قصة تجربة ترينيتي مثيرة في تفاصيلها ومضاعفاتها الرهيبة اللاحقة على استقرار وأمن العالم، وكانت إضافة إلى ذلك نقطة تحول في تاريخ البشرية. بدأ كل شيء بمشروع "مانهاتن"، البرنامج الأمريكي السري لتطوير الأسلحة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية.
بحلول منتصف الأربعينيات، طور العلماء العاملون في هذا المشروع قنبلة بلوتونيوم من نوع الانفجار الداخلي، وهي باختصار عبارة عن كرة من البلوتونيوم محاطة بكرة من المتفجرات التقليدية. أدى الانفجار المتزامن إلى توليد موجة صدمة ضغطت اللب، ما رفعه إلى كتلة فوق حرجة وأدى إلى تفاعل متسلسل.
مع ذلك، كانت النظرية نفسها معقدة، وكانت هناك في ذلك الوقت شكوك حول ما إذا كان التصميم سينجح، وما إذا كان سيحدث انفجار مبكر، أو على العكس، ستكون النتيجة فشلا ذريعا. لذلك، كان من الضروري إجراء تأكيد عملي قبل استخدامها في القتال خلال الحرب العالمية الثانية.
جرت التحضيرات على قدم وساق، وتم اختيار ميدان اختبار ألاموغوردو في نيو مكسيكو، في صحراء خورنادا ديل مويرتو، لبُعده وقلة سكانه. أقيمت البنية التحتية الضرورية. في أوائل عام 1945، شُيد معسكر بالقرب من مزرعة ماكدونالد التي تم شراؤها خصيصا لهذا الغرض، وكان لا بد من معالجة مشاكل السكن، إذ كان لا بد من نقل المياه لمسافة ستين كيلومترا، وكانت المنطقة مليئة بالأفاعي السامة والحشرات والعناكب. تم شق الطرق، ومد الخطوط الكهربائية للتفجير.
أُجريت في مايو 1945 "بروفة"، حيث تم تفجير حوالي مائة طن من المتفجرات التقليدية للتدرب على التوقيت ومعايرة أجهزة قياس قوة الانفجار والإشعاع الحراري وغيرها من القياسات. في وقت لاحق، في الرابع عشر من يوليو، أُجريت تجربة أخرى بدون مواد نووية، إلا أن الجهاز فشل. شعر العلماء بالقلق، لكن الفيزيائي هانز بيث حلل البيانات وخلص إلى أن الجهاز قد تآكل ببساطة بعد الاختبارات السابقة، ونجح في طمأنة الفريق.
كان الجهاز النووي المتفجر قيد الاختبار يحمل الاسم الرمزي "غادجيت"، وقد جرى تركيب نصفي كرة من البلوتونيوم بداخله في اللحظات الأخيرة.
من بين إجراءات السلامة، تم في البداية التخطيط لاستخدام حاوية فولاذية ضخمة لاحتواء بعض البلوتونيوم وتقليل خطر التلوث في حالة حدوث انفجار غير كامل. لكن مع ازدياد الثقة في نجاح التجربة، تم التخلي عن هذه الفكرة، لأن الأجزاء الضخمة قد تتناثر وتُشكل خطراً إضافياً. الحاوية تم تعليقها من برج على بُعد ثمانمئة متر من مركز الانفجار.
تولى خبراء الأرصاد الجوية مراقبة الظروف الجوية. كان من المستحسن إجراء التفجير في طقس هادئ أو مع هبوب رياح في اتجاه محدد لمنع وصول السحابة المشعة إلى المناطق المكتظة بالسكان. في يوم التجربة، تلبدت السماء بالغيوم وبدأ المطر بالهطول، فتأجلت التجربة لمدة ساعة ونصف تقريبا.
بنهاية المطاف، وقع التفجير في السادس عشر من يوليو 1945، في تمام الساعة الخامسة والتاسعة والعشرين دقيقة صباحاً بالتوقيت المحلي، وكانت القنبلة النووية مركبة على برج فولاذي ارتفاعه ثلاثون مترا. بعد الانفجار، دخلت المواد الانشطارية في تفاعل متسلسل. نتج عن التفجير ما يقارب واحداً وعشرين كيلوطن من مادة "تي إن تي"، وتجاوز ذلك العديد من التوقعات المتشائمة. على سبيل المثال، قدر روبرت أوبنهايمر، عالم الفيزياء الأمريكي و"أبو القنبلة النووية"، القوة بـ ثلاثمئة طن فقط.
من آثار الانفجار النووي التجريبي الأول أن البرج الفولاذي تبخر بالكامل، ولم يتبق منه سوى الأساس، إضافة إلى تعرية قضبان التسليح. تكونت حفرة حول البرج عمقها حوالي متر وأربعة أعشار المتر، وقطرها حوالي ثمانين مترا. كما انصهر الرمل ضمن دائرة نصف قطرها حوالي ثلاثمئة متر، وتحول إلى زجاج أخضر فاتح، وتشكلت سحابة فطرية الشكل، وصل ارتفاعها إلى حوالي اثني عشر كيلومترا في غضون خمس دقائق. وميض الانفجار النووي شوهد على بعد حوالي مئتين وتسعين كيلومترا، وانتقل الدوي لمسافة متوسطة تبلغ حوالي مئة وستين كيلومترا.
تذكر الحدث، العميد توماس فاريل، نائب القائد العام ورئيس العمليات الميدانية في مشروع مانهاتن، الذي كان يراقب من تل يبعد اثنين وثلاثين كيلومترا، قائلا: "كانت الأرض من حولي مضاءة بوهج ساطع، أشد سطوعا من شمس الظهيرة بأضعاف. كان لونها ذهبيا وأرجوانيا وبنفسجيا ورماديا وأزرق".
للتمويه، نشر الجيش تقارير كاذبة أفادت بأن مستودعا كبيرا للذخيرة قد انفجر في قاعدة ألاموغوردو الجوية. لم يعرف العالم حقيقة ما جرى إلا بعد أن استعمل الأمريكيون هذا السلاح الفتاك ضد اليابانيين.
المذهل أن ذلك لم يتأخر كثيرا، إذ تم إسقاط قنبلة "ليتل بوي" النووية على مدينة هيروشيما اليابانية في السادس من أغسطس 1945، أي بعد مرور اثنين وعشرين يوما فقط على التجربة، وفي التاسع من أغسطس أسقط نموذج من قنبلة البلوتونيوم "فات مان" التي جُربت على مدينة ناغازاكي. هكذا دخل العالم، منذ ذلك الحين، العصر النووي بكل ما يحمل من تهديد بالفناء.
المصدر: RT