لافروف: يجب الابتعاد عن الاشكال والشعارات المبسطة بالنسبة لـعمليات "الربيع العربي"

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/606649/

القى سيرغي لافروف خطابا شاملا في مؤتمر ميونيخ الـ 49 بشأن مسائل الامن في العالم، تطرق فيه الى المناطق الساخنة في العالم ومن بينها الشرق الاوسط وشمال افريقيا والساحل الافريقي. وتساءل لافروف عن سبب استمرار هذه الاوضاع غير المستقرة في هذه المناطق.

هل يسمح دعم ومساندة الاحتجاجات المطالبة بتغيير الانظمة، بتبرير العمليات الارهابية؟ وهل يصح مقاتلة طرف في نزاع معين كنت تسانده في نزاع آخر؟ كيف يمكن ضمان عدم توجيه السلاح الذي اوردته الى منطقة النزاع نحوك؟

هذه الاسئلة طرحها سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا على المشاركين في مؤتمر ميونيخ الـ 49 بشأن مسائل الامن، خلال تطرقه الى الاوضاع في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

نص خطاب لافروف في مؤتمر ميونيخ:

لايمكن عدم ملاحظة الرمز في اختيار تاريخ لقاء هذا اليوم. فقبل 70 عاما انتهت اكثر المعارك الدموية والمصيرية في الحرب العالمية الثانية، انها معركة ستالينغراد، التي اودت بحياة الالاف الذين ضحوا بحياتهم ليس فقط دفاعا عن الوطن، بل ومن اجل احلال سلام شامل.

لقد كانت محصلة الجهود الدبلوماسية التي بذلت لمنع تكرار مأساة الحرب العالمية. هو تاسيس منظمة الامم المتحدة. ولكن بعد مدة من الزمن رسمت "الحرب الباردة" خطوط تقسيم اوروبا، مبعدة بذلك امكانية بناء منظومة دولية للامن على ضوء ما جاء في ميثاق الامم المتحدة .

ومع الاسف، حتى بعد زوال المجابهة بين الحلفين، لم يتم التوصل الى حل لهذه المسألة. لم تستغل الفرصة الفريدة، التي ظهرت بعد هدم جدار برلين، من اجل توحيد اوروبا على اساس مبدأ المساواة والامن المشترك.

اقول هذا وليس هدفي البحث عن المذنب في ذلك. ان نبش الماضي ليس من واجب الدبلوماسيين المحنكين. وكما قال الرئيس بوتين في خطابه امام الجمعية الفيدرالية(الروسية) في شهر ديسمبر/كانون الاول الماضي، ان روسيا تتطلع الى الامام فقط، نحو المستقبل. لذلك فاننا نرى في مشاركتنا في مؤتمر ميونيخ على انها قبل كل شيء من اجل اكتشاف المواقف المتقاربة بشأن بناء مجتمع آمن على اساس شراكة استراتيجية حقيقية. هذا بالذات ما طرحه قادة البلدان الاورواطلسية عام 2010 في قمة منظمة الامن والتعاون الاوروبي المنعقدة في مدينة استانا وكذلك في لقاء مجلس روسيا – الناتو في مدينة لشبونة.

طبعا، من الخطأ التاكيد على انه لم يعمل اي شيء من اجل التوصل الى هذا الهدف النبيل. لقد وقعت روسيا والولايات المتحدة الامريكية على معاهدة ستارت، ويتوسع التعاون في مكافحة الارهاب وانتشار المخدرات والقرصنة والتهديدات التي تاتي من افغانستان. واعلن رسميا التخلي عن مزاج "الحرب الباردة". كما اعلنت روسيا والدول الاعضاء في حلف شمال الاطلسي بانهما لا ينظران الواحد للاخر كاعداء.

ولكن عمليا، مازلنا بعيدين جدا عن أمن اورواطلسي جماعي حقيقي، يستند الى قواعد القانون الدولي. حيث يبقى السعي الى بناء العلاقات في اوروبا على اساس المسائل السياسية – العسكرية، وليس على اساس ما تتضمنه مبادئ منظمة معاهدة الامن والتعاون الاوروبي ومجلس روسيا – الناتو، بل يقترحون اعتبار الناتو حاميا للأمن دون بديل.

