"ما تفعله الولايات المتحدة يكشف عن اعتلالها"

أخبار الصحافة

دونالد ترامب
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/j4is

نشرت صحيفة "أرغومينتي إي فاكتي" مقالا للمحلل السياسي الألماني ألكسندر رار، يتحدث فيه عن ردود الفعل الأوروبية على العقوبات الأمريكية.

كتب رار:

ألكسندر رار

عندما بدأت مشكلة شبه جزيرة القرم وملحمة أوكرانيا عام 2014، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات مشتركة على روسيا. وكان الهدف من تلك العقوبات إجبار موسكو على الكف عن دعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا. حينها لم يقل أحد أن الهدف من هذه العقوبات هو إضعاف روسيا أو تدمير اقتصادها، بل كان يُعتقد أنها ستخفَّف أو أنها ستلغى فور بدء عملية السلام في أوكرانيا.

وقد اختلف الأمر الآن. فألمانيا وفرنسا وبعض الدول الغربية الأخرى إلى جانب أن تكون العقوبات شكلا من أشكال الدبلوماسية. أما النخبة الأمريكية ودول أوروبا الشرقية التي تدعمها، فترى في العقوبات وسيلة للمساومة وحربا اقتصادية ضد روسيا لإضعافها. إذ لا أحد يريد الدخول في حرب فعلية مع روسيا بسبب القرم ودونباس. بيد أن العقوبات الجديدة قاسية جدا، وهي ليست ضد المشروعات الصناعية الروسية فقط، بل وضد الشركات الغربية التي تعمل في السوق الروسية. وهذه تُعّدُّ ضربة موجهة إلى صميم العلاقات بين الغرب وروسيا، وضد البلدان التي تدعو إلى توسيع التعاون مع روسيا.

وقد بدأت الآن مرحلة جديدة لأوروبا، حيث لم تعد تتمكن من التظاهر بأن شيئا لم يقع، والجلوس في انتظار النتائج. وسيكون عليها إما أن تكتم غيظها وتوافق على بقائها تابعة دائمة لواشنطن، أو أن تدافع عن حقها في انتهاج سياسة مستقلة، والابتعاد عن الولايات المتحدة وتحمل عواقب ذلك.

وبالطبع، من الصعب الوقوف بوجه واشنطن. فقد سبق أن قرر الاتحاد الأوروبي أن يكون اتخاذ أي قرار مصيري بالإجماع. وهذا الإجماع لن يحصل حاليا ما دامت 5-6 دول من بين أعضائه تقف مئة في المئة إلى جانب الولايات المتحدة. والحديث هنا يدور في الدرجة الأولى عن بولندا ودول البلطيق، التي تعتقد أن عضويتها في الناتو أهم من عضويتها في الاتحاد الأوروبي، ولا سيما أنها كانت دائما تبحث في الدرجة الأولى عن الحماية الأمريكية. كما أعتقد أن واشنطن ستضغط على بلغاريا ورومانيا أيضا، كما فعلت عندما قررت وقف مد أنبوب غاز "السيل الجنوبي"، حيث بإمكان أعضاء الكونغرس تهديد هذين البلدين وهم يمتلكون الأدوات اللازمة لذلك.

من هنا، فإن مشكلة كبيرة تواجهها ألمانيا، التي طمحت إلى أن تكون زعيمة لأوروبا الجديدة. ولكن عن أي زعامة يمكن الحديث في حال تركها شركاتها وشأنها؟ أي أن الحكومة الألمانية حاليا في موقف صعب جدا. فمن جانب يصعب كثيرا إقناع 28 دولة بمعارضة العقوبات الأمريكية، ولكن إذا لم يحصل هذا فإن برلين ستسجل عجزها.

إن ألمانيا وفرنسا ودولا أوروبية أخرى حاليا في حالة صدمة. فهي تدرك أن الولايات المتحدة لم تعد العم سام الطيب، الذي يدافع عن المصالح الغربية المشتركة. لقد أدركت هذه الدول أخيرا أن واشنطن تنتهج سياسة أنانية، دون أن تولي أي اهتمام لأوروبا. كما أصبح معلوما أن شركات أوروبية رائدة ستتضرر من هذه العقوبات مثل "سيمنس" و"دايملر كرايسلر"، اللتين تعملان في روسيا منذ عشرات السنين. وهذه الشركات ستتكبد خسائر ضخمة تبلغ مليارات اليوروهات إذا ما أوقفت نشاطها في روسيا.

هذا، ويقال إن واشنطن تهدف من وراء هذه العقوبات إلى إزاحة روسيا من سوق الغاز الأوروبية، لتحل محلها. لكن هذا ليس هدفا وحيدا. فباعتقادي أن الولايات المتحدة تهدف من وراء ذلك إلى:

أولا، إضعاف اقتصاد روسيا ومنعها من تنفيذ المشروعات الكبيرة. وثانيا، إزاحة روسيا من الأسواق الأوروبية. وثالثا، "تمدين" الرئيس ترامب لكي ينفذ كل ما يطلبه منه الكونغرس، ورابعا، ترويض الشركاء الأوروبيين الذين لديهم علاقات جيدة مع روسيا وفي مقدمتهم ألمانيا وفرنسا.

وإنني أعتقد أن تغيرات كثيرة غير متوقعة ستحدث في العالم. لأن ما يجري في واشنطن هو التوعك الصحي بعينه، وخاصة أن النخبة السياسية تؤمن بأن الكرملين نصَّب ترامب رئيسا في البيت الأبيض. ولذا، هم من جانب يحاولون عزله رغم انتخابه ديمقراطيا. ومن جانب آخر يحملون على أقرب حلفائهم في أوروبا.

وما دام هذا هو الواقع اليوم، فمن الصعوبة التنبؤ بسلوك واشنطن حاليا. والعالم يراقب باهتمام ما يجري على مسرح الولايات المتحدة، لأن مصير العالم مرتبط به.

ترجمة وإعداد كامل توما

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة