احاديث مع الرئيس المنتخب دميتري مدفيديف

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/13144/

يصدر عن دار النشر " امفورا " في بطرسبورج كتاب حول الرئيس المنتخب الروسي دميتري مدفيديف يتضمن احاديثه مع الصحفي الروسي المعروف نيكولاي سفانيدزه حول اصدقائه ومعارفه القدامى بالاضافة الى نص المؤلف الذي كتب بالاشتراك مع مارينا سفانيدزه.

يصدر عن دار النشر "امفورا" في سانت بطرسبورغ كتاب حول الرئيس المنتخب الروسي دميتري مدفيديف يتضمن احاديثه مع الصحفي الروسي المعروف  نيكولاي سفانيدزه حول اصدقائه ومعارفه القدامى، بالاضافة الى نص المؤلف الذي كتب بالاشتراك مع مارينا سفانيدزه. ونقدم ادناه بعض فصول الكتاب.

يعرف الجميع منطقة روبليوفكا في طريق روبليوفو - اوسبينسكويه بضواحي موسكو، علما انها لا يمكن ان تعتبر ظاهرة روسية بحتة في التاريخ الروسي الحديث. وتجمع روبليوفكا شأنها شأن كثير من المناطق الاخرى توليفة من الماضي القديم المنسي تماما اي ما قبل الثورة، ومن الماضي غير المنسي ابدا اي العهد السوفيتي. وجدير بالذكر ان الجانب السوفيتي في روبيلوفكا هو اكثر بالرغم من  السمات الظاهرية  له التي تجذب الانظار.

لقد كانت روبليوفكا قبل عام 1917 وحتى في الفترة الاولى بعده منطقة للعزب الريفية.  وكان يستجم هناك بالذات في بارفيخا في عام  1922   الفيلسوف الروسي  المعروف بيردياييف.  ومن هناك تم استدعاؤه الى موسكو وابعد من روسيا فيما يسمى " باخرة الفلاسفة"  التى ابعدت من البلاد قسرا خير مثقفيها الى المنافي.  وفي هذه الفترة كانت مركز الجذب السياسي في ضواحي موسكو ضيعة غوركي التي كانت سابقا من ممتلكات رجل الاعمال الثري سافا موروزوف، ثم سكن لينين فيها.  وحين توفي لينين بدأ ستالين بالاقامة في روبليوفكا.

وكانت عزبة ستالين الاولى في روبليوفكا ايضا. ويبدو ان الاختيار وقع على اول عزبة لستالين هناك بالذات انطلاقا من وجود سياج متين فيها. والسياج المتصل الذي يحيط بالعزبة قد بني من الطوب الاحمر ويشبه لحد كبير سور الكرملين. وكان يمتلك اول عزبة لستالين سابقا رجل صناعة النفط  الكبير زوبالوف.  وعموما أعجبت البرجوازية الروسية  منذ مطلع القرن  بهذه الضاحية الجميلة في اطراف موسكو. ويعزى ذلك لحد كبير الى قربها ولتوفر الامكانية فيها لمنافسة اسر النبلاء العريقة التي تمتلك الضياع بالقرب من المكان.  ففي مكان قريب جدا ، في ارخانجلسكويه ، كانت توجد ضيعة اسرة يوسوبوف اصحاب اولى الممتلكات بروسيا، والى جانبها ضيعة اسرة غاليتسين، بينما كانت توجد في الجانب الآخر للنهر عزبة  الامير المعظم  سيرغي الكسندروفيتش احد افراد  الاسرة القيصرية.  وقد اغتيل سيرغي الكسندروفيتش  في عام 1905 . وفي عام 1918 اقام ليف تروتسكي  في قصر اسرة يوسوبوف، بينما اقام ستالين  في زوبالوفو.  وسكن  في روبليوفكا  كل من مولوتوف ومالينكوف وبيريا وخروشوف . وبعد ذلك انتقل ستالين من هناك الى عزبة قريبة جديدة. وحصل على عزب في روبيلوفكا ايضا الاشخاص الذين شاركوا في صنع القنبلة الذرية. وبعد الحرب شيد مبنى آخر بالقرب من عزبة ستالين الاولى  وراء سياج عال. علما انها تعتبر غير مميزة للعزب الحكومية وبنيت من الخشب لوحدها من بين جميع العزب الاخرى.  وقد شيد مبنى العزبة في عام 1947  لكنه يشبه من حيث الطراز عزب ما قبل الثورة في بلدتي تيريوكي وكووكالا بضواحي بطرسبورغ.  وكان الكاتب كورني تشوكوفسكي  قد استأجر بيتا مماثلا في عام 1908 في  كووكالا . وعاش هناك لينين ايضا في عام 1906 كما يظهر في الصور الفوتوغرافية في بيت اطلقت عليه تسمية " فيللا فازا". وعاش لينين هناك حتى سفره الى المهجر. ولا يعرف بعد سبب اختيار هذا البيت غير الجذاب الفنلندي الطراز . ولكن في عام 1964 اعتبر هذا المبنى مناسبا للسكن. وعاش فيه خروشوف بعد اقالته. وفي عام 1967 انتقل خروشوف للأقامة  باتجاه روبليوفكا، بينما حظي المبنى المذكور بأعجاب اندروبوف. وفي عام 2003 انتقل للأقامة في هذا المبنى دميتري مدفيديف رئيس ديوان الرئاسة الروسية. ويقول مدفيديف انه لا يهتم البتة بأشباح الماضي.