من الصعب تفسير هذا المدخل الضيق للحلف، على اساس تصورات موضوعية عقلانية، ان هذا المقترح بالكاد يمكن الاخذ به في رسم السياسة في العالم المعاصر. وبالاخير يجب علينا النظر الى مجمل العلاقات الاورواطلسية بصورة اعمق ومن مختلف الجوانب ومحاولة تحديد اين تكمن نقاط الالتقاء والاختلاف في مواقف اعضاء المجتمع الاورواطلسي، ومن بينها ما يخص النزاعات في انحاء اخرى من العالم، التي تؤثر على امننا جميعا.

يجب الابتعاد عن الاشكال والشعارات المبسطة بالنسبة لـعمليات "الربيع العربي"

اذا ما نظرنا الى المناطق التي تعيش حالة عدم الاستقرار- الشرق الاوسط، شمال افريقيا، منطقة الساحل الافريقي، يصعب التخلص من الشعور بفضاء مشوه. وتبرز اسئلة عديدة متعلقة بموقف الزملاء الغربيين، هل يسمح دعم ومساندة الاحتجاجات المطالبة بتغيير الانظمة، بتبرير العمليات الارهابية؟ وهل يصح مقاتلة طرف في نزاع معين كنت تسانده في نزاع آخر؟ كيف يمكن ضمان عدم توجيه السلاح الذي اوردته الى منطقة النزاع نحوك؟ اي حاكم نعتبره شرعيا، وأي منهم ليس شرعيا؟ متى يسمح بالتعاون مع الانظمة الشمولية (العلمانية وشبه العلمانية)، ومتى يسمح بمساندة اسقاطها بالقوة؟ وفي اي الحالات يمكن الاعتراف بقوة الذين وصلوا الى السلطة بنتيجة انتخابات ديمقراطية، وفي اي الحالات يجب قطع الاتصالات معهم؟ اي معايير ومواصفات تحدد هذه الامور؟

من المهم البحث عن اجابات مشتركة، حول هذه الاسئلة، خاصة وان الهدف النهائي للجهود المبذولة هو تسوية الازمات في البلدان الاورواطلسية التي نقاط الاتفاق فيها اكثر من نقاط الاختلاف. كلنا نريد ان يعم الاستقرار في بلدان الشرقين الاوسط والادنى وفي القارة الافريقية وغيرها من مناطق العالم وان تخلق ظروف ملائمة للتطور، لكي تتمكن شعوب بلدان هذه المناطق من التوجه نحو الديمقراطية والازدهار، لكي يكون توريد الصادرات المختلفة ومنها الطبيعية الحيوية الضرورية لنشاط الاقتصاد العالمي بصورة طبيعية.

اذا كانت هذه اهدافنا المشتركة، فانه يمكننا الاتفاق بشأن "قواعد" شفافة ومفهومة، يلتزم بها فعلا كافة اللاعبين الخارجيين في اعمالهم. الاتفاق بشأن دعمنا جميعا الاصلاحات الديمقراطية في الدول التي بدأت طريقها نحو التحولات، ولكن دون فرض مقاييس للقيم من الخارج والاعتراف بنماذج التطور المختلفة. الاتفاق على اننا سنعمل معا من اجل التسوية السلمية للنزاعات الداخلية للدول ووقف اعمال العنف من خلال خلق ظروف لحوار وطني شامل تشارك فيه كافة المجموعات السياسية. الاتفاق على اننا جميعا نمتنع عن التدخل الخارجي وخاصة استخدام القوة من دون تفويض واضح من مجلس الامن الدولي، وكذلك الامتناع عن فرض عقوبات اختيارية وتعسفية. الاتفاق بشأن وقوفنا المشترك بوجه التطرف والارهاب بجميع اشكاله ومظاهره دائما، المطالبة بضمان حقوق الاقليات الاثنية والطوائف. انا واثق، لو التزم كافة المشاركين في لقاء "مجموعة العمل" في جنيف في 30 يونيو/حزيران عام 2012 طوعا بتنفيذ المواد التي صيغت فيه، لما نشبت الحرب في سورية. ولكن من اجل ذلك، من الضروري تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل اليها بصدق، دون حذف او اضافة. بالذات لهذا الهدف اقترحنا منذ فترة عقد لقاء جديد لـ "مجموعة العمل".

