مجنوناً وترزق أحمقاً
فلا ذنب يا رب السماء على امرىء    رأى منك ما لا يشتهى فتزندقا

                            
هناك شاعران يتصافحان عبر قرون. وحين نطالع ابيات من قصيدة  "ربابنة" بقلم نيقولاي غوميليوف:

                                  .. فيسحب مسدسه

نيقولاي غوميليف

حين يكتشف  التمرد
على متن السفينة

فتتساقط الزركشة الذهبية
من اكمام اشبه بالوردية


تخطر ببالنا ابيات اخرى نظمها  شاعر كغوميليوف المعجب بشعرالجاهلية وديوان الحماسة والمشبع بالروح الحماسية:
السيف  أصدق  أنباء  من  الكتب                     في حدهِ الحد  بين الجد واللعبِ

بيض الصفائحِ  لا  سود  الصحائف   ...            في متونِهن  جلاء  الشك  والريَب

والعِلم في  شهب الأرماحِ  لامعة       ...             بين الخميسَينِ  لا في  السبعةِ  الشهب

 ثمة سلسلة من القصائد عنوانها "ايحاءات فارسية" لسيرغي يسينين ومنها هذان البيتان:

سيرغي يسينين

غنيت: "خلف ضفة الفرات     تنمو ورود تشبه الحلوات"
 لو انني كنت من الذوات       لانشدت لي اعذب الغنوات

(ترجمة محمد الطيار)

ألا تشبه تلك الابيات الخلجات الوجدانية للعاشق الدمشقي الشهير نزار قباني:

أنا عنك ما أخبرتهم .. لكنهم

نزار قباني


                                   لمحوك تغتسلين في أحداقي
                                   أنا عنك ما كلمتهم .. لكنهم
                                  قرأوك في حبري وفي أوراقي
                                  للحب رائحة .. وليس بوسعها
                                  أن لا تفوح .. مزارع الدراق

وكان كل من سيرغي يسينين ونزار قباني قد عاشا وابدعا في القرن العشرين. ولكل منهما  مصير ونتاج شعري وابيات واوزان وقواف خاصة بهما. واشتهر كلاهما في بلديهما وقتها شهرة لا مثيل لها. وتغنى كلاهما بجمال واناقة نساء الشرق. وكانا محبين ومحبوبين.

اوسيب مانديلشتام

ثمة اوسيب مندلشتام  ومحمد الماغوط المعاصران الى حد ما. وعاش احدهما في النصف الاول للقرن العشرين بروسيا، وثانيهما - في الثلث الاخير منه بسورية. فلنصغ الى ابيات  كتبها مندلشتام:

نعيش دون ان نحس تحت اقدامنا بارض بلدنا
عن بعد عشر خطوات ليس الا لا نسمع  كلامنا
وتكفي اشارة خفيفة اليه بالتلميح
لكي نتذكرالجبلاوي من الكرملين.

ثم تأتي ابيات الماغوط:

ما ان أرى ورقةً رسميةً على عتبه


أو قبعةً من فرجة باب
حتى تصطكّ عظامي ودموعي ببعضها
ويفرّ دمي مذعوراً في كل اتجاه
كأن مفرزةً أبديةً من شرطة السلالات
تطارده من شريان إلى شريان.
عبثاً أستردُّ شجاعتي وبأسي
المأساة ليست هنا
في السوط أو المكتب أو صفارات الإنذار
إنها هناك
في المهد.. في الرَّحم
فأنا قطعاً
ما كنت مربوطاً إلى رحمي بحبل سرّه
بل بحبل مشنقة.

لا يفهم تلك الابيات غالبية الاوروبيين الذين نسوا ما معنى دولة استبدادية او  لا يبالون بها على اقل تقدير.  لكنها مفهومة كل الفهم للروس والسوريين الذين لا يزال
ختم الاستبداد يطبع عقولهم ، وهم يعصرون قطرة فقطرة  لكي يخرجوا العبد من نفوسهم على حد تعبير انطون تشيخوف.


بوريس باستيرناك

ثمة شاعران آخران لا يمكن الا ان يقارنا. وهما الروسي بوريس باستيرناك والسوري ادونيس.اذ  اولع كلاهما ايام الشباب بتجارب حول شكلانية الشعر ومعانيه الباطنية وتوصلا بعد النضوج  الى فهم شفافيته وينابيعه  الصافية. وقد وصف بوريس باستيرناك الشعربقوله:

         انه صفير حاد كنضوج الثمر
         انه فرقعة بين كسرتي جليد
         انه ليلة الصقيع التي تثلج ورقة الشجر
                                             انه عندليبان يتنافسان في التغريد


اما زميله من طائفة الشعراء ادونيس فيقول بهذا الشأن:
 
أجمل ما تكونُ أن تُخلخلَ المدى


والآخرون - بعضهم يظنّك النّداء
بعضهم يظنّك الصّدى
أجمل ما تكون أن تكون حجةً
للنور والظلامِ
يكون فيك آخر الكلامِ أول الكلامِ
والآخرون - بعضهم يرى إليك زبدًا
وبعضهم يرى إليك خالقًا.
أجمل ما تكون أن تكون هدفًا  –
مفترقًا
للصّمتِ والكلامِ

فيودور تيوتشسيف

حين نطالع سطورا متسائلة كتبها فيودور تيوتشيف بصوته المدوي في الصحراء واحتجاج روحه اليائسة

من اين أتى هذا الخلاف الشاملُ؟
لماذا تردد النفس غير ما يغنيه البحر
ويهمس به القصب المتأمل

ونسمع ابياتا متسائلة اخرى كتبها شاعر المهجر إيليا ابو ماضي في رائعته "طلاسم":

أنت يا بحر أسير آهِ ما أعظمَ أسرَكْ
أنت مثلي أيها الجبار لا تملكُ أمرَكْ
أشبهَتْ حالُك حالي وحكى عذريَ عذرَكْ
فمتى أنجو من الأسْرِ وتنجو؟
لست أدري..

هناك عملاقان كانا قد تنبآ بمستقبل بلديهما ولا يمكن الا ان يعانيا من  مآسيهما.
وهما الروسي الكسندر بلوك الذي كتب عن بلاده يقول:

معركة الى الابد! .. الراحة محض حلم
تلوح في الدخان والدماء
تطير مهرة السهوب .. تنطلق
تدوس بحوافرها الاعشاب
ولا نهاية! وتمرق الفراسخ ، الجروف ..
توقفي!
تمر ، تمر السحب المذعورة
                                   وافق المغيب مضرج بالدماء ،
                                    سيلا يتدفق من القلب!
                                   فـأجهش يا قلب بالنحيب ..

والشاعر العراقي بدرشاكر السياب الذي تنبأ بقصيدته الشهيرة "انشودة المطر" التي نظمها في خمسينات القرن الماضي تنبأ

بالمآسي المرعبة التي سيواجهها الشعب العراقي في مطلع القرن الحادي والعشرين:

أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
ويخزن البروق في السّهول والجبال
حتى إِذا ما فض عنها ختمها الرجال
لم تترك الرياح من ثمود
في الوادِ من أثر
أكاد أسمع النخيل يشرب المطر
وأسمع القرى تئن  والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع
عواصف الخليج  والرعود  منشدين :
مطر ...
مطر ...
مطر...

ايفان بونين

في الحقيقة هذه الاسئلة نفسها تعذب عقول وقلوب الشعراء مهما كانت المدارس التي ينتمون اليها والعصر الذي يعيشون فيه. ويكمن سبب ذلك في ان الشعراء الحقيقيين مهما كان موضوع ابداعهم وافكارهم  يدورون دوما في موضوع واحد وهو موضوع الحب والموت.
وكان ايفان بونين الشاعر الروسي العظيم والحائز على جائزة نوبل في الادب يقول عن نفسه:" انا رجل مثل اله محكوم علي ان اعرف احزان كل البلدان والازمنة". وبعد حجه الى الاماكن المقدسة  في فلسطين والشرق العربي تمكن من التوغل الى اعماق نفس العربي المسلم  حين كتب:

ما أكثر الممالك والحكامَ
وكننا نحب البساتينْ
ما أجمل المقاهي والحانات 
فعيننا قريرة بالميادينْ

والحق ان تلتمس الراحة بالصلاةُ
 فان خالقنا يحبُ المؤمنينْ
 سبحانه تعالى عز وجل
  لا يقبل من الكافرين بالزكاة
  واذا مدحوك فقلْ اللهُ اكبر
  وان حبسوك فردد الحمد لله
   ولا تكن كالحرباء
   تلبس لكل حالة لبوسها


ألا تعتبر هذه الابيات عزيزة على  قلب اي روسي.  الشاعر حين يكتب عن شعب آخر يقصد نفسه على اي حال بيد ان الشعر الحقيقي ما هو الا سيرة الشاعر ذاته.
امامنا شعران متباينان. واحدهما الشعر العربي الذي ابتدأ من هؤلاء الفرسان  والصعالكة الذين تغنوا في رومانسية بعيش البدو ونظموا روائع من المعلقات وغيرها. ومنهم امرؤ القيس وطرفة وعنترة والنابغة الذبياني وسواهم.  وشهد هذا الشعر ازدهارا لا مثيل له على يد كل من ابي نؤاس والمتنبي  وابي تمام  وابن الرومي وابناء عصر الخريف الذهبي  مثل ابن العربي وابن قزمان ثم زمان الانحطاط والتخلف الذي طال قرونا والنهضة مع جبران خليل جبران واحمد شوقي وبدر شاكر السياب وابي القاسم الشابي و محمود درويش وغيرهم.
هناك الشعر الروسي الذي انطلق مع ديرجافين وجوكوفسكي ثم شهد عصرا ذهبيا  مع ليرمنتوف  وتيوتشيف  ونكراسوف وفيت وعصرا فضيا مع كل من بلوك وبونين واخماتوفا  وفولوشين وتسفيتايفا وخليبنيكوف وعلى رأس الجميع بوشكين العظيم، وتمكن هذا الشعر من البقاء في زنزانات ستالين وتحت الدوش البارد للاشتراكية الواقعية وهو يواجه الآن ايضا اوقاتا بعيدة عن المثالية. فيبدو لاول وهلة انهما لا يربطهما ببعضهما رابط . – ولكن ، كلا ثمة شيء واحد يجمع بينهما وهو اقوى من اي تناقض مهما كان. وهو الحب والموت بصفة محركين لاي شاعر حقيقي ولاي شعر عظيم.


تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)
أفلام وثائقية