مقتطفات من الحديث:

- ماذا يعني بالنسبة لك مصطلح روسيا العظمى أم تفضل استخدام المصطلحات الأخرى؟
- أنا لا أميل إلى استخدام المصطلحات الحماسية. اعتقد أنه يجب على الموظف الذي يشغل منصبا دستوريا أن يبتعد عن استخدام  مثل هذه المصطلحات ويهتم بتنفيذ واجباته. ولكن لدي رأيي الخاص بالنسبة لهذا الموضوع. لا شك أن روسيا هي دولة عظمى.
أولا هي عظمى من حيث تاريخها وأراضيها. فلا يمكننا إطلاق تسمية دولة عظمى على بلد تأسس منذ عشر سنوات ولا تتجاوز مساحته ألف كيلومتر مربع. ولكن البلد الذي له تاريخ يزيد على ألف سنة ويحتل سدس اليابسة يعتبر عظيما بالمعنى المباشر والضمني لهذه الكلمة. وثانيا لا يجوز أن يتملك الإنسان الشعور  بالعظمة. بل من الضروري أن نفهم العالم المعقد الذي نعيش فيه إضافة لفهم تكوين روسيا. فروسيا دولة كبيرة من حيث أراضيها وعدد سكانها والحكم فيها دائما يكون أصعب من قيادة دولة أخرى حتى في حال استعمال التكنولوجيات الحديثة. فبالرغم من وجود وسائل الاتصالات الرقمية ومجال الاتصالات العالمية يتوجب علينا أحيانا  اتخاذ عدد من القرارات بالاستعانة بوسائل أخرى مثل  المركبات والطائرات لنتمكن من اجتياز مسافات كبيرة. وهذا يعكس أهمية البنية التحتية والمرافق في بلادنا.
أنا كمواطن روسي أحب بلدي وأحب تاريخه وأحب ذاك العالم الروحاني المتصل بحياتنا. ولكن ذلك شيء خصوصي. أظن أن هذا يجب أن يكون داخل الإنسان. على المواطن أن يحب بلاده ومن المستحيل أن تعيش في بلادك دون أن تحبها. ولكن لا يجب التباهي كثيرا في حب الوطن لأن ذلك قد  يعطى فكرة مغايرة وتظهر مشاعر عدم النزاهة.