عموما كان يجب الابتعاد عن الاشكال والشعارات المبسطة بالنسبة لعمليات "الربيع العربي"، وتقييم اوضاع وسيناريوهات تطورها من موقع المسؤولية. واذكر هنا المقال المنشور في صحيفة " فرانكفورت ألجماينه تسايتونج".

اذا كنا مهتمين بالعمل المشترك للصالح العام، فعلينا نزع "النظارات الايديولوجية". ورؤية العالم كما هو عليه. كما يجب الاعتراف بان العمليات العسكرية تؤدي الى انتشار الفوضى ويمكنها ان تولد موجات من عدم الاستقرار، التي سيكون من الصعب تجنبها على أي من "جزر الامان".

يستمر تسارع الاحداث التاريخية، وهناك في المستقبل عدد غير قليل من التشعبات، التي علينا من جديد الاختيار بين الاهداف الجيوسياسية احادية الجانب وبين الشراكة، بين العاب محصلتها صفر وبين بذل جهود متضامنة للبحث عن اجابات للتحديات المعاصرة.

ان الكثير من هذه التشعبات موجود حاليا. الحديث يدور عن مستقبل منظمة الامن والتعاون الاوروبي، التي تتعمق الخلافات بين اعضائها بسبب محاولات البعض منهم فرض معاييره الخاصة، مما يزيد من تفاقم ازمتها الداخلية. من الضروري طرح مشاريع توحد الفضاء الاوروبي، وتساعد في التوصل الى اتفاق جماعي حول المسائل الاساسية المتعلقة بالامن. ولا زالت "نافذة الامل" مفتوحة. ففي ديسمبر/كانون الاول الماضي توصل مجلس وزراء خارجية الدول الاعضاء في المنظمة في دبلن الى خارطة طريق حول انطلاق فعالية "هلسنكي + 40 ". آمل بانه بحلول عام 2015 سنكون قد صغنا جدول عمل عام، لا يتضمن اتهامات متبادلة، بل يتضمن الاصرار على التركيز على تسوية المهام الاستراتيجية المشتركة على اساس تطبيق مبدأ عدم تجزئة الامن.

روسيا والناتو

لقد اصبحت مشكلة منظومة الدرع الصاروخية اختبارا مهما لمدى تطابق الواقع مع مضمون المعاهدات الموقعة  حول الامن. فنحن نجازف بفقدان فرصة حقيقية لبناء فضاء اورواطلسي موحد. من اجل هذا تقترح روسيا طريقا سهلا وبناء – وهو الموافقة على اعطاء ضمانات اكيدة بعدم توجيه عناصر منظومة الدرع الصاروخية الامريكية ضد البلدان الاعضاء في منظمة معاهدة الامن والتعاون الاوروبي، وصياغة المواصفات العسكرية – الفنية بحيث تسمح بتقييم مدى مطابقة المنظومة للاهداف المعلنة، وهي مواجهة خطر الصواريخ المنطلقة من خارج حدود المنطقة الاورواطلسية.

كما انه من المهم ايضا تحديد مهمة حلف شمال الاطلسي بصورة واضحة في ظل الظروف الجديدة. ان التقدم نحو شراكة حقيقية بين روسيا وحلف شمال الاطلسي، لا يزال يتعثر بسبب محاولات التشبث بشعار قديم حول الخطر الروسي، واستخدامه في التخطيط العسكري. حيث انه يلاحظ حتى خلال نقص الموارد المالية، ازدياد النشاط العسكري في وسط وشمال اوروبا، كما لو ان الامن مهدد. كما يستمر العمل على مشاريع توسيع الحلف وتقدمه نحو الشرق، كما لو انه لم تكن هناك تصريحات لمسؤولين من اعلى المستويات حول ضرر المحافظة على خطوط تقسيم القارة.

لقد آن الاوان للاختيار بين السياسة الصادقة المستندة الى علو القانون الدولي ومبادئ المساواة وبين محاولات التدخل في الشؤون الداخلية للغير. أو محاولة تقسيم المشاريع التكاملية الى "جيدة" و"سيئة" و"تخصنا" و"غريبة".

حاليا يناقش الناتو عقيدة "الدفاع العاقل". اترك جانبا مسألة من جهة انهم يريدون ان يدافعوا عن نفسهم. لان الاهم، هو ادراك الحاجة الموضوعية لسياسة خارجية "عاقلة"، موجهة بصورة عالية نحو الاستخدام الفعال للامكانيات المتاحة للعمل المشترك، بدلا من غض النظر عنها. لقد تمكنت الاقتصادات الرائدة في العالم ضمن اطار "مجموعة العشرين" من بذل جهود تضامنية من اجل اجتياز الازمة المالية – الاقتصادية العالمية، فلماذا لا يعمل بنفس الاسلوب في مجال السياسة؟ لقد اصبحت روسيا في العام الماضي عضوا كاملا في منظمة التجارة العالمية، التي اسست لمكافحة سياسة الحماية في العلاقات التجارية – الاقتصادية. ولكن ماذا يعني التفكير الكلي اذا لم تكن الحماية في مجال السياسة – العسكرية؟ واذا لم يكن الامر كذلك، فانه يتعارض تماما مع متطلبات القرن الواحد والعشرين التي تفرض ضرورة تشكيل نظم امنية متساوية للجميع.

يتضمن مقترحنا حول كيفية جعل مبدأ عدم تجزئة الامن المعلن في الكثير من الوثائق السياسية لمنظمة معاهدة الامن والتعاون الاوروبي ومجلس روسيا – الناتو، جعله ملزما قانونيا ويطبق عمليا، وهو لا يزال مطروحا على الطاولة. ان تدوين ما اتفق عليه من التزامات على اعلى المستويات السياسية، بعدم تعزيز الامن على حساب امن الغير، يمكن من تحسين المناخ السياسي – العسكري في المنطقة الاورواطلسية، ويساعد في تقريب كافة الدول وتحقيق الاهداف الاستراتيجية في تأسيس فضاء اقتصادي وانساني موحد من المحيط الاطلسي الى المحيط الهادئ .

ان السعي الى صياغة مواقف موحدة لضمان المساواة في المنطقة الاورواطلسية ، يظهر بوضوح ليس فقط لدى السياسيين العقلانيين، بل وعلى مستوى المجتمع المدني. اننا نرحب بموافقة منظمة معاهدة الامن والتعاون الاوروبي على العمل المشترك للمراكز السياسية في المانيا وبولندا وروسيا وفرنسا، لاعداد مسودة توصيات بشأن مشاكل الامن الاوروبي.

ليس هناك ادنى شك باننا نعيش مرحلة تحول تاريخية. وهذا يعني ان الامر يتطلب مبادرات حاسمة وكبيرة. وحان الوقت للاعفاء المتبادل للديون التاريخية وتبادل قروض " مكافحة الازمة" – قروض الثقة والشراكة. لقد اشار الرئيس اوباما في خطابه الذي القاه خلال مراسم تنصيبه، بان الولايات المتحدة تسعى الى تسوية خلافاتها مع الدول الاخرى بالطرق السلمية – ليس نتيجة للسذاجة، بل لان العمل المشترك هو الوسيلة الاكثر ضمانا لازالة الشكوك بالخوف. بالذات مثل هذا الموقف المسؤول والمبني على الاحترام التام لمبادئ القانون الدولي، تستخدمه روسيا على طول الخط في سياستها الخارجية. ونأمل ان تبادلونا الشيء نفسه.

ويمكنكم مشاهدة خطاب لافروف في المؤتمر:

هذا الفيديو مقدم من قبل وكالة RUPTLY

الأزمة اليمنية