ماذا كان دور البارتيزان في إحباط الحرب الخاطفة لألمانيا النازية ضد الاتحاد السوفيتي؟ ماذا كان تكتيك فصائل البارتيزان ضد قوات الفيرماخت وكيف استطاعت التغلغل عميقا خلف خطوط الجبهة في الأراضي السوفيتية المحتلة؟ ما هي تفاصيل العملية التي دخلت الكتب العلمية لأجهزة الاستخبارات الروسية؟ تأتيكم التفاصيل في هذه الحلقة مع العقيد المتقاعد في جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، الباحث المتخصص في تاريخ الاستخبارات السوفيتية الدكتور ألكسندر بوندورينكو.
سيادة العقيد مرحبا!
بوندارينكو1
مرحبا!
خالد 2
سعيد بلقائك مرة أخرى. اليوم نواصل لقاءاتنا للحديث عن أشهر رجال الاستخبارات السوفيت. وانتهز الفرصة لأهنئك بصدور كتابك الجديد المكرس لشخص يعتبر أسطورة في تاريخ العمل الاستخبارتي غير الشرعي السوفيتي – أليكسي بوتيان. واليوم سنتحدث عن المرحلة التي كان فيها بوتيان قائدا لأحد فصائل البارتيزان خلال الحرب العالمية الثانية وقام بعمليات تخريبة ضد النازيين في الأراضي السوفيتية المحتلة. بصراحة كنت أرغب في لقاءه، عندما كان على قيد الحياة، إلا أنني أعرف جيدا أن الاستخباراتيين من أمثال أليكسي بوتيان لا يحبون الحديث عن مآثرهم ولا يحبذون الحديث حتى عن تلك الأمور التي رفعت عنها السرية. لذلك، يسعدني هنا أننا سنتحدث وإياك تحديدا عن أليكسي بوتيان وعن نشاطه في فترة الحرب العالمية الثانية، لأنك درست سيرته من كافة الجوانب وقد أوردت في كتابك شهادات لا تستند فقط إلى أقوال أليكسي بوتيان، بل على شهادات عدد كبير من رفاقه وأصدقائه، إضافة إلى المقربين إليه من أقاربه. سأبدأ من اقتباس في الصفحة 69 من كتابك، وقد أوردت فيها وثيقة هامة للغاية. بقراءة هذه الوثيقة تتضح تماما الشحنة الأيديولوجية الموجهة للجنود الألمان لمواجهة الجيش الأحمر. هذه الوثيقة تخص توجيهات المارشال فالتر فون رايخناو في العاشر من أكتوبر ألف وتسعمئة وواحد وأربعين: "ما زال عند البعض تصور غير واضح لأسباب مواجهة الوحدات العسكرية الألمانية للمنظومة البلشفية. هدفنا الرئيس يتمثل في القتال ضد النظام اليهود-بلشفيي للاتحاد السوفيتي، وتدمير قواته المسلحة بالكامل واجتثاث تأثيرها الآسيوي على الثقافة الأوروبية. وبناءا عليه، تقف أمام الوحدات العسكرية مهمة تتجاوز أطر مهام الجنود السابقة. الجندي على الجبهة الشرقية لا يعتبر مقتالا فقط، بل هو حامل للأفكار الوطنية ومنتقم من البلشفيين على الفظائع التي ارتكبوها ضد الألمان والأعراق القريبة لنا."
* من فضلك، اشرح لنا جوهر هذه الوثيقة؟
بوندارينكو2
بتقديري، هذه وثيقة مفرطة في دعائيتها ولا تعكس الحقيقة. نبدأ من الناحية الأيديولوجية. في حقيقة الأمر اعتبر هتلر أن أعداء دولته الرئيسيين هم الشيوعيون تحديدا وليس اليهود البلاشفة. والدليل على ذلك موثق بشكل جيد في كتاب " جنود الفيوهرر اليهود". الكتاب احتوى على وثائق أكدت أن حوالي 150 ألف يهودي خدموا ضمن قوات الفيرماخت البحرية والجوية. مع مراعات كل الحالات - من كان نصف أو ربع يهودي.
خالد 3
بالمناسبة، لقد لاحظت أنه عندما شكل الألمان في الأراضي السوفيتية المحتلة، فصائل البارتزان المزيفة، جعلوا قادتها من اليهود تحديدا لغرض التضليل. ليظن السوفيت أنه طالما أن يهوديا على رأس هذا الفصيل أو ذاك من البارتيزان فمن المستحيل أن يكون هذا الفصيل مشكلا من العملاء الألمان. وهذا يعني، أن الفصيل حقيقي وليس مزيفا.
بوندارينكو 3
بالفعل هناك أمثلة عن ذلك في كتابي.
خالد4
وأنا أتحدث عما قرأته في كتابك تحديدا.
بوندارينكو 4
نعم. صحيح. اليهود خدموا في الفيرماخت، في مختلف وحدات الجيش ، وحتى في فصائل النخبة الإس إس. لدرجة أن بعضهم أصبحوا جنرالات. لذلك أكرر، القيادة الألمانية كانت تعتبر أن الشيوعيين هم العدو الرئيسي. أما فيما يتعلق بالوثيقة التي اقتبست منها، فهي موجهة إلى الجنود المعبئين ضد اليهودية ومشتقاتها من البلشفية وأشباهها. كاتب تلك الوثيقة تستهدف الجندي الألماني العادي، لإقناعه بأن اليهود كقومية هم العدو الرئيسي، وليس الشيوعيين ككل.
خالد 5
لديك اقتباس في بادية كتابك حول الوضع الذي وجد المواطنون السوفيت أنفسهم فيه بعد اجتياح القوات النازية لأراضي الاتحاد السوفيتي. وبالتحديد اقتبست من ذكريات والد أليكسي بوتيان. الألمان احتلوا القرية التي كان يسكنها وجمعوا كل السكان معا، حيث أعلن لهم ضابط من الفيرماخت أن القيادة الألمانية تعتبرهم جميعهم من البارتيزان ومن الخارجين عن القانون أو الداعمين للبارتيزان. وبناءا عليه تجب معاقبتهم بصرامة كمتعاونين معهم. وقد أدركوا تماما أن الألمان باستطاعتهم تدمير قريتهم بالكامل وقتل جميع السكان.
وقد أوردت إحصائيات في كتابك.
بوندارينكو5
دمروا عددا هائلا من القرى.
خالد 6
نعم. دُمرت 9200 قرية في الأراضي المحتلة.
بوندارينكو6
في أراضي بيلاروسا وحدها.
خالد7
على أراضي بيلاروسيا 9200 قرية دُمرت.
بوندارينكو7
من الصعب إحصاء كم دُمروا في أراضي روسيا ...
خالد8
إجمالا، نعم، أكثر بكثير.
بوندارينكو8
...وأوكرانيا؟!
خالد9
أكثر من 1400000 مدني قتل، فوق ال 800000 أسير حرب. أود مواصلة الحديث عن إجابة والد أليكسي بوتيان على الضابط الألماني. قال له: " أيها السيد الضابط، أنا عشت في ألمانيا وأجيد اللغة الألمانية. أنا أحترم بلدكم الجميلة وثقافتها الرائعة. أنا لم أعتقد أبدا أن الأمور ستؤول إلى ما آلت إليه. أيها السيد الضابط، إنكم الآن، عندما احتليتم قريتنا ووجهتم بنادقكم نحونا، رأيتم أننا نزعن لكم. إذ أننا لا نملك خيارا. لكن، أيها السيد الضابط، لا خيار أماما إلا أن نتصرف بذات الطريقة عندما يأتي البارتيزان إلينا ليلا ولديهم أيضا بنادق ورشاشات. وهم أيضا يأخذون منا كل شيء، كل ما لم نستطع أو ما لم يسعفنا الوقت لإخفائه عنهم". أفهم من هذا الاقتباس أن السكان المدنيين لم يكن لديهم أي خيار أصلا..
