السيدة كلينتون الفاشلة ومنطق مكافحة الإرهاب برعاية الإرهاب

أخبار العالم العربي

السيدة كلينتون الفاشلة ومنطق مكافحة الإرهاب برعاية الإرهاب
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/606440/

وأخيرا اعترفت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون مؤخرا أن جميع الأسلحة التي تستخدمها التنظيمات والمجموعات الإرهابية في سورية هي جزء من الأسلحة التي خرجت من ليبيا بعد مقتل القذافي. ويمكن أن نزيد من الشعر بيتا لكلام أفشل وزيرة خارجية في تاريخ الولايات المتحدة.

وأخيرا اعترفت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون مؤخرا أن جميع الأسلحة التي تستخدمها التنظيمات والمجموعات الإرهابية في سورية هي جزء من الأسلحة التي خرجت من ليبيا بعد مقتل القذافي. ويمكن أن نزيد من الشعر بيتا لكلام أفشل وزيرة خارجية في تاريخ الولايات المتحدة. إذ أن كلامها هذا جاء متأخرا لعامين تقريبا، حيث إننا قلنا هذا الكلام في بنغازي بمطلع شهر مارس 2011، ثم كررناه بعد مقتل القذافي بأسبوع واحد فقط عندما تحدثنا عن توجه الولايات المتحدة والتحالف الأورو أطلسي لأفغنة شمال أفريقيا والمنطقة العربية. ومرة أخرى نؤكد على أن المقصود بالأفغنة هو إشاعة النسق الأفغاني في مناطق ومجتمعات أخرى. علما بأن ما يجري في باكستان واليمن والعراق وليبيا هو شكل من أشكال ذلك النسق. وقد تلحق سورية بهذا الركب في حال وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة، أو فرض عليها الأمريكيون تجربة مشابهة لتجربة ليبيا حيث جرت انتخابات شكلية صفق لها الأمريكيون والأوروبيون لأنها حملت "الليبراليين" إلى السلطة، بينما الجماعات والتنظيمات الإرهابية واليمينية الدينية الفاشية تعيث فسادا في جميع أرجاء ليبيا وترسل بالسلاح إلى جميع دول المنطقة تمهيدا للكارثة الأكبر التي مررتها، وتواصل تمريرها، أجهزة الاستخبارات الأمريكية والأوروبية وقوات حلف الناتو، وشاركت فيها الأمم المتحدة تحت ضغوط أمريكية وأوروبية. 

إن دول هذا النسق يمكن أن نطلق عليها أيضا "الدول الفاشلة" بصرف النظر عما إذا كانت تمتلك أسلحة نووية (مثل باكستان) أو نفط وغاز (مثل العراق وليبيا). فالفشل هنا متعلق بالدرجة ألأولى بمنظومة الحريات (وليس إطلاقا شفافية الانتخابات ونزاهتها وديقراطيتها) ومنظومة العلاقات الاجتماعية بمعناها العلمي الواسع. 

إن أفشل وزيرة خارجية أمريكية لم تتوان أيضا عن ترك "روشتتها" العرجاء ونصائحها الخرقاء للمنطقة قبل غروب الشمس عنها. فقد أعربت في حديث لشبكة "سي إن إن" عن أملها في ألا يؤدي ما يحدث في مصر إلى تفككها وانهيارها، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى فوضى وعنف عارمين على نطاق مدمر لها وللمنطقة! إن السيدة كلينتون تتحدث بأكثر من لسان وتخلط الأوراق إما عن جهل بما جرى ويجري في مصر وغيرها من الدول، وإما عن علم بتفاصيل مشوهة وعدم إمكانية واشنطن على التراجع عن خططها اللعينة للمنطقة تحت مسميات عدة، من بينها الحرية والديمقراتطية وحقوق الإنسان في ظل ما تسميه بـ "الإسلام الديمقراطي الجديد".

لقد قالت كلينتون "إن الحكومة الجديدة ينبغي أن تتفهم وتأخذ على محمل الجد التطلعات التي عبر عنها الشعب المصري أثناء الثورة.. وإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال حقيقة أن هناك عددًا كبيرًا من المصريين ليسوا راضين عن الاتجاه الذى يسير إليه الاقتصاد والإصلاح السياسي. وأوضحت أن هذه ليست مهمة سهلة، وأنه من الصعب جدا الانتقال من نظام مغلق ويعتمد على رجل واحد إلى ديمقراطية تولد وتحاول أن تتعلم كيف تحبو، مشيرة إلى أن هناك بعض الدروس الواضحة، وهي ضرورة تمثيل جميع الأطياف بما يجعل الناس تصدق ذلك، وأن تتحقق سيادة القانون التي تطبق على الجميع وليس فقط على بعض الناس، وأن يكون هناك دستور يحترم ويعترف بحقوق كل الناس ولا يعمل بأي حال من الأحوال على تهميش أي فريق". 

وأكملت كلينتون حديثها المثير للسخرية والإشفاق لشبكة "فوكس نيوز"، مؤكدة أن الرئيس محمد مرسي لديه الكثير من "النوايا الصحيحة"، وهو ما تأكد من خلال مباحثاتها معه وتقارير عن العديد من الاجتماعات التي تمت بينه وبين مسئولين أمريكيين آخرين ومع وفد الكونجرس الأخير. وأوضحت أن كل ذلك يعطي الانطباع بأن الرئيس مرسي والفريق الذى يعمل من حوله يحاول التعامل مع قضايا الاقتصاد والاستثمار والتجارة والسياحية والإصلاحات السياسية الضرورية. إلا أنها اعتبرت أن إقدام الرئيس على الاحتفاظ بالكثير من السلطات في يده وإعادة أحكام قانون الطوارئ التي كانت سمة من السمات المميزة لنظام مبارك، يمثلان بعض القلق، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة من جانبها لديها موازناتها، كما أن الشعب المصري لديه ما يمكن أن يقوم به فيما يتعلق بما سيؤدي إليه ذلك. وأوضحت أن المسؤولين الأمريكيين يجرون مناقشات مكثفة مع نظرائهم المصريين بما في ذلك الرئيس مرسي، وشددت على أن أولويات الولايات المتحدة تشمل وقف التطرف في مصر، ووقف الأسلحة القادمة عبر حدودها، واستعادة الأمن والنظام في سيناء، مشيرة إلى أن ذلك يصب في مصلحة مصر وإسرائيل أيضًا. وأضافت أن "واشنطن بحاجة لمحاولة وقف هجمات حركة حماس المستمرة على إسرائيل"، مشيرة إلى أن "هذه الهجمات قد تضر بمصر أيضا على المدى الطويل لأن زمام حماس قد يفلت ولا يمكن السيطرة عليها". كما نوهت بأن هناك قائمة طويلة من القضايا المهمة التي تبحثها الولايات المتحدة مع مصر، ومن أهمها حدودها مع ليبيا والسودان. وقالت إن هناك حدودا طويلة بين مصر والسودان، وأن عدم تأمين الحدود يمثل أحد أكبر المشاكل التي تواجهها مصر، ومن بينها تهريب الأسلحة عبر حدودها إلى قطاع غزة، ومن بينها الأسلحة التي يتم تمريرها عبر الحدود مع السودان. 

لقد تحدثنا منذ عامين عن رغبة واشنطن في فرض سيناريو متحرك ومرن للمنطقة قوامه المجئ بتيارات الإسلام السياسي إلى الحكم. وأن ذلك من شأنه وضع المنطقة على طريق الأفغنة لأسباب كثيرة ذكرناها في وقتها وفي مقالات ودراسات عديدة، أهمها أن الولايات المتحدة والمحور الأورو أطلسي سوف يجدان الذرائع للتدخل في شؤون المنطقة بشكل عسكري مباشر وبقوة السلاح. وها هي الأمور تتوالى تباعا تحت حجة مكافحة الإرهاب، أو وجود مخاطر على شعوب المنطقة، أو الإضرار بالمصالح الأمريكية والأوروبية والاعتداء على مواطنيها. 

في كلمتها، يوم الثلاثاء 29 يناير 2013، بمناسبة مغادرتها وزارة الخارجية وتعيين جون كيري بدلا عنها، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون "إن العنف ليس أمامه فرصة للتوسع خارج منطقة شمال أفريقيا".. و"هناك تحالف دولي لدعم شعب مالي، والوقوف إلى جانب الحكومة الجزائرية والعمل مع الحكومة الليبية، حتى يتمكنوا من الحصول على الأدوات التي يحتاجونها لمكافحة تهديد التطرف". وقالت أيضا: "إن العنف والتطرف في شمال أفريقيا أصبحا يشكلان تهديدا لشعوب المنطقة".. و"إن هذا لم يكن هدف الثورات العربية".

لقد تحدثنا في حينه عن أن مشاركة الولايات المتحدة والدول الأوروبية في نقل الإرهابيين من أفغانستان والعراق وكوسوفو إلى دول شمال أفريقيا، ودعمهم بالسلاح وفي المحافل الدولية سوف يؤسس للوضع القائم حاليا. وحذرنا من أن دعم واشنطن وعواصم أوروبا العتيقة لأنظمة يمينية دينية متطرفة سيجر المنطقة إلى حروب أهلية وطائفية وعمليات قتل على الهوية وسيسفر عن دول فاشلة بكل المعايير مهما أجريت من انتخابات شكلية "حرة" تتميز "بالشفافية والديمقراطية". 