- ما هو في اعتقادكم الديمقراطية، ما هو هذا الشيئ؟ وخاصة الديمقراطية الروسية والخبرة العالمية المتنوعة في هذا الصدد، وعموما هل هناك حاجة الى ديمقراطية روسية خاصة؟
- ديمقراطية روسية خاصة ... يتلخص جوهر الموضوع في طريقة تفهمه انني اعتقدت ولا ازال ان الديمقراطية الموجودة لدينا لا تزال فتية جداً، هذا اولاً، وتظهر محاولات تصوير هذا الواقع على عكس ذلك محاولات غير جدية على الاقل. تجري عملية تطوير الديمقراطية في بلادنا بناء على قوانين خاصة، سنتمكن من تقييم النتائج بعد مرور 30 الى 50 عاماً كما يكون  عليه الامر عادة في التاريخ.
ثانيا، تعتبر الديمقراطية قيمة عامة للجميع في كافة الحالات بلا شك انها تمثل نظام قيادة الدولة الذي بني على اساس تمثيل المصالح على اساس نموذج معين لتصرف السلطات حينما يتوجب على السلطة ان تخضع لاوامر الشعب المعبر عنها بشكل او بآخر. وفي نفس الوقت تتصف كل ديمقراطية بطابعها التاريخي والقومي المطلق ومن المحتمل ان تكون العلاقة بين الطابع العام لاشكال الديمقراطية ومركباتها التاريخية القومية امراً اكثر تعقيداً وبرأيي يكون تفضيل احدهما على الثاني امراً خطراً. لا يعجبني الواقع عندما يقول البعض انه توجد هناك مجموعة من القيم الديمقراطية الديماغوجية التي علينا متابعتها واذا ابتعدنا عنها في مكان ما خطوة واحدة لاصبحنا مارقين مرتدين، نعمل اشياء غير صحيحة وسنحاسب عليها، لكن هذا كله لا يعجبني.
كما لا يعجبني شيء آخر حينما يقولون ان درجة الطبيعة المنفردة لروسيا وتاريخها كبيرة لدرجة انها تبطل مفعول كافة القيم العامة وكافة الاشكال العامة لقيادة الدولة وكافة اشكال تنظيم المجتمع المتحضر حيث لا يبقى علينا غير مجرد السير في اتجاه طابعنا الانفرادي ويتهيأ لي ان هذا تحايل لانني ارى في كلتا حالتين رغبة البعض في تسوية مصالحهم الخاصة او معالجة مهام جيوسياسية وذلك عندما يمثل هؤلاء دولاً اجنبية او مهام داخلية وذلك عندما يتحدث رجال السياسة الذين ربيناهم في ارض وطننا يتحدثون ان روسيا غير جاهزة لأشاعة  الديمقراطية فيها. انني تذكرت اكثر من مرة انني لا اعتبر ربط صفات اضافية بموصوف "الديمقراطية" شيئاً مقنعاً. يتهيأ لي ان مثل هذا حكم يفرغ مغزى الموقف حتى في حالة التفهم المطلق لأمكانية تطبيق الديمقراطية في دولة ذات سيادة مطلقة فقط دولةلها دستورها والسلطة الداخلية العليا والمنهج السياسي المستقل فيها.

- الملكية الخاصة انها مفهوم خاص، ولا يمكن القول انه تأصل في بلادنا حتى الآن بنجاح. ما موقفك من ذلك؟
- نعم هذا الموضوع مهم جداً. اننا بطلنا ان نتحدث حوله مؤخراً من المحتمل انه يوجد داع لإثارة مناقشة اجتماعية في هذا الموضوع.
ان قصة الملكية الخاصة في روسيا قصة مستقلة، لئن كان عمر الديمقراطية في البلاد 20 سنة فأن  عمر الملكية الخاصة فيها يبلغ عدة قرون . انظروا، لقد ظهر الاقتصاد المبني على اساس النمط الرأسمالي في بلادنا منذ وقت طويل نسبياً. كما من المعروف زمن ظهور الملكية الخاصة وسبق هذا الاخير الزمن الاول بصورة ملحوظة. ولكن لم تكن هناك الديمقراطية وهما امران متتاليان كقاعدة، بهذه الطريقة على كل حال تطورت البلدان الاوروبية حيث ظهر نظام متطور للملكية الخاصة وآليات متطورة من اساسيات الديمقراطية في كثير من الدول الاوروبية منذ اواخر القرن التاسع عشر. اما في بلادنا فقد تطورت الملكية الخاصة في ظروف انعدام الديمقراطية وذلك بسبب السلطة القيصرية. ثم انقرضت (توفيت) الملكية الخاصة والديمقراطية معا حيث تم دعس العملية كلها. فلم يصل تفهم قيمة الملكية الخاصة في بلادنا الى ذلك المستوى الخاص بدولة متطورة ومجتمع متطور. ولذلك لحد الآن يعتبر الكثير من الناس في بلادنا الملكية الخاصة مفهوماً مرادفاً للاحتيال والحياة الصعبة واستغلال الانسان للانسان ومن الغريب انه تميز هذه الافكار ليس فقط الجيل القديم بل والجيل المتوسط العمر على حد سواء. ولا يعود ذلك الى عجزهم عن تحقيق نجاحهم بصورة كاملة في التسعينات فحسب بل والى انعدام الملكية الخاصة وقتئذ بصورة عامة، حيث عاش البشر آنذاك محصورين في اوهامهم ان كل ملكية تنشأ من قبل الدولة كما تنظم بها ولا بد ان تكون ملكها وكما معروف تترسخ الملكية على امكانية فصل ما املكه انا عما تملكه حضرتك ومن حيث طبيعتها لا يمكن ان تكون الملكية الا ملكية خاصة.

