"أنت منذ الأمس".. المسرح الأردني يوقظ سؤال الوطن على خشبة الإرميتاج
في عرض أقيم لأول مرة في روسيا، قدمت فرقة "الشمس" الأردنية مسرحية "أنت منذ الأمس" على مسرح الإرميتاج في سانت بطرسبرغ.
لم يكن العرض الذي قدم في 25 أيار الفائت مجرد نقل روائي من الورق إلى الخشبة، بل كان محاولة جراحية لاستدعاء الماضي ومحاكمته بعيون الحاضر.
العمل من إخراج عبد السلام قبيلات، ويستند إلى رواية الأديب تيسير سبول «أنت منذ اليوم» الصادرة عام 1968، أي في أعقاب صدمة حرب الأيام الستة التي هزت الوعي العربي وأعادت رسم خريطة الأسئلة الوجودية حول مصير الإنسان وهويته.
لا تقدم المسرحية سرداً تاريخياً جافاً لأحداث نصف قرن مضى، بل تبني جسراً زمنياً بين فتاة من الجيل الحالي تقرأ الرواية، وشخصيات النص الذي يستيقظ من سباته ليواجهها.
هنا تتحول القراءة إلى فعل إحياءٍ؛ فالفتاة لا تستذكر الماضي فحسب، بل توقظ الكاتب وبطل روايته من رقدة الموت، لتضعهما وجهاً لوجه أمام واقع جديد.
يحاول الطرفان إعادة فهم الهزيمة القديمة بمنظور معاصر، في حوار صامت وصاخب في آن واحد، يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والتاريخ.
يعتمد قبيلات في إخراجه على لغة عالمية تتجاوز الحواجز اللغوية، لغة الأحاسيس والجسد والضوء، فالموسيقى ليست مجرد خلفية، بل هي عنصر درامي يترجم الصمت ويصبغ المشهد بلون نفسي معين، بينما تتحرك الشخصيات كأشباح خرجت من ذاكرة جماعية عالقة، تحاور الحاضر باستمرار.
وعن فكرة هذا العمل، أوضح المخرج أن رواية «أنت منذ اليوم» لتيسير سبول لم تطرح الموضوع السياسي بشكل مباشر، وإنما كحالة تعيشها الشخصيات وكظرف قاهر يؤثر في مزاجها ويرسم حراكها النفسي وحياتها العملية.
وأكد أن الرواية ليست سياسية بالمعنى المباشر، بل وجودية وإنسانية عميقة، كتبت في لحظة انكسار تاريخي بعد حرب 1967، لكنها في جوهرها تتناول سؤال الإنسان أمام الهزيمة وفقدان المعنى والعلاقة المعقدة بين الفرد والتاريخ.
وأضاف قبيلات أنه حاول في العمل المسرحي أن يتعامل مع الرواية باعتبارها حالة إنسانية، فلم يكن هدفه تصوير الأحداث السياسية بشكلها التاريخي التوثيقي، بل كجزء من التطور الدرامي الذي رسم خط تفاعل الشخصيات وشكل بنيتها النفسية. وقد اختار أن يتتبع المعاناة النفسية وأحاسيسها وهواجسها الوجدانية، وأن يحول الجو النفسي والفكري للرواية إلى لغة بصرية وشاعرية، معتمداً على ترجمة الأحاسيس إلى صورة فنية، ورسم إيقاعها وفضائها الضوئي وحركة الجسد فيها كترددات تأتي بفعل معاناتها. كما اعتمد على الموسيقى كعنصر يلوّن الصورة ويترجم الصمت كفعل مستمر، ويدعم في الوقت نفسه تطور الفعل الداخلي مع تطور الحدث.
وأشار إلى أن النص يسرد الإحساس الداخلي التأملي، وكان التحدي في تحويله إلى فعل مسرحي حي، لذلك جرى العمل على الشخصيات بوصفها أشباحاً أو أصواتاً خارجة من الماضي تحاور الحاضر باستمرار.
