لم يكن أبو الريش مجرد عازف موهوب، بل حالة فنية فريدة، استطاعت أن تعيد تعريف آلة العود، وتحوّلها من أداة تقليدية إلى عالم موسيقي متكامل يمزج بين المقامات الشرقية والهارموني الغربي.
من صغره إلى العالمية
وُلد أبو الريش في اللاذقية في 26 أغسطس 1982، ونشأ في بيت محب للموسيقا، حيث كان والده يملك صوتاً جميلاً ويعزف على العود. منذ الرابعة من عمره بدأ يتعلم العزف بطريقة سماعية، واحتضن العود لغةً وروحاً، متأثراً بتراثه المحلي وبفضوله الفني الذي جعله يتجاوز المألوف منذ نعومة أظافره.
لم يدرس الموسيقا أكاديمياً، لكنه أصبح معلماً، درّس عشرات العازفين في اللاذقية وأسّس جيلاً كاملاً من المبدعين، مانحاً كل من حوله خبرةً فنية وعمقاً معرفياً لم تعرفه الساحة كثيراً. وقد وصفه المقربون بأنه "ملك الهارموني" لأنه استطاع أن يجعل العود يعزف وحده ما تعزفه أوركسترا كاملة، وأن يمزج بين الأصالة والابتكار بطريقة استثنائية.
العزف رسالة وروح
لم يكن الراحل أبو الريش مجرد عازف، بل مشروع موسيقي متكامل. عندما يعزف، يستمع إليه عازفو العود في العالم كله، ليس كجمهور عادي، بل كتلاميذ يتعلمون منه تقنيات جديدة، ومبدعون يكتشفون في عزفه آفاقاً غير مطروقة. وقد حافظ على اسمه ولقبه "أبو الريش" رغم الشهرة العالمية، مفضلاً أن يكون فنه دليله ووسيلته لا أي مسمى آخر.
بعد عام 2011، اضطر أبو الريش إلى مغادرة سوريا تحت وطأة الحرب، حاملاً عوده وصندوقاً من الذكريات والحنين، ليواصل مشواره في المنفى. بدأت رحلته في مونتريال في كندا المدينة التي استقبلته ومنحته البيئة المناسبة لابتكار موسيقاه. هناك أسس مشغلاً لصناعة الأعواد، وبنى مجتمعاً فنياً من المهاجرين السوريين، مع استمرار مشاركاته في حفلات بدول مثل قطر والإمارات العربية المتحدة، مؤكدا أن العزف رسالة وروح قبل أن يكون أداءً أو عرضاً.
حضور عالمي واعتراف مستحق
شارك أبو الريش في مهرجانات عالمية عدة، أبرزها مهرجان كتارا لآلة العود في الحي الثقافي كتارا بدولة قطر عام 2025، إضافة إلى مشاركته في FGC Garage Concert وFestival du Monde Arabe de Montréal في مونتريال، حيث أثبت قدرته على نقل العود من إطاره التقليدي إلى فضاء عالمي يتفاعل مع مدارس موسيقية متعددة.
لقد كان أبو الريش سفيراً للعود السوري في المحافل الدولية، ناقلاً تجربة بلده الفنية بروح مبتكرة، ومؤسساً لمدرسة فنية تخلّد الموسيقا الشرقية بجرأة المعاصرة.
*الوداع المؤلم
في 14 من فبراير 2026، دخل أبو الريش أحد المستشفيات في كندا إثر سكتة قلبية حادة، استمرت نحو 40 دقيقة، جرى خلالها إنعاش قلبه، لكن الفحوصات الطبية أظهرت تأثيرات كبيرة على الأعصاب والدماغ، وسط مخاطر فقدان القدرة على النطق أو الشلل النصفي، ما وصفه الأطباء بـ"حاجة إلى معجزة".
برحيله، يسكت وترٌ كان يضيء العتمة، لكنها ستظل موسيقاه خالدة، ورسالة فنه مستمرة لكل من عرف العود بعيون نزيه أبو الريش.
المصدر: RT