تُعرف هذه الحادثة المأساوية في الأوساط الشعبية والتاريخية باسم "انقطاع التيار الكهربائي عام 1977"، كما أطلقت عليها وسائل الإعلام المحلية آنذاك لقب "ليلة الرعب"، وذلك لما خلفته من رعب وذعر في نفوس سكان المدينة.
جاءت هذه الكارثة كنتيجة مباشرة لصواعق كهربائية عنيفة ضربت المعدات الحيوية لشبكة توزيع الطاقة، ما جعلها واحدة من أكثر الأحداث المأساوية التي مرت بها المدينة في تاريخها الحديث.
هذه الكارثة، التي كان مصدرها طبيعيا في الأساس، لم تقتصر آثارها على الجانب المادي فحسب، بل تجاوزته إلى إشعال فتيل مشاكل اجتماعية واقتصادية متراكمة، ما أدى إلى فوضى عارمة طالت شوارع المدينة، وعمليات نهب واسعة النطاق لم تستثن المتاجر الصغيرة ولا الكبيرة، وحرائق متعمدة أشعلها المخربون في مبان مختلفة.
في البداية، وفي تمام الساعة الثامنة وسبع وثلاثين دقيقة مساء، ضربت صاعقة كهربائية محطة بوكانان الجنوبية الفرعية، التي تعمل بجهد 345 كيلو فولت، وتقع بالقرب من نهر هدسون. تسبب هذا الصاعقة في تعطل قواطع الدائرة الكهربائية في المحطة، وباءت محاولات إعادة تشغيلها بالفشل، وذلك لأن إحدى الصواميل المستخدمة في تثبيت القواطع كانت قد تعرضت للتفكك، ما حال دون عودة أحد القواطع إلى العمل بشكل طبيعي. بعد مضي ثماني دقائق فقط على هذا العطل، أي عند الساعة 20:45، تسببت صاعقة أخرى في انقطاع خطي نقل الطاقة الرئيسيين اللذين يربطان محطة "إنديان بوينت" للطاقة النووية بمدينة نيويورك، وكان هذان الخطان يحملان طاقة تقدر بنحو 900 ميغاواط، وعندها باءت محاولة تشغيل مولدات الطوارئ عن بعد بالفشل أيضا، ما زاد من حدة الأزمة.
لم تهدأ العاصفة الكهربائية بعد، فبعد مرور عشر دقائق أخرى، أي في الساعة 20:55، تسببت صاعقة ثالثة في انقطاع التيار عن خطي نقل طاقة آخرين كان لهما أهمية حيوية في تغذية المدينة، غير أن أحد هذين الخطين فقط هو الذي استأنف العمل، بينما بقي الآخر معطلا.
ازدادت أحوال ليلة الرعب في نيويورك سوءا بعد مرور أربع وعشرين دقيقة من الحادثة الأولى، حيث انقطع التيار الكهربائي عن خط آخر نتيجة ارتفاع درجة حرارته بشكل مفرط، وذلك بسبب انحناء الأسلاك وانخفاضها إلى درجة تسببت في تلامسها مع الأرض أو مع أجسام أخرى، ما أدى إلى توليد حرارة زائدة. في أعقاب ذلك، بدأت قواطع الدائرة الكهربائية على الخطوط المتبقية في الشبكة بالانقطاع تباعا، وكأنها قطع دومينو تساقطت الواحدة تلو الأخرى.
كما يقال إن المصائب لا تأتي فرادى، فما إن مضت ثماني دقائق إضافية حتى انقطع التيار الكهربائي عن الوحدة رقم ثلاثين في محطة رافينزوود لتوليد الطاقة والحرارة، وهي محطة رئيسة كانت تزود أجزاء كبيرة من المدينة بالكهرباء.
عندما حلت الساعة الحادية والعشرين والسادسة والثلاثين دقيقة، أي في تمام 21:36، غرقت مدينة نيويورك بأكملها في ظلام دامس شامل، باستثناء حي جنوب كوينز الذي كان يتلقى خدماته من شركة كهرباء أخرى غير الشركة المغذية لبقية الأحياء. في تلك اللحظة الحرجة، أصبح نحو تسعة ملايين شخص يعيشون في ظلام دامس، وتعطلت معه المصاعد في المباني الشاهقة، وتوقفت قطارات الأنفاق عن السير، وشلت شبكات الصرف الصحي، وفقدت أجهزة الإنذار والمراقبة فعاليتها، وانقطعت إشارات التلفزيون، ما زاد من شعور المواطنين بالخوف والعزلة.
مع الظلام الدامس، عمت الفوضى شوارع المدينة وانتشرت أعمال النهب على نطاق واسع لم يسبق له مثيل. فقد اقتحمت حشود غاضبة من المواطنين والمخربين المتاجر، وكسرت الأقفال والأبواب الزجاجية، وسرقت البضائع بمختلف أنواعها، ولم يقتصر الأمر على السرقة بل تعداه إلى إشعال الحرائق في المباني بقصد تشتيت انتباه رجال الشرطة والإطفاء. جرى الإبلاغ عن أكثر من ألف حريق متعمد في تلك الليلة وحدها، ما أسفر عن إصابة أكثر من مائة رجل إطفاء أثناء محاولاتهم السيطرة على النيران المشتعلة في كل حي.
سرعان ما خرج الموقف عن سيطرة السلطات المحلية، ما دفع رئيس السلطات المحلية آنذاك، أبراهام بيم، إلى إعلان حالة الطوارئ في المدينة، واستدعاء قوات إضافية من الشرطة لفرض النظام. بعد جهود مضنية، تمكنت الشرطة من إلقاء القبض على حوالي 4500 شخص متورطين في أعمال النهب والحرق، لكنها اضطرت في النهاية إلى الإفراج عن العديد منهم بسبب اكتظاظ مراكز الشرطة وعدم قدرتها على استيعاب هذا العدد الهائل من الموقوفين، ما أثار موجة من الانتقادات لضعف الإجراءات الأمنية.
كانت الخسائر المادية والأضرار الناجمة عن تلك الليلة هائلة حقا، إذ نُهبت ودُمرت أكثر من 1600 متجر ومحل تجاري، وقُدّرت قيمة الخسائر المادية الإجمالية بأكثر من 300 مليون دولار في ذلك الوقت، وهو ما يعادل حوالي 1.5 مليار دولار بالقيم الحالية بعد احتساب التضخم. كما أصيب نحو 59 رجل إطفاء أثناء قيامهم بواجبهم في إخماد الحرائق، بالإضافة إلى عدد غير محدد من المصابين بين صفوف الشرطة والمواطنين.
تعزى جذور هذا الانفجار الاجتماعي العنيف إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها الولايات المتحدة خلال تلك الفترة، حيث عانى نحو أربعين في المئة من أفراد الطبقات الدنيا في المجتمع من البطالة والفقر المدقع، ما هيأ الأرضية لاندلاع أعمال العنف عند أول هزة.
الأدهى من ذلك، أن المدينة كانت تعيش في حالة من الرعب المستمر بسبب نشاط قاتل متسلسل كان يروع السكان، ما زاد من حدة القلق والذعر بين المواطنين، وجعل تلك الليلة أكثر سوادا مما هي عليه.
منذ عام 1976، كان قاتل مهووس يُعرف بلقب "ابن سام" يصول ويجول في شوارع نيويورك، ويترصد الشباب ويقتلهم بمسدسه، إلى أن تبين لاحقا أن اسمه الحقيقي هو ديفيد بيركوفيتش، وكان يبلغ من العمر أربعا وعشرين سنة وقت ارتكاب جرائمه، وهو الآن يقبع في السجن مدى الحياة، وقد تجاوز عمره السبعين عاما.
المفارقة المدهشة في تلك الليلة المظلمة هي أن تطورا ثقافيا مهما برز من رحم الفوضى، حيث أدى نهب متاجر الموسيقى في الأحياء الفقيرة إلى توفير معدات احترافية ثمينة، مثل أجهزة تشغيل الأسطوانات وخلاطات الصوت ومكبرات الصوت، ما أعطى دفعة قوية لتطور ثقافة الهيب هوب التي كانت قد ظهرت قبل هذا الحدث بثلاث سنوات فقط، لكنها ظلت في مهدها ولم تحقق أي انتشار يذكر.
خلال ليلة السرقة تلك، تمكن الأطفال السود الفقراء من الحصول على تلك المعدات الموسيقية الباهظة الثمن، وبدأوا تجاربهم الفنية، ونقلوا هذا النوع الموسيقي إلى مستوى جديد من الشهرة والانتشار الواسع، لتصبح ليلة الرعب نقطة تحول غير متوقعة في تاريخ الموسيقى الشعبية الأمريكية.
لا تزال أحداث "ليلة الرعب" في نيويورك عام 1977 محفورة بعمق في ذاكرة سكان المدينة، وتُذكر كواحد من أحلك الفصول في تاريخها الحضري، وهي أيضا علامة باقية تحذر من هشاشة النظام الاجتماعي، وتذكرنا بأن الكثير من البشر لا يحتاجون إلى الكثير من المبررات لينطلقوا خلف دوافعهم الشريرة، وأنه يكفي أن يُحرم الناس من الكهرباء ليوم واحد كي تعم الفوضى والعنف على الفور، وتتحول مدينة آمنة إلى ساحة حرب ونهب في غضون ساعات قليلة.
المصدر: RT