وعن آلية قراءة الفتاة التي توقظ الشخصيات من الموت أو النوم، أوضح قبيلات أنه أراد أن ينظر إلى الأحداث بعين معاصرة، ليرى هل تغيرت النظرة وأصبحت بعيدة عن نظرة ذاك الجيل. فالفتاة ليست فقط قارئة للرواية، بل تمثل جيلاً جديداً يحاول أن يفهم ما الذي حدث ولماذا وصلنا إلى هذا الواقع. وأضاف أن الفتاة تقرأ فتنهض الشخصيات، وكأن النص نفسه يستدعي الأرواح النائمة في الذاكرة الجماعية، وأراد أن يبدو الماضي كأنه لم يمت فعلاً بل بقي معلقاً داخل وعينا المعاصر، لأن الجراح التاريخية تستمر بالعيش داخل اللغة والوعي والخيال. هذه الآلية، كما قال، سمحت بخلق حوار بين زمنين: زمن الهزيمة الأولى، وزمن الإنسان المعاصر الذي يحاول فهم معنى تلك الهزائم وتأثيرها المستمر حتى اليوم، فالمسرحية تتعامل مع الماضي بوصفه شيئاً يستيقظ كلما حاولنا قراءته من جديد.
وحول معنى عنوان «أنت منذ الأمس»، بيّن قبيلات أن «أنت» تعني الإنسان العربي أو حتى الوعي الجمعي، أما «الأمس» فهو ليس زمن الحدث في الماضي، بل زمن الوعي الأول للحدث الذي بدأ في زمن ما، زمن الأسئلة التي طرحت قبل عقود وما تزال قائمة اليوم: سؤال الحرية والعدالة والهوية والعلاقة بين الحلم والواقع وبين الفكر والقوة.
وأكد أنه يعتقد أن جيل اليوم قادر على فهم جراح الماضي، لكن ليس بالطريقة التقليدية أو الخطابية، لأن الأجيال الجديدة لا تريد الشعارات بل تريد أن تفهم الإنسان داخل الحدث: خوفه وهشاشته وتناقضاته وأحلامه المكسورة، ولهذا كان من المهم في هذا العمل، محاولة تلمّس أو الاقتراب من البعد الإنساني.
أما عن استقبال الجمهور الروسي، فقال قبيلات إن ما فاجأه هو حجم التفاعل الإنساني العميق. وأوضح أنه قد لا تكون التفاصيل السياسية والتاريخية العربية مألوفة بالكامل لكل المتفرجين، لكن الفن الحقيقي لا يقوم فقط على المعرفة السياسية بل على المشاعر والأسئلة الإنسانية المشتركة.

بطرسبورغ تحتفي بذكرى ميلاد بوشكين بماراثون مسرحي وموسيقي
وأضاف أن الجمهور الروسي يمتلك تقليداً ثقافياً وأدبياً عميقاً في فهم الأعمال التي تتناول الأسئلة الوجودية والقلق الإنساني والبحث عن المعنى، وشعر أن المتلقي الروسي التقط بسرعة الجو الداخلي للعمل: الإحساس بالفقد والخذلان والصراع بين الحلم والواقع وبين الفرد والتاريخ.
وأكد أن المسرحية لا تتحدث فقط عن العالم العربي، بل عن الإنسان عندما يجد نفسه أمام انهيار صورته عن العالم، وهي قضية إنسانية عالمية، وربما لهذا السبب كان التفاعل مؤثراً وصادقاً.
ويقول قبيلات: «لقد تم توجيه دعوة لنا من قبل المهرجان الدولي للمسرح "الشباب. المسرح. المهرجان" ويقيمه مسرح الشباب باسم بريانتسفا في سان بطرسبورغ. روسيا تمتلك تقاليد مسرحية وفكرية عميقة جداً، ولها تاريخ طويل في التعامل مع المسرح بوصفه مساحة للأسئلة الفلسفية والإنسانية الكبرى، وليس فقط للترفيه. كما أنني شخصياً ابن المدرسة المسرحية الروسية خلال دراستي وتجربتي الفنية، فقد عملت في روسيا سابقاً في المسرح وفي معهد الثقافة والفنون ثم انتقلت للعمل في الأردن لتأسيس مسرح "الشمس" كمخرج ومدير فني، ولذلك كان من المهم بالنسبة لي أن أعود إلى روسيا بعرض جديد، لأعاود التواصل مع المسرح الروسي، والتفاعل مع الجمهور لأنه اختبار حقيقي يجب أن يستمر. الرسالة الأساسية هي رسالة إنسانية وثقافية: أن الإنسان العربي ليس مجرد صورة إعلامية مرتبطة بالحروب، بل يمتلك أيضاً أسئلته الفكرية والفلسفية والجمالية العميقة».