الآن وبعد مقتل السفير الأمريكي ومرافقيه في بنغازي، والإضرار بالمصالح الفرنسية في مالي، وظهور مخاطر حقيقية على المصالح الاقتصادية الغربية في المنطقة، اكتشف الأمريكيون والأوروبيون أن التيارات اليمينية الدينية المتطرفة لم تكن على هذا القدر من القوة التي تمكنها من الدفاع عن مصالح الحلفاء الذين جاؤا بها إلى السلطة. ولكن المارد قد خرج من القمقم ولا أحد يستطيع إعادته مرة أخرى. ولأن الأمريكيين والأوروبيين براجماتيون، والحرب ليست على أراضيهم، فهم مطالبون الآن بإكمال الطريق حتى ولو قتل نصف سكان المنطقة. فهل دول شمال أفريقيا والمنطقة العربية أفضل من أفغانستان وباكستان؟ وهل التدخلات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية والأوروأطلسية في باكستان وأفغانستان وكوسوفو دفعت بهذه الدول إلى الأمام ووضعتها على طريق المدنية والتحضر والحداثة؟ وماذا حدث في العراق وليبيا والصومال والسودان واليمن؟ وماذا يمكن أن يحدث في سورية ومصر وتونس والجزائر؟ 

هذا الكلام لا يعني إطلاقا أن تتخلى الشعوب عن تقرير مصيرها والحصول على حرياتها وحقوقها الطبيعية، وأن تقوم باحتجاجاتها وثوراتها ضد الاستبداد والرجعية والتخلف والإطاحة بأي نظام لا يلبي لها حاجاتها الإنسانية والاجتماعية ويعرض البلاد للمخاطر والأضرار اقتصاديا وأمنيا وجيوسياسيا. ولكن تدخل الولايات المتحدة والمحور الأورو أطلسي في حركة التاريخ وفي جوهر عمليات التحولات التاريخية في شمال أفريقيا والمنطقة العربية أفسد، بل ودمر العديد من جوانب وأوجه هذا التحول. وأصبحت تلك التحولات التي قامت بها الشعوب مجرد إجراءات شكلية سقطت في أيدي التيارات اليمينية الدينية الفاشية بمساعدة ودعم مباشرين من جانب بعض القوى الإقليمية المتخلفة والقوى الدولية التي تتعامل مع المنطقة كمتغير صغير في معادلاتها السياسية والاقتصادية والجيوسياسية والجيواقتصادية الكبرى. 

الآن، تحولت المنطقة إلى جيوب للإرهاب! وأصبحت تشكل خطرا على حياة المواطنين الأمريكيين والأوروبيين، وتهديدا للمصالح الاقتصادية والسياسية والمالية الدولية الكبرى العابرة للقارات! وهذا تحديدا ما حذرنا منه منذ عامين. ولكن كل ما يدور في المنطقة من قتل وحرق وتدمير وحروب أهلية وطائفية وإراقة دماء لا يهم لا الولايات المتحدة ولا أوروبا إلا بقدر تحقيق مصالحها المباشرة وغير المباشرة. 

لا أحد يستطيع الآن إيقاف السيناريوهات الأمريكية والأورو أطلسية المتحركة والمرنة. لقد خرج المارد من القمقم طالما الأنظمة اليمينية الدينية المتطرفة والأخرى الاستبدادية موجودة في السلطة في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وهي كلها أنظمة لها امتدادات أمريكية وأوروبية وتتلقى الدعم من هناك، بل وجاءت إلى السلطة برعاية أمريكية – أوروبية. 

لا شك أن الأمريكيين والأوروبيين يفسرون حركة شعوب المنطقة الآن بأنها ضد مصالحهم ومصالح حلفائهم الإسلاميين. وبالتالي قد نفاجأ بسيناريوهات جديدة وأشكال أخرى من الأنساق لا لتعديل الأوضاع، بل لإكمال الطريق وترك هذه الدول فيما بعد على نفس الوضع الذي توجد عليه أفغانستان وباكستان وكوسوفو.. وها نحن نرى العراق وليبيا واليمن ومالي والصومال. وقد تكون سورية ومصر على الطريق!

هنا يمكن أن نعيد ونكرر أن مصطلح "الربيع العربي" سيئ السمعة والصيت في آن واحد، ليس السبب في وضع المنطقة على برميل من بارود الحروب الأهلية والطائفية وتحويل دول المنطقة إلى دول فاشلة. إن الهبات والاحتجاجات والثورات الشعبية التي قامت في المنطقة، قامت لأسباب موضوعية وتاريخية هامة. ولكن ارتباط الأنظمة السابقة بالمحاور والتحالفات الأمريكية والأوروأطلسية ساهم في تشويهها. وكذلك ارتباط الأنظمة اليمينية الدينية المتطرفة التي جاءت إلى السلطة بمساعدة الأمريكيين والأوروبيين يساهم أيضا في إفساد هذه التحولات التاريخية الهامة.

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في "منتدى روسيا اليوم" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم"

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم

الأزمة اليمنية