رحيل الكاتب المصري الكبير مكاوي سعيد

الثقافة والفن

رحيل الكاتب المصري الكبير مكاوي سعيد
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/jkxs

ودّعت القاهرة، يوم السبت 2 ديسمبر، الكاتب المصري الكبير مكاوي سعيد، عن عمر يناهز 61 عاما.

حينما كتب شاعر روسيا العظيم ألكسندر بوشكين (1766-1837) رائعته "يفغيني أونيغين"، ووصف فيها الشاعر "لينسكي" الذي يتورط في مبارزة بسبب غيرته، ويموت رميا بالرصاص في هذه المبارزة، لم يكن يعرف أنه في واقع الأمر إنما يكتب قصة نهايته. فقد مات بوشكين تحديدا إثر رصاصة في مبارزة بسبب غيرته على زوجته!

هكذا حكى مكاوي سعيد في روايته الأخيرة "أن تحبك جيهان" عن بطله أحمد الضوي، الذي "أضاء" لنا الرواية والطريق من خلال احتراقه هو شخصيا في نهايتها.. تماما كما فعل مكاوي.

كان مكاوي من أقرب أصدقائي في القاهرة، وكنت ألتقيه يوميا في الثامنة من صباح كل يوم، نتناول طعام الإفطار على مقهى البستان وسط المدينة الصاخبة. كنا نعيش سويا (ويشاركنا في ذلك فنانون وأدباء) في عوالم مبهرة ومبهجة من الخطوط والكتل والألوان والنغمات والتآلفات الموسيقية، فتتقاطع شخصيات الواقع مع شخوص مكاوي في رواياته ومقتنياته ومقالاته في المصري اليوم، مع عوالم الفن التشكيلي والمسرحي والسينمائي والموسيقي، فلا نراه يوما يغرق في تفاصيل الفن التشكيلي أو الموسيقى أو الغناء، لكنه يحبها جميعا، ويكتب عنها جميعا، بنفس الجودة، ودون إسراف، أو ابتذال، أو قصور.. دائما ما كان يبادر بالسؤال عن التفاصيل الفنية الدقيقة قبل أن يخط حرفا في مقال أو قصة أو رواية. لذلك كان الفن يتسرب من خلال رؤيته الشخصية، عذبا وديعا دون أن يذكر اسم مقطوعة موسيقية واحدة، أو يصف لنا عملا فنيا واحدا.. إنه الفن الحقيقي الذي كان ميكي يسبح في بحوره، إنها الشاعرية القادرة على النفاذ من كاتب يعيش في وسط البلد بكل بساطة وبحد أدنى من التفاصيل، إلى أشخاص بسطاء يقرأون عن حياة شخصياته التي تبدو بسيطة على السطح عميقة في الجوهر من خلال تفاصيل بسيطة ليدهشنا بنفس بساطة الكاتب الروسي العبقري أنطون تشيخوف (1860-1904) وشخصياته البسيطة والعميقة في آن واحد.

كذلك كان مكاوي سعيد (أو ميكي، كما كنا نطلق عليه!)، الذي حفرت شخصيته في وجداننا جميعا، الضاحك، الساخر، الحكيم، المثقف الواعي، الكاتب الموهوب.. ميكي وكفى!

لا يبدو الفعل الماضي في الحديث عن مكاوي سعيد مناسبا، فأفكار سعيد ورؤاه ما تزال حاضرة وموجودة، وسوف تظل كذلك حتى نلتقي قريبا فيدركنا بدوره الفعل الماضي، فنلتقي بالأحباب في بستان آخر. في الثامنة من صباح كل يوم.

محمد صالح