ويضيف: «الأسئلة ما تزال حية بل وملحة إلى حد كبير، وربما لهذا السبب تبدو الرواية معاصرة حتى اليوم. تيسير سبول طرح أسئلته عن معنى الهزيمة الداخلية، وعن علاقة الإنسان بالسلطة، وبالحرية، وبالقدرة على التغيير. هذه الأسئلة لا تخص زمناً واحداً. العالم كله اليوم يعيش أزمات كبرى: حروب، عزلة، خوف، انهيارات أخلاقية، وشعور متزايد بفقدان الجدوى. لذلك يعود الأدب الحقيقي دائماً، لأنه يلامس جوهر الإنسان. المدهش في نص تيسير سبول هو صدقه الإنساني الكبير. هو لا يقدم أجوبة، بل يضع الإنسان أمام أسئلته المؤلمة. أعتقد أن وظيفة الفن الحقيقية ليست أن يعطي حلولاً، بل أن يجعلنا لا نتوقف عن طرح الأسئلة».
وأخيراً، كشف قبيلات عن علاقته الشخصية بالرواية، مؤكداً أنها ظلت تلاحقه منذ سنوات، وكان أحياناً يختفي عنها في دهاليز الحياة اليومية، لكن على إثر أحداث العامين الأخيرين سلم نفسه صاغراً إليها بحثاً عن طوق نجاة. واستشهد بقول شخصية «عربي» في الرواية إنه يكتب شيئاً لا يدري ماذا يسميه لكنه يكتبه لأنه يزعجه، ووجد نفسه يعمل على الرواية ليحولها إلى نص يخرجه للمسرح، لأنه يزعجه. لكنه أضاف أن العمل في المسرحية صار أرضاً صلبة يقف عليها، سواسيةً مع الزملاء الأصدقاء الأحبة وفريق المسرحية كلهم، الممثلين والطاقم الفني والإنتاجي، الذين كشفوا عن روح صادقة مبدعة، فتبنوا العمل وقدموا عصارة وجدانهم.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
جدات روسيات يطلقن ألطف ترند في "تيك توك"
يحظى ترند جديد لطيف بشعبية متزايدة عبر منصة "تيك توك"، وهو عبارة عن حفلات كاريوكي ضخمة عبر البث المباشر تنظمها متقاعدات ناطقات بالروسية من جميع أنحاء العالم.
موسكو تحتفي بالذكرى التسعين لقصيدة "العم ستيوبا" بمعرض فني
افتتح في العاصمة الروسية موسكو معرض فني بمناسبة الذكرى التسعين لصدور الطبعة الأولى من قصيدة "العم ستيوبا" الشهيرة للكاتب سيرغي ميخالكوف.
معرض للفن الهندي في الأرميتاج يجمع بين الإبداع والتقنيات الذكية
تحت عنوان "يا لجمال العالم.. الفن المعاصر للهند"، يفتح متحف الأرميتاج أبوابه أمام كنوز بصرية غير مسبوقة من الفن الهندي المعاصر.
بوتين يدعم الثقافة الروسية بمنح للمشاريع الإبداعية وأوسمة استحقاق لرموز الفن
توج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جهود المبدعين بتقديم منح لدعم 100 مشروع ثقافي وطني، تزامنا مع تقليد أوسمة "الاستحقاق في الثقافة والفنون" لعدد من أبرز فناني ومخرجي البلاد.
التعليقات