بوندارينكو9
خالد، أذكرك بالحرب الوطنية في روسيا عام 1812. كان أشهر البارتيزان الروس آنذاك – الفريق دينيس دافيدوف وقد كتب آنذاك عن المدنيين التعساء الذين تواجدوا في المناطق التي جرت فيها العمليات العسكرية بين الروس والفرنسيين. تعساء لأن الجنود الروس يأخذون طعامهم، والجنود الفرنسيون يأخذون منهم كل ما يمكن أخذه. إذ قال نابليون حينها: "الحرب تطعم نفسها بنفسها. الإمدادات دائما تتخلف عن الخطوط الأمامية، والجنود دائما يسرقون." انتهى الاقتباس. هذا ما يحدث، في كل الأوقات وتحت كل الظروف. الحرب - معاناة. من أين تحصل على الطعام، حتى لهؤلاء البارتيزان أنفسهم. رجال منهكون، جوعى. بالطبع، يلجأون إلى أهل القرى. إبان الحرب الوطنية العظمى أصبحت بعض المناطق السكنية فدائية بحق وحقيق. أي أن نصف السكان غادروا إلى الغابات وانضموا إلى فصائل البارتيزان. والنصف الآخر أمّن لهذه الفصائل الطعام وقدم لها كل أنواع الدعم. أما بعض القرى فكانت محايدة بالنسبة للبارتيزان والألمان. لم يكن عبثا تطرُقنا، إلى أن من ظَلّ في القرى بشكل أساسي، هم النساء وكبار السن والأطفال. لم يكن باستطاعتهم مقاومة أي أحد لأنهم كانوا غير مسلحين. وأغلبهم كان، ببساطة، مرغما على التعامل مع الألمان المحتلين. بالطبع، هذا لم يعجب جماعات البارتيزان السوفيت، اللذين كانوا، وفق وضعهم، أيضا محقين في موقفهم، فهم كانوا مجبرين على العيش في ظروف صعبة، وسط المستنقعات وفي الغابات الباردة، حيث يموتون من الأمراض، ورغم ذلك يقاتلون النازيين! هذا في الوقت الذي كان مواطنوهم، فعليا، يعملون لصالح العدو. ومع ذلك ماذا كان بوسع أولئك الأطفال والنساء وكبار السن أن يفعلوا في مواجهة جيش مسلح؟ هل سترسل الأطفال إلى القتال؟ الكل كان يريد الحفاظ على حياة أطفاله، كان عليهم إطعامهم وتوفير ظروف للبقاء بشكل أو بآخر على قيد الحياة. لذلك اضطروا للعمل مع المحتل. هنا تكمن بشاعة الحرب. الآن لم نعد نقدر موقفهم تماما. بالفعل وجد الأهالي أنفسهم بين المطرقة والسندان. وبالمقابل اعتمد الألمان سياساتهم الخاصة مدركين أن السكان المحليين يساعدون البارتيزان. خاصة وأن تلك الحرب كانت أيضا آيدولوجية وهذا لايجب نسيانه. تصادمت منظومتان، والمنظومة الشيوعية حققت النصر في النتيجة. الشيوعيون السوفيت تمتعوا بدعم الشعب، ولذلك انتصروا في نهاية المطاف. هذا أمر لا يجب نسيانه.
خالد 10
بدأ فريق الاستخبارات والعمليات التخريبية" أوليمب"، الذي خدم فيه أليكسي بوتيان، الاستعداد، في عام 1942 للعمل خلف خطوط الجبهات حيث سيطرة جيش العدو, في أراضي غرب أوكرانيا التي احتلها الألمان. أستشهدت في كتابك بكلمات أليكسي بوتيان حول هذا الموضوع. اقتباس: " لماذا بدأنا العمل بالتحديد في ذاك المكان؟ عندما احتل الألمان بيلاروسيا، ظهرت هناك، فورا جيوب المقاومة، الشيء الذي لم يحدث في أوكرانيا. لقد تم استقبال الألمان بكل ترحاب على الحدود. خاصة في غرب أوكرانيا، حيث أرادوا الإنفصال عن روسيا فورا. إلا أن الألمان لم تكن لديهم أي رغبة في جعل وكرانيا مستقلة. مهمة فرقتنا كانت تتمثل في تغيير هذا المزاج وسط السكان المحليين، وتحسين الوضع." إذن، اختلف موقف المواطنين من الاحتلال في أوكرانيا عنه في بيلاروسيا...
بوندارينكو 10
بالفعل, لأنه أولا تم ضم غرب أوكرانيا إلى الاتحاد السوفيتي في عام 1939، بالتحديد عشية الحرب العالمية الثانية. ثانيا، الألمان، على الدوام، أبدوا اهتماما بالغا بغرب أوكرانيا. وهذا كان إبان الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية كذلك. لذلك، ومنذ بداية احتلال غرب أوكرانيا اختلف سلوك الألمان تماما عما كان عليه مثلا، في مناطق شرق أوكرانيا وبيلاروس. فهم لم يحرقوا القرى في غرب أوكرانيا، ولم يمارسوا الإبادة الجماعية، أي كانوا أكثر إنسانية.
خالد 11
لكن بالإضافة إلى ذلك، فالقيادة الألمانية في غرب أوكرانيا بدأت فورا في دعم الحركات القومية، الموالية للنازية والمعادية للسوفيت. هم أرادوا استغلال توجهات غرب أوكرانيا للاستقلال، بفعالية في حربهم ضد الجيش الأحمر والمتعاطفين مع النظام السوفيتي.
بوندارينكو 11
بالفعل, الألمان دعموا الأوكرانيين الغربيين، لكنهم لم يسمحوا بتقوية حركتهم! فقد أنهوا نشاطهم فور إعلان الأوكرانيين الغربيين تشكيل حكومة الدولة الأوكرانية كبلد مستقل في أوروبا الجديدة في يونيو 1941. وقد اعتقل الألمان ستيبان بانديرا وأقاموا نظامهم الخاص.
خالد12
نعم. سبب توجيهي لهذا السؤال هو أن أليكسي بوتيان والمقاتلين الآخرين في فرقته كان صعبا عليهم العمل في أراضي أوكرانية الغربية ومن بعدها في بولندا. أي أن تشكيل الحركة السرية للبارتيزان هناك كان أصعب.
بوندارينكو 12
بالطبع.
خالد 13
لقد كان عملا صعبا جدا وخطرا للغاية، كالمشي على حافة الهاوية. فالتواجد في أراضي سيطرة العدو يجعلك معرضا للتعذيب الوحشي في حال تم القبض عليك؟
.وندارينكو13
بالفعل. مع أن القوميين الأوكرانيين أعلنوا أنهم سيقاتلوا ضد الجيش الأحمر والجيش الألماني، لكنهم قاتلوا أساسا ضد الجيش الأحمر. لذلك، أنت محق، فهم كثيرا ما سلموا للألمان من أثار لديهم أقل قدر من الشكوك. وقتلوا بأنفسهم الكثيرمن المدنيين.. أعداد من قتلهم القوميون الأوكرانيون من البارتيزان ومن شيوعيي الجيش الأحمر والمدنيين كبيرة جدا.
خالد 14
في كتابك باب بعنوان: " العملية، التي أصبحت ضمن مقررات التدريس" إلا أن الحديث ليس عن مقررات المدارس، بل عن مقررات أخرى...
بوندارينكو 14
في المقرر "د"!
خالد15
نعم. في المقرر "د"
بوندارينكو15
وأولئك الذين درسوا هذه المادة.، هم من يعرفونها.
خالد 16
إنها المادة المكرسة لتدرس العمليات التخريبية في معاهد اعداد كوادر الاستخبارات.. وقعت في العمليات العسكرية التي قام بها أليكسي بوتيان حادثة قرأت سردها، وكأنها قصة بوليسية. كان من الصعب تصور حدوث شيء كهذا في الواقع. حدثنا من فضلك عن هذه القصة المثيرة. لا أريد قراءة مقتطفات من كتابك عنها، اذ أريدك ان تسرد القصة بنفسك..
بوندارينكو 16
هذه القصة حدثت في سبتمبر عام 1943 في مدينة أوفروتش الأوكرانية، حيث كان المبنى الإداري للقيادة الألمانية ولقسم الجستابو المحلي إضافة إلى مقر هيئات نازية أخرى هامة. خطرت لأليكسي بوتيان فكرة تفجير هذا المبنى وما به من القيادات الألمانية والوثائق السرية الهامة. لكن كان يجب تحديد كيفية إجراء العملية.
خالد17
تقع المدينة في شمال أوكرانيا؟
بوندارينكو 17
نعم. أنت تعلم أنه فقط في الأفلام البوليسية تبدو عمليات التفجير سهلة لكن في الواقع الأمر بالغ التعقيد، لأن المبنى يجب تفخيخه فكيف يمكن إدخال المواد المتفجرة إليه؟! بالمناسبة أُخرِج فيلم وثائقي عن هذه العملية بعنوان "سعادة رجل الاستخبارات" ضمن مسلسل "المبارزات". الفلم أوضح جيدا أنه كان للنازيين نظام تصريحات دخول ومراقبة في غاية الصرامة، لذلك كان يجب التفكير جيدا في كيفية اختراقه. وهكذا قرر أليكسي بوتيان إيجاد مساعدين وسط السكان المحليين. لفت انتباهه، في إحدى القرى رجلا في حوالي الثلاثين من العمر كان قد خدم قبل الحرب في الجيش الأحمر ثم تم تسريحه فعاد إلى قريته وتزوج وولد له طفل. عندما بدأت الحرب واحتل الألمان أوكرانيا لم يعد ممكنا استدعائه للإنضمام للجيش. أليكسي بوتيان، تعرف عليه، مقدما نفسه كمواطن عادي من القرية المجاورة ثم اعترف له أنه من فصائل البارتيزان. عندها قال هذا الرجل لأليكسي بوتيان إن له قريبا يعمل في مبنى الإدارة الألمانية. بوتيان لم يظهرللرجل اهتمامه بالمعلومات التي سمعها، لكنه أبلغ بها رئيسه المباشر في جهاز الاستخبارات وهو فيكتور كاراسيف. وهنا اتضح أن الفرصة أصبحت سانحة لفريق الاستخبارات السوفيت كي يفخخوا المبنى الذي تعمل فيه القيادة العسكرية الألمانية بمساعدة ذاك الرجل. وعندما عاد بوتيان في المرة التالية إليه رافقه زملاء فرقة البارتيزان سرا. تنكروا جيدا، وتعقبوه، نظرا لعدم وجود أي ضمانات..
خالد 18
بأن الرجل لن يُسلم بوتيان للألمان؟
بوندارينكو18
صحيح. فقد يُنصب له فخ في بيت صديقه الجديد. لكن اللقاء دون أي حادث طارئ فطلب أليكسي بوتيان من الرجل أن يعرفه بقريبه الذي يعمل في الإدارة الألمانية. فاقترح عليه الذهاب إليه فورا، قال" فلنذهب الآن إلى أوفروتش، وسأعرفك عليه" فوافق بوتيان. رغم أنه، ووفق قواعد عمل جماعة البارتيزان، كان يجب التحقق من الشخص الذي في أوفروتش، بغض النظر عن حصولهم على بعض المعلومات التي تؤكد أنه كان يعمل سباكا في مقر إدارة الإحتلال الألماني. في حقيقة الأمر لم يكن عدوا للسلطة السوفيتية، بل كان إنسانا عاديا وجد نفسه في ظروف صعبة في الأراضي المحتلة.
خالد19
مضطر لإطعام أسرته؟
بوندارينكو19
كان يجب إطعام الأسرة. على أي حال بوتيان، قام بمخاطرة كبيرة جدا بموافقته على الذهاب إليه فورا.
خالد 20
رتبوا الأمر بحيث تبقى زوجة الرجل في القرية كرهينة....
بوندارينكو 20
لم أصل إلى هنا بعد!
خالد 21
من باب الحيطة
بوندارينكو21
بالفعل أليكسي بوتيان خطط بالشكل التالي: هما يذهبان إلى أوفروتش، على أن يقوم زملاؤه من فرقة البارتيزان بمراقبة بيت الرجل وزوجته وطفله، بالطبع. أليكسي بوتيان أضطر لتغيير ملابسه...
خالد 22
أوضح لمشاهدينا: في غرب أوكرانيا كانت هناك قرى كثيرة تقع بالقرب من الغابات حين عملت فرق البارتيزان، وكان هؤلاء عند دخولهم القرى يستبدلون ملابسهم بملابس السكان المحليين لأغراض التنكر ولكي لا يميز الألمان بينهم وبين السكان المحليين.
بوندا رينكو22
ليس دائما.
خالد 23
أليس كذلك؟
بوندارينكو 23
... الأمر يتعلق بطبيعة المهمة! في هذه الحالة بوتيان أضطر لتغيير لبسه بملابس أهل المدينة.
خالد24
حسنا.