مدفيديف في فترة طفولته

- ان الدولة ملكية خاصة للبيروقراطية على حد تعبير ماركس؟
- أقصد أشياء أعمق. تعتبر الملكية من حيث طبيعتها الحقوقية صنفا خاصا. لإنها تحدد أملاك شخصيات مختلفة سواء كان دولة أم شركات أم مواطنين.
وللأهداف الحقوقية تعتبر حتى ملكية الدولة بالنسبة لفرد أو لشركة ملكية خاصة، ويتم الدفاع عنها في المحاكم بإساليب شمولية. وإذا ما افترضنا شيئاً آخر فيمكن الوصول الى إستنتاج سخيف حول إمكانية كل واحد منا أن يطالب بمنحه جزءاً من ملكية الدولة.
في عهد الإتحاد السوفياتي لم تكن الملكية الخاصة موجودة بالمعنى الضيق للكلمة، وحتى تبديل إصطلاح "الخاصة" بإصطلاح "الشخصية" بعجلة ،ومنذ تسعينيات القرن المنصرم أصبحت الملكية الخاصة رهينة الإصطلاحات الصارمة والتحولات الثورية التي جرت في الإقتصاد.
والخصخصة التي تحققت في بلادنا تركت لدى الأغلبية الساحقة إنطباعا بالتعسف، وللأسف أثر هذا الأمر على المواقف من الملكية الخاصة، وذلك بسبب تطابق الملكية الخاصة ونتائج الخصخصة مما ولد عند الكثيرين شعوراً بإنهم منهوبين. سوف نضطر لتذليل العواقب الإنفعالية لهذه الأحداث لفترة قد تطول إكثر من عام، وبالرغم من ذلك تعتبر الملكية الخاصة بنية بالغة الأهمية. وهي مرتبطة بمجموعة حقوق الإنسان الأساسية. وإذا لم نتعلم إحترامها والدفاع عنها فسنبقى في حالة التخلف والإهمال.

- دميتري أناتولييفيتش، ما رأيكم في موقف الناس من الثراء في الوقت الحالي؟
- موقف الناس من الثراء عندنا مثلما هو في العالم بأسره. فالإنسان العادي يشكك في ثراء أرباب الثروات الهائلة ويثير الشكوك حول سرعة ثرائهم. وهذا الأمر طبيعي. وإذا كان الإنسان الأوروبي يعتبر الإنسان الذي إقتنى ثروة مثالا لتطور الفرد وليس شخصا مشتبَها في أمره كونه سرق شيئا من الدولة فالبعض من مواطنينا  يعتبرون مثل هذا الشخص بطلا سلبيا. ويعتبرون أي رجل من رجال الأعمال انسانا سرق منك شيئا فمثل هذا المنطق يتواجد في أعماق الذهن. وكانت الملكية الخاصة في بلادنا تتميز دائما بخصائص معينة بمشيئة الله. حيث كانت لدينا عناصر اجتماعية وعمومية تغلب في المواقف تجاه المقتنيات والأرض وذلك بحكم تقاليدنا الدينية بدرجة كبيرة. ومن هذه الناحية كان إنساننا أقل فردية إزاء وسائل الإنتاج وإزاء مقتنياته بالمقارنة مع الإنسان الإوروبي على سبيل المثال. فكل شيء حوله تابع للتعاونية وبذلك تابع له. وكانت في ذلك إيجابيات وسلبيات على حد سواء.
غير أنّه يجب علينا الآن وبعد اختيار إقتصاد السوق كنموذج للتطور الإقتصادي أن تحظى الملكية الخاصة بالإحترام والحماية بشكل تام. نحن نعي أن إحترام الملكية الخاصة يمثل عنصرا رئيسيا في برنامج كل الأحزاب في الغرب مهما تباينت من حيث إنتماءاتها اليمينية أو الوسطية أو الإشتراكية. فلدينا الأمر مختلف نوعا ما. من ناحية أخرى ان غالبية الأحزاب السياسية اليوم تربط بين برامجها الاقتصادية وقيم إقتصاد السوق إذا كانت أحزاب جدية وليست مهمشة. وهناك إجماع على هذه المسألة. وبعدها يبدأ نوع من التباين. فلذلك يصبح الإعتناء بالملكية الخاصة من  المهمات الرئيسية بالنسبة للقوى السياسية كافة.

مدفيديف شاباً

- سؤال حول التعامل بينك وبين فلاديمير بوتين. هذا السؤال طبيعي، بوتين رئيس عامل وانت موظف رفيع المستوى، وسيكون الوضع عكس ذلك... انت رئيس البلاد اما بوتين فهو موظف رفيع المستوى (في حال شغل منصب رئيس الوزراء). ولا بد من ان تكون هنا صعوبات نفسية حتى في ظل العلاقات المثالية، وقد تكون هناك صعوبات عملية، ما رأيك في هذه المشكلة؟
- هذا الوضع جديد بالنسبة لنا... فعلا... وانا اجد فيه كثيراً من الايجابيات، انا لا اتحدث الآن حول شخصية بوتين وشخصية مدفيديف، هذا موضوع آخر، وانا على يقين انه سيكون كل شيء على ما يرام، وتعتبر العلاقات الرفاقية بيننا دليلاً على ذلك، اما هذا الاسلوب فهو جديد مبدئياً بالنسبة لبلدنا، لم يتراجع رئيس الدولة مهما كانت تسميته الى موقع رقم اثنين ابداً في تاريخ روسيا، رقم اثنين... رقم ثلاثة... رقم خمسة... إما تقاعد اما تعرض للعقاب، ولكن هذا الاسلوب يطبق في جميع الدول، على كل حال في الدول الاوروبية. اما الاسلوب الامريكي فهو مختلف... يتولى الرؤساء الامريكيون ادارة الصناديق وحتى يمارسون اعمال خاصة (البزنس)، ولكنهم لا يعودون الى مناصب حكومية. ولكننا بلد اوروبي والتجربة الاوروبية واسعة، ينتقل شخص من منصب الى آخر ولا يعتبر ذلك نهاية العالم بالنسبة له، واعتقد ان ذلك تقليد هام جداً بمعنى، ان الشخص يعود لشغل  احد المناصب القيادية بعد العمل في اعلى المناصب  وهو شخص فعال، وهذا ما ينطبق على فلاديمير بوتين ذلك انه قائد ذو شعبية واسعة وفي نهاية الامر تتجلى في ذلك الرغبة في خدمة الوطن ولذلك اعتقد ان هذا امر لا بأس به، فقط نصبح اكثر تحضراً. اما المخاوف فقد كانت موجودة وستبقى بطبيعة الحال، وكل اشكال الحكم الجديدة ستظهر نتائجها بعد وقت من الزمن، واظن ان هذه التشكيلة فعالة، وهذا رأي الرئيس بوتين ايضاً. وسوف يختبرون متانتها وهذا شيء واضح وانا متأكد ان هناك من سيرى هذه التشكيلة بشكل آخر وسيبحث عن عيوب فيها وسوف يقوم بعمل يعتبر اعتياديا في السياسة، اي غرس بذور الخصام السياسي ولكننا شباب كبار بما يكفي لتدبر الامر.

- تحدثتم حول العدمية القانونية. ما هي طرق مكافحة هذا الوضع؟
- من الصعب جداً مكافحة تجاهل القوانين واهمال الحقوق وتعود هذه الصعوبة البالغة الى واقع اننا لم نتعامل مع هذه المسألة ابدا، هذا اولاً. وثانياً لم تكن هناك مرحلة من مراحل تاريخ وطننا حينما تم دفع العدمية القانونية بحيث يحل محلها الاحترام المطلق للقانون، وهو احترام رفيع لدرجة من الممكن مشاهدتها في بعض البلدان المتطورة. لم يحدث ذلك في ازمنة ما قبل بطرس الاكبر كما لم يحدث ذلك في زمن حكمه وفي مرحلة متتالية ايضا. والتلقيح الافضل ضد تجاهل واهمال الحقوق هو عقود من الحياة الحرة حياة تجري في ظروف النظام الحقوقي الاعتيادي وعلى الارجح ليس هناك شيء للاضافة. عندما يتفهم المرء ان من الافضل ومن المربح مراعاة القانون وليست مخالفته يمكن اعتبار ذلك تلقيحا ضد العدمية القانونية.
نحن على علم بخصائص طبيعتنا القومية. اننا بشر غير مطيعين للقوانين فعلاً وهذا الواقع حقيقة. ويظهر هذا الواقع في انفسنا في اعداد هائلة من عادات حياتنا اليومية وتشمل هذه الظاهرة حتى اعلى مستوياتنا. اننا عدميون قانونيون جميعاً حتى صميم قلوبنا.
كثيراً ما تكون منظومة العلاقات الحقوقية مخللة من ايام الولادة ذاتها، وكانت تلك المنظومة مخللة خلال سنوات الحقبة السوفيتية ايضاً وذلك بغض النظر عن مستوى اعلى من مراعات القوانين لدى الناس السوفيت. تبنت مراعات القوانين تلك على اساس ايديولوجي وعلى تخويف الناس. شاع وقتئذ الحرمان من الكثير من الاشياء منها الحرمان من بطاقة العضوية في الحزب الشيوعي والحرمان من الحرية والحرمان من حياة الانسان احياناً والآن لم يبق شيء من هذه المخاوف عملياً حيث يجب ان تتغير الدوافع لمراعاة القانون ولذلك اذا عشنا عدة عقود في ظروف مراعاة القوانين لكان هناك انخفاض مستوى العدمية القانونية بالطبع.

