ليلة عشاق الدعايات في موسكو.. ليلة طويلة عمرها عشرات السنين

الثقافة والفن

ليلة عشاق الدعايات في موسكو.. ليلة طويلة عمرها عشرات السنين
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ir93

شهدت موسكو قبل ساعات حدثاً فنياً من نوع خاص ينتظره في كل سنة عشاق السينما والموسيقى والكوميديا والقصص القصيرة ذات النفحة الفلسفية في بعض الأحيان.

 إنه المهرجان السنوي الذي يحمل عنوان "ليلة عشاق الدعايات".. أو "ليلة ملتهمي الدعايات" إذا ما اعتمدت الترجمة الحرفية.

هي ليلة بمعنى الكلمة إذ تبدأ في الحادية عشرة مساءً وتستمر حتى السابعة من صباح اليوم التالي.. تُفتتح عادة بعرض موسيقي، شارك فيه هذا العام الفنان الشاب روماريو، الذي قدم أغنية تحاكي روح الدعايات والإعلانات بعنوان "الميزانية"، وذلك في الفعالية التي أقيمت في "كروكوس سيتي هول".. الذي بنى تخليداً لذكرى المغني السوفيتي - الأذربيجاني مُسلم ماغومايف.

يعود تاريخ "ليلة عشاق الدعايات" إلى عام 1981 الذي شهد أول عرض في سينما "كينوبانوراما" الباريسية، انتهى بتقديم القهوة والكرواسون كوجبة فطور خفيفة للمتفرجين، بعد مشاهدة 400 دعاية موزعة على ثلاثة أجزاء مدة كل منها ساعة ونصف، وذلك تجسيداً لفكرة الفرنسي جان ماري بورسيكو الذي أطلق مشروعه هذا، ليتحول بعد عام واحد إلى مشروع دولي اجتاح العالم في السنوات الأخيرة، حتى باتت تشارك فيه 150 مدينة في مختلف أرجاء الكوكب منها 40 في روسيا التي احتضنت أول "ليلة عشاق الدعايات" في 1994.

من المعروف أن جان ماري بورسيكو يختار الدعايات التي سيطرحها لجمهوره.. وهو بلا شك جمهور من نوع خاص جاء ليستمتع بالإعلانات التلفزيونية المنتقاة من أرجاء مختلفة في العالم، حتى يخال لك وأنت تشاهد هذه الدعايات أنك في مجلس هيئة أمم متحدة ولكن بنكهة من نوع متميز.. أمم متحدة فعلاً توحدها رغبة التواصل من خلال الفن والثقافة والفكاهة.. فتتعرف على ابداعات في فن الدعاية بما فيها الإسرائيلية إلى جانب مثيلاتها من مصر والمغرب.

ليس سراً أن صناعة الدعاية والإعلانات التلفزيونية لم تعد مجرد وسيلة لطرح هذه السلعة أو تلك، إذ أنها باتت فناً قائماً بحد ذاته يجمع بين الصورة والموسيقى والكلمة والصمت في آن واحد، إذ يبدو وكأن هذه الصناعة تجاوزت مفهوم التسويق للمُنتج كهدف رئيس.. حتى أن الدعاية نفسها تحولت إلى مُنتج يحظى بالاهتمام بغض النظر عن السلعة التي يقدمها.

وقد يكون المشاهد في حيرة من أمره عمّا تروج له هذه الدعاية أو تلك حتى آخر لحظة.. فصانع الدعاية الذكي قادر على أن يشد انتباه المشاهد ضمن حبكة درامية في فيلم قصير جداً حتى تتضح الفكرة. فالدعاية عبارة عن لوحة فنية متكاملة ربما هي أشبه بفن الكاريكاتور، وهي لم تعد تختلف كثيراً عن النكتة أو الحكمة.. بل تجمع بينهما في بعض الأحيان.

والدعاية الذكية هي التي تخاطب إحساس المشاهد وتراهن على ذكائه في التقاط الفكرة، بعيداً عن صعوبة انتقاء المفردات المتكررة، التي تحد من الإبداع، وبعيداً أيضأً عن تعقيدات الترجمة.

لطالما ارتبطت الدعاية التلفزيونية في أذهان مشاهدي التلفزيون على أنها فترة استراحة لا بأس من استغلالها للقيام ببعض الأمور السريعة.. فكان التعامل معها على أنها الفاصل الذي لا بد أن يتخلل البرامج والأفلام.. علماً أنها اكتسبت في الآونة الأخيرة رونقاً خاصاً بها جعلها تبدو في بعض الأحيان تحظى بالأهمية، حتى أنها تبدو وكأنها هي الأصل الذي يتخلله فيلم ممل أو برنامج لا يفيد بجديد. فكم من المشاهدين يقصدون مواقع الانترنت للبحث عن هذه الدعاية أو تلك قبل بحثهم عن فيلمهم المفضل.

كانت "ليلة عشاق الدعايات" لعام 2017 كغيرها من الليالي في السنوات الماضية.. متميزة ولا تشبه سواها بمحتواها وأجوائها ما يجعل كل ليلة منها حالة استثنائية وفريدة من نوعها.. يمنحك حضورها شعور يختلف عن حضورك لأي حفل تقليدي.. جمع تحت سقف قاعة واحدة بين أُناس جاؤوا للاستمتاع بالفكاهة وبروح الدعابة.. وهي الروح التي ما من شك أنها تجعل البشر على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم أقرب إلى بعضهم البعض.

علاء عمر