بوندارينكو 24
غني عن القول أن خطورة الخروج بزي الجيش الأحمر تبلغ حد التعرض للقتل. وهكذا ارتدى أليكسي بوتيان زي أهل المدينة وحمل معه مسدسا وقنبلة يديوية وتوجه مع هذا الشاب إلى لقاء السباك. أليكسي بوتيان كان يدرك عندها أن النتيجة يمكن ان تكون وخيمة. وصلوا إلى ذاك الشخص واضطر بوتيان إلى إجراء حوار صعب للغاية، معه. سأل بوتيان السباك لماذا يعمل لدى الألمان. وجاءته الإجابة: لضرورة إطعام الأطفال، وبعدها سأله: " وماذا ستفعل لاحقا؟ نحن سنطرد الألمان قريبا من هنا. أنت على علم بأننا انتصرنا على مشارف كورسك وستالينغراد! عليك التكفير عن ذنبك الذي ارتكبته بحق الوطن بخدمتك للألمان. فسأله الرجل فورا: ما الذي يجب عمله؟ وهنا أوضح بوتيان خطة تفجير مبنى الألمان الإداري. وبدأوا التفكير في كيفية تنفيذ العملية. في البداية رسم السباك خريطة المبنى. ثم حدد أليكسي بوتيان مكان وضع المتفجرات بحيث يؤدي إلى انهيار المبنى. إلا أن كل شيء بدى جيدا على الورق فقط. أما في الواقع فقد توجب حل قضيتين هامتين. المشكلة الأولى كانت في كيفية توصيل المتفجرات إلى السباك. والمشكلة الثانية تمثلت في إدخال المتفجرات إلى المبنى الإداري، وهذه كانت المهمة الأصعب. توصيل المتفجرات إلى المدينة كان أسهل، وضعوها في أكياس مع بطاطس وحملوها مفتوحة حتى يرى الجيران أن السباك جاءه مؤن من أهله في القرية، ما لم يكن أمرا مستغربا، في ذاك الوقت بما أن الناس كانوا يساعدون بعضهم البعض بكل الطرق الممكنة. ولكن ما السبيل لإدخال المتفجرات إلى المبنى؟ الألمان يفتشون جميع من يدخل المبنى وخاصة العمال الروس والأوكرانيين، أي المواطنين السوفيت.
خالد 25
في هذه الحالة، كانوا أوكرانيين.
بوندارينكو 25
وهكذا، أصبح السؤال عن كيفية إدخال المتفجرات إلى المبنى. وهنا قالت زوجة السباك إنها ستُساعده في إدخال المتفجرات. لكن كيف؟ كانت تحضر إليه الغداء كل يوم. الألمان كانوا يعتبرون أنفسهم عرقا أسمى، ولم يسمحوا للسكان المحليين بدخول المطعم معهم. لذلك كان السكان المحليون يحملون أكلهم معهم أو تحضره لهم زوجاتهم. مسلسل "المواجهة" أوضح بشكل جيد كيف سئم الحراس الألمان من تفتيش الزوجات حاملات الطعام، لأن أكله كان ممنوعا بينما كانت رائحته لذيذة جدا. وبمجرد أن توقف الألمان عن تفتيش زوجة السباك، اخذت تضع المتفجرات مع الطعام في السلة وتحضرها إلى مبنى الإدارة كل يوم. الألمان كانوا يعرفونها جيدا، يعرفون أنها تأتي إلى السباك. خاصة وأن حضورها مع طفلين أبعد عنها الشبهة. باختصار هي أعمت يقظة الألمان. كانت تُحضر المتفجرات ثم يخزنها السباك في القبو وبعد ذلك يحولها إلى المكان المطلوب. وهكذا بالتدريج كانت تتم عملية تفخيخ كل المبنى. وعندما تراكمت الكمية الكافية من المتفجرات بقي تحديد اللحظة الملائمة للتفجير. وبمجرد أن علم بوتيان بحضور أخصائيي جهاز مكافحة البارتيزان من برلين إلى أوفروتش، قرر تنفيذ عملية التفجير فورا. وبناءا عليه، تم تسليم السباك آلة وساعة التفجير، على وجه السرعة. وضع السباك آلة التفجير في المكان المخصص لها، وتم إجلاؤه هو وزوجته والطفلين إلى الغابة حيث كان فريق البارتيزان بانتظارهم. وفي الساعة الحادية عشر مساءا بتوقيت ألمانيا...
خالد 26
وفي الثانية ليلا بتوقيت موسكو...
بوندارينكو 26
نعم. أي عندما ذهبت كل القيادة الألمانية إلى النوم، لترى آخر أحلامها في هذه الحياة، وقع الانفجار. المبنى تدمر. وقُتل عدد كبير من الألمان.
خالد 27
أوضِح هنا، كي يعلم المشاهدون، مدى المخاطرة التي قام بها هؤلاء الناس البسطاء. النازيون مارسوا أفظع ألوان التعذيب على من تعاون مع الابارتيزان. خلع الأظافر كان من أكثر عمليات التعذيب رفقا. كما كانوا يغرزون الإبر بين الأظافر، أو حتى يعذبون الأطفال أمام أعين أمهاتهم. ولو أنهم كشفوا أمر السباك وزوجته لعرضوهم لأبشع أنواع التعذيب ثم قتلوهم.
بوندارينكو 27
وكانت مجازفة بحياة طفليهما أيضا.
خالد28
لقَتَل الألمان الزوج والزوجة والطفلين في حال القبض عليهم.
بوندارينكو 28
صحيح!
خالد 29
ربما سبب هذا توترا نفسيا لا مثيل له لكل الأسرة، أن تحمل كمية من المتفجرات لمدة اسبوعين حتى تصبح كافية لإجراء العملية!!
بوندارينكو 29
بالفعل، الوضع النفسي للمرأة التي حمل المتفجرات – مرعب.
خالد 30
بالتأكيد!
بوندارينكو 30
وماذا لو انفجرت فجأة؟! وهو أمر بسيط للغاية، يكفي أن تسقط السلة بالصدفة! هذا في حد ذاته كاف للرعب. لذا، أنت على حق، هذا كان عملا بطوليا، نعم.
خالد 31
في الصفحة 186 من كتابك أستشهدت بكلمات أحد زملاء أليكسي بوتيان. اقتبس: "يمكنني القول، إن بوتيان قام بتصفية حوالي 200 شخص من الأعداء، هذا حسب تقديراتي وبناءا على تحليل قصص أصدقاء وزملاء بوتيان. ولا أقصد من قضى عليهم في المعارك، فأولئك ربما، لا يمكن إحصاؤهم. ، بل أتحدث عمن قام بتصفيتهم، من الخونة من خدام هتلر والجلادين ومرتكبي جرائم التعذيب." انتهى الاقتباس. ثم كتبت: الألمان في الحرب الوطنية العظمى لم يلتزموا في أراضي الاتحاد السوفيتي بطبيعة الحال ببنود معاهدة جنيف حول التعامل مع أسرى الحرب. وتصرفوا بقسوة بالغة مع السكان المحليين. ومن جانبهم، لم يشفق البارتيزان على من رأوا أنهم خونة. نهاية الاقتباس. سؤالي ألم يكن محتملا أنه كان ممن قام بتصفيتهم بوتيان أمثال ذاك السباك الذي كان مضطرا للتعاون مع الألمان حفاظا على سلامة أسرته؟
بوندارينكو 31
أنت تدرك أن التعامل مع العدو يمكن أن يكون بأشكال مختلفة. حدث أن أولئك الذين خدموا مع العدوا تجاوزوا في وحشيتهم الهتلريين أنفسهم. أولئك الخونة أرادوا بذلك إظهار الولاء التام للألمان. هناك من عمل عندهم كمدون أو مترجم، هؤلاء بالطبع لم يعدموا أحدا، خاصة وأن شخصا كهذا كان مفيدا لسلطاتنا، كمصدر للمعلومات. هؤلاء لم يقتلهم أحد، بل كان يتم اعتقالهم ونقلهم إلى موسكو. عندما بدأت محاربة فصائل البارتيزان الوهمية، التي شكلها الألمان، وعندما جرى القتال مع عصابات الأوكرانيين القوميين، هناك، نعم، قتل البارتزان الأعداء بلا شفقة. في كتابي أصف حادثة أطلق فيها أليكسي بوتيان النار على عميل ادعى انه من البارتيزان عندما حاول إطلاق النار على المفوض السوفيتي لفصيل البارتيزان. هذا بالتحديد حصل عندما تسلل ضباط المفوضية الشعبية لوزارة الداخلية داخل فصيل البارتيزان الوهمي الذي شكله الألمان. أي أن الألمان أرادوا خداع أجهزة استخباراتنا، فخدعهم ضباط استخباراتنا. لم يكن هناك مخرجا آخر. أنها الحرب.
خالد 32
نعم. أستشهدت بإحصائية لمساهمة حركة البارتيزان في النصر الشامل للاتحاد السوفيتي. ما رأيك، ما مدى أهمية هذه المساهمة، مقارنة بالعدد الإجمالي للقوات السوفيتية وتكتيكات المعارك الحربية والمؤشرات الأخرى. ما هي درجة أهمية حركة البارتيزان في الانتصار الشامل على ألمانيا الهتلرية؟
بوندارينكو32
الأرقام موجودة في كتابي، لذلك لن أكررها. (خالد: نعم) إلا أن المهم في حركة البارتيزان أن الألمان لم يشعروا بالهدوء في أراضينا. لأن وجود خط الجبهة يجعل أي جيش يرتاح بين المعارك ويستجمع قواه. ( خالد: نعم) أما عندما تتغلغل فرق البارتيزان خلف خطوط الجبهة وهناك تقوم تفجير للسكك الحديدية والجسور وتوقف لوصول المواد الغذائية والذخيرة، يتم خلط الأوراق عند العدو وإحباط مخططاته. كل هذا أدى إلى التوتر وسط الجنود. إن مقدرة حركة البارتيزان على تفجير مبنى الإدارة الألمانية في مؤخرة الجيش الألماني في أوفوتشي، لدليل على نجاح حركتهم. البارتيزان لم يمنحوا الألمان أي راحة أو هدوء. وهذه العمليات كانت تعني الكثير لتحقيق النصر النهائي. كانت مساعدة كبيرة وفي أكثر العمليات أهمية.
خالد 33
أي أنها كانت ذات تأثير نفسي ودعائي.
بوندارينكو 33
كبير جدا!
خالد 34
في كل الأحوال، في نهاية الحلقة سأورد بعض الأرقام لنلخص حصيلة نشاط الإدارة الرابعة للمفوضية الشعبية للشؤون الداخلية حيث أدى الخدمة أليكسي بوتيان.
شكلت الإدارة 212 فرقة خاصة، 2222 مجموع عدد أفرادها العام 15000 شخص،. قتل في صفوف العدو في المواجهات القتالية 136130 جنديا وضابطا و87 ممثلا للقيادة الألمانية من مختلف المستويات و2045 عميلا ألمانيا ومتعاونا مع العدو. وتم تلغيم قرابة الخمسين ألف حقل كما دمر قرابة 1500 قطار يحمل معدات وقوات وذخيرة، إضافة إلى وقود ومواد غذائية، وتم تفجير 335 جسرا للسكك الحديدة والطرق السريعة ودمرت 51 طائرة و 21 دبابة مجنزرة، إضافة إلى 400 عمل تخريبي" أشدد على أن هذه فقط بيانات حصيلة عمل الإدارة الرابعة للمفوضية الشعبية لوزارة الداخلية.
بوندرينكو 34
هذا عمل فصائل البارتيزان. والآن لنبسط الأمور. خدم في ألوية المشاة الآلية طيلة فترة خدمتها 17000 شخص. هذا أقل من كتيبتين. وقتل هؤلاء الـ 17000 شخص حوالي 130000 جندي ألماني شكلوا تقريبا 10 كتائب. والآن أرني أي كتيبة تستطيع القضاء على 5 كتائب للعدو؟ ولا يفوتنا، أيضا، وجود فصائل البارتيزان التي تتبع إلى الاستخبارات العسكرية إلى جانب الإدارة الرابعة للمفوضية الشعبية لوزارة الداخلية، وفيها خدمت ناديجدا ترويان، التي قتلت زعيم الحزب النازي فيلهيلما كوبيه وحصلت على لقب بطلة الاتحاد السوفيتي. وكانت هنالك أيضا فصائل البارتيزان، التي شكلها السكان المحليين، إضافة إلى الفصائل التي شكلها القادة الحزبيون. كان عملا جبارا ونحن انتصرنا الحمد لله.