مدفيديف مع زوجته

- من الممكن ان يتصور المرء ان في روسيا دولة قوية تقليدياً، ومع ذلك ثمة مكان فيها للعدمية القانونية؟
- انتم لفتم نظري الى هذا الموضوع بشكل صحيح جدا. الدولة القوية ترص الجميع في قبضة واحدة وتحول البلاد الى معسكر واحد وان حدث عصيان فالدولة تعاقب المذنبين وتعدم الخونة رمياً بالرصاص، وما استغربه هو الانسجام بين رعوية الدولة وحب المواطنين لها وبين تجاهل واهمال القواعد الموضوعية من قبل هذه الدولة، وفي هذا الموضوع من الممكن تأليف اكثر من اطروحة تخص نظرية الدولة والحق، اننا نتفهم ان الحق والدولة هما مفهومان مرتبطان مع انهما مفصولان عن بعضهما البعض نسبياً.
احب ان اوضح ذلك في المثال التالي: كانت هناك مناقشات كثيرة نسبياً حول الدولة النازية وقوانينها، وتساءلت اطراف المناقشات فيما اذا اصدرت تلك الدولة قواعد للحق ام لا، بالطبع الدولة النازية هي دولة شمولية، الدولة التي ارتكبت جرائم بنفسها كما ارتكبت جرائم من قبل كثير من مواطنيها، لكن السؤال المطروح هو هل اصدرت تلك الدولة قواعد للحق. ما هو الحق؟ هل هو مجموعة من قواعد السلوك او العدالة المدونة في صيغة كتابية ما يعني "العقل المكتوب". من البديهي جداً انه ليس بإمكاننا اذا تمسكنا  بمواقفنا المعاصرة الاعتراف بالقواعد الصادرة عن الدولة النازية بصفتها قواعد قانونية رغم انها قواعد للسلوك اعتمدت عليها المانيا كلها في تلك المرحلة.
وينطبق هذا الواقع على كافة الدول الشمولية، ووما يعتبر مهما جداً بالنسبة للحقوق هو ليس فقط غلافها ومظهرها الشكلي بل ومضمونها الحقيقي، اي محتوى تلك القواعد التي اتخذت شكلاً قانونياً بمعنى اخلاقيتها وطابعها الانساني. بامكاننا اقامة دولة قوية ونظام ضعيف للحقوق، ولا يتابع الثاني الاول اوتوماتيكياً، وفي حال تحقيق عكس ذلك لتمتعت الدولة الشمولية بافضل حقوق. ولكن قدرة الدولة لا تؤمن الحقوق المتطورة وتفهم ضرورة مراعات القواعد اوتوماتيكياً. وبالتالي لا تحرر من العدمية القانونية.

- هل تشعرون الان بطعم وضعكم كرجل دولة؟ 
- وجهت هذا السؤال الى نفسي مرارا. ويمكن القول أنني لا أشعر بأنني مدمن على السياسة العامة. فهناك نوع من الساسة الذين يُطلق عليهم اسم political animal (الحيوان السياسي). أنا لا أجد في نفسي علاقة بذلك حتى الآن. نعم أنا ميدفيديف (نسبة الى الدبّ) ولكنني لست حيوانا سياسيا. بالتأكيد، ولا أشعر بضرورة التواجد على الشاشة بدرجة الحاجة الفيزيلوجية.
في الوقت نفسه أنا تغيرت بصورة معينة. لو لم أتغير لما استطعت أن أقوم بما اقوم به الآن. في البداية كان ذلك يزعجني. حيث كان يخطر ببالي دائما أنني استطيع  أن أفعل الشيء نفسه ولكن بشكل أسرع وأكثر تقنية، إذا لم يكن في محيطي مصوّرون مع كامراتهم وهرج ومرج. إذ يمكنني تنفيذ 95% من الأشياء التي أقوم بها بصورة غير علنية. ولكن ها هي قوانين السياسة: فالبلاد تريد أن تعرف عن تصرفات السلطة. ولا يمكننا إلغاء هذه القوانين إذ لم نضعها نحن. وربما ذلك صحيح. فهذا الأمر لا يزعجني الآن. ويمكن إعتبار ذلك خطوة كبيرة إلى الأمام.
أشعر بالحماس، نعم بالحماس للعمل. وأؤدي عملي بصدر رحب، بالتأكيد. وقد وضع العام 1999 حدّا فاصلا في حياتي ما بين العلم والتعليم من ناحية والأعمال من ناحية أخرى.

دميتري مدفيديف

- سيد ديمتري ماذا تستطيع ان تقول عن دور رجال قوى الامن  في بلادنا في وقتنا هذا بالذات؟  اقصد بذلك مدى نفوذ الاجهزة  والعناصر المتخرجة من هذه المؤسسات. اي كل ما يشاع حاليا عن تعاظم نفوذهم؟

- حسب رائيي فان اولئك الذين ارتبطو بالجهات الامنية يتمتعون بخبراتهم المكتسبة الايجابية والسلبية. انهم نفس البشر شانهم شان غيرهم و لا داع لوضعهم على منصة العرض او تقديسهم، احيانا يزداد عددهم بين كبار المسؤولين واحيانا يقل، ولا يعود  ذلك كقاعدة بناءا على طلب خاص من قبل المجتمع حول تواجد ممثلي الجهات الامنية في سلطة الدولة بل ويعود الى مجرد تشكل الوضع في البلاد بهذا الشكل او ذاك.  فاذا ظهر في قيادة الدولة شخصيات من بين منتسبي الاجهزة الامنية، ممن لديهم خبرة عمل، فانهم يقومو بدعوة نظرائهم من اصحاب الخبرة لتبوء مناصب سياسية، ذلك انهم على معرفة بهم من خلال العمل معهم، وليس هناك شي غريب في ذلك.  هل بامكانهم تشبيع  نظام القيادة ( قيادة الدولة) ببعض الشي من رؤيتهم للواقع؟ نعم، انهم قادرون على ذلك. انهم من جهة اشخاص يتمتعون بخبرة في مجال اتخاذ القرارات، ولهم خبرة العمل ايضا في المنظومة السرية. وهذا امر جيد.  ومع ذلك، من المحتمل وجود بعض المشاكل . كثرا ما يفقد الذين اجتهدوا في الجهات الامنية خبرة مخاطبة ومعاملة الجماهير وتعتبر هذه الخبرة  ضرورية، مثلا انا لم اعمل في الجهات الامنية وقد ذكرت للتو بان معاملة الجماهير كانت صعبة علي في البداية، علما بانني لم اكن  انسانا مدنيا اعتياديا بل وكنت حقوقيا ذا خبرة عمل معينة.  قد تعتبرون هذه الفكرة مبتذلة ولكن يتوقف كل شي على الانسان. ولا توجد هناك مواقف يمكن حلها عن طريق اسلوب المتوسط الحسابي. يوجد هناك كثير من الامثلة عندما تلقى المرء تعليما كلاسيكيا  رائعا ولم يعمل في اية جهات امنية واصبح  سافلا سافرا وهو في خدمة الدولة او في اعمال حرة،  وبالعكس هناك بعض الناس الذين اجتهدوا طيلة حياتهم في اعمال امنية ثم وجدوا انفسهم في السياسة العامة او الاعمال الحرة او حتى اصبحوا قساوسة.
ولذلك موقفي طبيعي جدا تجاه الواقع حيث كثير من المناصب القيادية الان مشغولة من قبل اشخاص ذوي خبرة في العمل في الاجهزة الامنية، على عكس ما كان عليه منذ وقت غير طويل وانا لست هنا لوحدي. ويكفي القاء نظرة على نظرائنا من البلدان الاخرى حيث يتمتع سياسيون كثيرون هناك بخبرة عمل في الجهات الامنية ولا يثير هذا الامر اهتمام الجميع، و يعود الاهتمام الزائد فيما يخص بلدنا الى تاريخنا البالغ التعقيد حيث اختلف الموقف تجاه الجهات الامنية كثيرا من حين لاخر. وهذا ما يزيد من التوتر لدى الناس ولكن ذلك اصبح من التاريخ.

