اتفاقية مكة وتعزيز ترابط الطاقة في الشرق الأوسط
من شأن اتفاقية الأمن الجماعي أن تعزز ثقة المستثمرين في الاستقرار طويل الأجل لمشاريع خطوط الأنابيب والنقل. دانيا عرايسي – ناشيونال إنترست
وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في يوم الجمعة 7 أغسطس 2026، اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والتي تعهدت فيها كل دولة من هذه الدول بأمن الدول الموقعة. وتأتي هذه الاتفاقية في وقت صعّدت فيه إيران هجماتها على دول الخليج، واستخدمت وكلاءها في العراق واليمن وسوريا ولبنان لتهديد مصالح الخليج والولايات المتحدة في المنطقة.
وتكمن أهمية هذه الاتفاقية في قدرتها على توفير الأمن والاستقرار لربط الطاقة الإقليمي. ومن بين هذه الإمكانيات، مبادرة البحار الأربعة، وهي مبادرة طاقة اقترحها معهد نيو لاينز، وتتمحور حول ممر طاقة وعبور بين سوريا وتركيا، لربط إمدادات الطاقة من دول الخليج والعراق وبحر قزوين بتركيا والأسواق الأوروبية. ويمكن لعائدات البنية التحتية أن تدعم إعادة إعمار سوريا، وترسّخ مكانتها في الاقتصاد الإقليمي الأوسع.
إن ميثاق مكة يُغيّر حسابات الجدوى الاقتصادية لمشروع أضخم يهدف إلى ربط مناطق اقتصادية رئيسية تربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. وتكتسب هذه المبادرة أهمية استراتيجية بالغة، لا سيما أنها تربط اقتصادات متعددة، بما فيها سوريا ودول الخليج، بالأسواق الأوروبية عبر تركيا.
وتعتمد مشاريع الربط الطموحة هذه على التعاون الإقليمي لضمان الأمن والاستقرار، مما يُعزز ثقة المستثمرين في خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الكهرباء. ويطمئن الإطار الأمني الذي يوفره ميثاق مكة أصحاب المصلحة بأن المسارات ستكون محمية، وأن المشروع سيصمد أمام التحديات الإقليمية.
إن قرار المستثمرين ببناء البنية التحتية اللازمة لمشروع البحار الأربعة ليس بالأمر الهين، لا سيما في الشرق الأوسط. ففي هذه المنطقة شديدة التقلب، يُعدّ الالتزام الأمني أمرا جوهريا. ويعود ذلك تحديدا إلى أن خط أنابيب يعبر حدودا متعددة، كما هو الحال عبر سوريا وتركيا، ويتطلب، إضافة للهندسة ورأس المال، نظاما سياسيا قويا بما يكفي لحماية الأصول، وحكومات مستعدة للدفاع عن بعضها، وقوى إقليمية واثقة من قدرة المشروع على الصمود أمام أي تغير في البيئة الأمنية.
وتُوفّر مبادرة البحار الأربعة الأساس الاقتصادي لهذا الربط الطاقي، بينما يُوفّر ميثاق مكة الالتزامات السياسية والعسكرية اللازمة لضمان جدوى المشروع في ظلّ التقلبات الإقليمية، معالجا مخاوف الجهات المعنية بشأن استدامته.
كما تساهم كل من الدول الثلاث الموقعة على ميثاق مكة بشكل مختلف في بناء الأمن والاستقرار، مبرهنة على التزامها بالثقة الإقليمية. وتُقدّم السعودية رأس المال والطاقة، فضلا عن فرص الاستثمار الخليجي. أما تركيا فتوفر بوابة العبور الرئيسية إلى أوروبا، إلى جانب القدرات الصناعية والعسكرية اللازمة لحماية الشبكة وتوسيعها. وتساهم باكستان بثقلها العسكري وعمقها الاستراتيجي، وعلاقة أمنية مع الرياض تتجاوز حدود الخليج.
لقد بدأت الدول الثلاث، مجتمعة، في بناء الركيزتين الأساسيتين اللتين يعتمد عليهما التكامل الإقليمي. وهما البنية التحتية لنقل الطاقة والسلع، والإطار الأمني للحفاظ على استمرار هذه الطرق. ولذلك فإن اتفاقية الدفاع مهمة لمقترح البحار الأربعة: فهي لا تقتصر على ردع الهجمات على الدول الموقعة الثلاث فحسب، بل تجعل إنشاء الممر الإقليمي الأوسع نطاقا أسهل تصورا كمشروع قابل للتمويل.
وتم تصميم مبادرة البحار الأربعة لتحقيق عدة مكاسب استراتيجية في آن واحد. فهي ستوفر لأوروبا مسارات طاقة إضافية، وتقلل اعتمادها على الإمدادات الروسية والإيرانية، وتفتح قناة جديدة للاستثمارات الخليجية، وتوفر لسوريا عائدات عبور، وتجعل تركيا حلقة الوصل المركزية بين عدة مناطق اقتصادية.
ويحدد المقترح 4 ممرات مترابطة ضرورية لإنجاز هذا المشروع؛ أولها ممر الخليج - البحر الأبيض المتوسط الذي ينقل الطاقة السعودية والإماراتية والكويتية عبر الأردن وسوريا. وثانيها إعادة تأهيل خط أنابيب العراق - سوريا الذي يربط كركوك بالبحر الأبيض المتوسط. وثالثا، ممر بحر قزوين - الأناضول الذي يربط الطاقة الأذربيجانية والتركمانية بتركيا وما وراءها. وأخيرا، تحديث خط أنابيب الغاز العربي الذي يربط مصر والأردن وسوريا وتركيا.
ولن يتم بناء هذه الممرات جميعها دفعة واحدة، ولا تزال المبادرة مجرد مقترح وليست مؤسسة عاملة. فهي لا تزال بحاجة إلى تحالف رسمي، وهيكل تمويلي، واتفاقيات قانونية، وضمانات سياسية، وخطط تنفيذ موثوقة. ولا يحلّ اتفاق مكة هذه المشاكل بمفرده، ولكنه يُحسّن الظروف التي تتيح حلّها.
كما سيتم تقييم أي مشروع يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا وتركيا، جزئيا، من منظور أمني. ويشير الاتفاق الجديد إلى استعداد الدول الرئيسية في المنطقة لتحمّل مسؤولية مشتركة عن آلية عمل البنية التحتية. كما يقدم الاتفاق للمستثمرين المحتملين ما لا توفره دراسات الجدوى الفنية وهو الدليل على أن الدول الأكثر استفادة من الممرّ مستعدة للدفاع عن البيئة الاستراتيجية المحيطة به. ويسهم هذا الجهد الجماعي في بناء الثقة بنجاح المشروع رغم التقلبات الإقليمية.
يعكس هذا الترتيب الناشئ أيضا تقسيما جديدا للعمل بين القوى الإقليمية. وتستخدم المملكة العربية السعودية مواردها المالية لتعزيز نفوذها بما يتجاوز شراء الأسلحة الأجنبية. فمن خلال رؤية 2030 وبرنامجها لتوطين الصناعات العسكرية، تسعى الرياض إلى تحويل الإنفاق الدفاعي إلى طاقة صناعية محلية.
ويتماشى هذا الطموح بطبيعة الحال مع إطار عمل البحار الأربعة، الذي يتطلب استثمارات طويلة الأجل في الطاقة والنقل والبناء والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. أما تركيا، فتضع نفسها في موقع محوري لا غنى عنه في هذا النظام، حيث يجعلها موقعها الجغرافي جسرا طبيعيا بين الشرق الأوسط والقوقاز وأوروبا. ويمنحها قطاع الصناعات الدفاعية في أنقرة مصدرا إضافياً للنفوذ، إذ لا تقتصر قدرة أنقرة على توفير البنية التحتية اللازمة للوصول والعبور فحسب، بل تشمل أيضا الطائرات المسيرة والصواريخ والإلكترونيات والطاقة الإنتاجية اللازمة لحماية النظام الناشئ.
وفي غضون ذلك، تعزز باكستان، من خلال وجودها، نطاق الميثاق في جنوب آسيا، مانحة الترتيب مصداقية عسكرية، ورابطة منظومة الأمن الخليجية بدولة تمتلك قوة مسلحة كبيرة، وردعا نوويا، وعلاقة استراتيجية متنامية مع المملكة العربية السعودية. وهذا ليس تحالفا قائما على تهديد عسكري واحد، بل هو بداية لاتفاق إقليمي أوسع نطاقا، تتضافر فيه جهود الدفاع والطاقة والتجارة والبنية التحتية. ويمثل الميثاق العسكري الركيزة الأمنية، بينما تمثل مبادرة البحار الأربعة الركيزة الاقتصادية. وإذا ما تطور هذان الجانبان معًا، فسيتبع ذلك التكامل الاقتصادي الإقليمي.
تُعد إيران القوة الأبرز التي تُستبعد من هذا الهيكل الناشئ، وهذا مقصود. فقد تم تصميم مبادرة البحار الأربعة لتقليل الاعتماد على الطرق والطاقة الإيرانية، بينما يهدف ميثاق مكة إلى جعل الإكراه ضد جيرانها أكثر تكلفة. وكلا المبادرة والاتفاق يقدمان للمنطقة بديلا عن مركزية إيران. وهذا لا يعني استبعاد إيران بشكل دائم لأن موقعها الجغرافي يجعل ذلك مستبعدا لأن إيران تقع في قلب المنطقة الأوسع، ولا يمكن تجاهلها ببساطة.
سيتطلب شرق أوسط مستقر ومتكامل في نهاية المطاف شكلا من أشكال التوافق مع طهران. لكن الشروط تتغير. وستواجه إيران بشكل متزايد خيارا بين المشاركة في نظام إقليمي لا تسيطر عليه، ومراقبة تطور هذا النظام من حولها. إذا أرادت طهران الوصول إلى طرق تجارية جديدة، وأسواق طاقة، وتدفقات استثمارية، فسيتعين عليها في نهاية المطاف إيجاد سبيل للتعاون. وإذا رفضت، سترتفع تكاليف الإقصاء مع تعميق دول الخليج وتركيا وجنوب آسيا لعلاقاتها.
هذه هي الأهمية الاستراتيجية لتحالف مكة إلى جانب مبادرة البحار الأربعة. فالسعودية وتركيا وباكستان لا تنتظر حلّ المعضلات الأمنية القديمة في المنطقة قبل بناء مستقبلها، بل تُشيّد أولا البنية الأمنية والاقتصادية، تاركة لإيران حرية الاختيار بين الانضمام إلى هذا النظام أو البقاء خارجه. ولذا، فإن الخطوة التالية هي التنفيذ، الذي يبدأ بتشكيل تحالف البحار الأربعة، وتوفير تمويل موثوق، وضمانات حكومية، وجدول زمني متفق عليه للممرات الأولى.
يوفر ميثاق مكة غطاء أمنيا لمبادرة البحار الأربعة، كما تمنح المبادرة الميثاق هدفا ماديا يتجاوز الردع. وكلاهما يمكنهما أن يشكلا أساسا لنظام إقليمي جديد، لا يقوم على الحماية الخارجية الدائمة، بل على نقل الطاقة ورؤوس الأموال والسلع عبر الحدود التي غالبا ما تُعامل كجبهات قتال.
المصدر: ناشيونال إنترست
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
التعليقات