دميتري مدفيديف

- حدثونا رجاء حول عملكم في مجال الاعمال الحرة.
- باعتباركم رجالا مثقفين وواعين وجهتم لي هذا السؤال لمعرفة ما مدى امكانياتي الشخصية. من الممكن ان اجيبكم بانني عندما غادرت مدينة بطرسبورغ اعتبرت نفسي انسانا ذي وضع مؤمَن وفقا لمعايير تلك المرحلة. ان التصور العام حول مدى تامين رئيس الدولة هو تصور واحد في كل انحاء العالم تقريبا. من الممكن ان يصبح المرء رئيسا وحالته المادية جيدة وعندما يبدا المرء بترؤس الدولة دون ان يكسب قرشا بنفسه لا يعجب الجميع ذلك انه سيشكل خطرا. اولا فليس من الواضح ما الذي كان يمارسه قبل ان يصبح رئيسا؟ ولماذا لم يتمكن هذا الانسان الذكي والطيب من تامين نفسه وعائلته؟.
ثانيا: هل من الممكن ان يلجأ الى السرقة لحل جميع مشاكله خلال بضعة اعوام؟. قبل عام 1999  كانتالفترة بالنسبة لي مثمرة جدا، واعتقدت بان حياتي انتظمت. واستمر الوقت كهذا حتى بداية اكتوبر/تشرين الاول 1999 حينما تلقيت مكالمة هاتفية... كان المتحدث ايغور سيتشن. قال بان فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين يريد التحدث معي فقلت له بانني موافق وساحضر. كان ذلك اليوم يوم سبت. لقد جاء من مكان ما متعبا بعد جولات وتحدثنا قليلا واقترح بان اترأس اللجنة الفيدرالية للاوراق المالية. وقد كان ذلك موضع اهتمامي العلمي فقد عملت قليلا في ذلك المجال علما بانني لست سمسارا في سوق الاوراق المالية. ان ذلك الموضوع كان ممتعا لي لدرجة انني نويت اعداد اطروحة الدكتوراة في موضوع الاوراق المالية وقلت له انني اعتبر ذلك شيئا ممتعا، ولكنني احتاج الى التفكير لعدة ايام، ورجعت الى مدينة بطرسبورغ وناقشت الموضوع مع اقربائي ثم قلت انني جاهز. رجعت الى موسكو بعد شهر لتسلم منصب نائب رئيس ديوان الحكومة. وكان ديمتري كوزاك وقتئذ رئيسا للديوان. واتفقنا معه على اساس ان امارس العمل الاداري لفترة نصف شهر او شهر لا كتساب الخبرة في الجانب الاداري ومن ثم يصدر امر تعييني لهذا المنصب.
ولكن الاحداث كانت تتطور في ذلك الوقت بسرعة فائقة. قال لي فلاديمير فلاديميروفيتش: "علي اختيارك انت، ام اوقع ترقيتك لمنصب رئيس اللجنة الفيدرالية للاوراق المالية او تبقى هنا في الحكومة؟".
العمل في اللجنة المذكورة عمل ممتع ومليء بواجبات واهداف وله افاق لان الاسواق المالية تتميز بنموها السريع ومواضيعها جذابة لمحبي الاعمال. اما هنا فيبدو بان العمل سيكون مملا ولم اسع اليه في حياتي فقط كونه عملا اداريا بحتا تغيب فيه الحيوية. ولكن لا ادري بالضبط ما الذي اثر علي في تلك اللحظة وما تبادر في ذهني حينها، من الجائز كان حدسي او شي في داخلي وربما اي شي. وقلت انني ابقى هنا لاساعد في الاعمال. رد هو بقوله: "جيد، فهمتك".
حدث ذلك في يوم 29 ديسمبر/كانون الاول 1999. وبعد يومين وقع وهو يقوم باعمال رئيس الدولة قرار تعييني في منصب نائب رئيس الديوان الرئاسي لدى رئيس الدولة وقد علمت بذلك الامر حين عودتي من اجازتي في سانت بطرس بورغ بمناسبة اعياد راس السنة.

- هل سمعت بان الصحف كتبت في تلك الفترة انه سيتم تعيين شاب من بطرسبورغ من جماعة سوبتشاك القديمة. ويشاع في الجهاز انه رئيس مقبل للديوان الرئاسي؟
- لا اعرف شيئا حول الشائعات التي انتشرت انذاك. وقد تحدث فلاديمير فلاديميروفيتش عن ذلك فعلا في الكتاب ولكنه لم يتحدث معي حول هذا الموضوع. وكانت دعوة بوتين في مطلع عام 2000، في 5 يناير/تشرين الثاني الى ان اكون رئيسا لفريقه الانتخابي. كانت تلك الدعوة محنة اخلاقية كبيرة بالنسبة لي. وقلت له: "انا حقوقي ولا باس به ويبدو انني قادر على حمل مهام مختلفة ولكنني لم اقم باجراء انتخابات الرئاسة" ورد قائلاً: "كل شي على مايرام. سننجح".
وبعد ذلك بدأت الفترة الشائكة جدا. العمل في الفريق الذي كنت رئيسا له. واستمتعت كثيرا بهذا العمل وبمشاركتي في العملية السياسية الاساسية وبان كثيرا من الاشياء تتوقف علي بصفتي وحدة قتالية. وكان ذاك اختبار لمتانتي.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)