ماذا اكتشفنا بعد 19 عاما من خطاب ميونيخ؟
بالأمس كانت الذكرى التاسعة عشر لخطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية في 10 فبراير 2007.
يعرف الخطاب بـ "خطاب بوتين في ميونيخ"، وقد شكل نقطة تحول في السياسة الخارجية الروسية. وقد عرض الرئيس بوتين في الخطاب بصراحة ووضوح شديدين موقف موسكو من قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني، وتمدد حلف "الناتو" شرقا، وإصلاح الأمم المتحدة، وهي القضايا التي لو كان "الشركاء" في الغرب قد أولوا لها اهتماما، واستمعوا إلى كلمات الرئيس بوتين لكان الوضع اليوم قد اختلف تماما.

روسيا تنتظر الأفعال لا الأقوال
وبدأ فلاديمير بوتين خطابه قائلا: "يتيح لي شكل هذا المؤتمر تجنب المجاملات المفرطة والحاجة إلى استخدام عبارات دبلوماسية منمقة ولطيفة، لكنها جوفاء".
أشار بوتين حينها، منذ 19 عاما بالتمام والكمال، إلى تراجع دور القانون في العلاقات الدولية (ولم تكن الولايات المتحدة قد قامت بضرب إيران، أو باغتيال الجنرال قاسم سليماني، أو اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته)، ونوه إلى استخدام القوة في انتهاك ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما حدث ولا زال يحدث حتى يومنا هذا، وتابع: "لا يجب أن نستبدل الأمم المتحدة بحلف (الناتو) أو (الاتحاد الأوروبي). فعندما توحد الأمم المتحدة قوى المجتمع الدولي حقا، وعندما نتخلص من هذا الاستهتار بالقانون الدولي، قد يتغير الوضع".
لكن شيئا من هذا لم يحدث، ولم يتغير الوضع الذي قال عنه بوتين آنذاك: "لقد تجاوز النظام القانوني لدولة واحدة هي الولايات المتحدة حدودها الوطنية في جميع المجالات: الاقتصادية والسياسية والإنسانية، ويفرض نفسه على دول أخرى"!
قال بوتين ذلك قبل أن تنزل نائبة وزير الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند إلى الميدان في انقلاب عام 2014 وسط العاصمة كييف، وقبل تدخل الولايات المتحدة السافر في شؤون الدول بالانقلابات والثورات الملونة، وما بليت به منطقتنا بعد ذلك التاريخ بأربع سنوات فقط.
وأبدى بوتين حينها قلقا بالغا إزاء "الإفراط في استخدام القوة في الشؤون الدولية"، وأكد أن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية فضلا عن استخدام القوة "لا يحل المشاكل، بل يفاقمها"، و"لا يسهم في نضوج الدول الديمقراطية الحقيقية، بل على العكس، يجعلها تابعة وبالتالي غير مستقرة سياسيا واقتصاديا".
النظام العالمي الجديد بالولايات المتحدة أو بدونها
وأكد بوتين، في 2007، أن ميثاق الأمم المتحدة هو "الآلية الوحيدة لاتخاذ القرارات بشأن استخدام القوة العسكرية كملاذ أخير"، مشيرا إلى أن بعض الدول تشارك بسهولة في عمليات عسكرية تفتقر إلى الشرعية، وانتقد منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى "أداة مبتذلة لضمان مصالح السياسة الخارجية لدولة أو مجموعة من الدول على حساب دول أخرى".
جاء ذلك قبل 7 سنوات من انقلاب أوكرانيا، ومن التدخل الأوروبي والأمريكي في كييف، وتنصيب النظام النازي هناك، وكل ما أسفر عنه ذلك من صراعات وانفصال وانفراط لعقد الدولة الأوكرانية الموحدة.
وقد ركز خطاب ميونيخ على العلاقة المتوترة بين روسيا و"الناتو"، حيث أعرب بوتين عن رأيه بأن توسع "الناتو" لا علاقة له بـ "تحديث الحلف" أو بـ "ضمان الأمن في أوروبا" وغيرها من الذرائع التي يسوقها الحلفاء الذين وعدوا يوما بأن "الناتو" لن يتمدد "بوصة واحدة شرقا".
وتابع بوتين: "إن نقل البنية التحتية العسكرية لحلف (الناتو) إلى جوار الحدود الروسية لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بما يسمى (التصدي للتهديدات العالمية)"، حيث أشار إلى أن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وقعا، ثمانينيات القرن الماضي، اتفاقية لإلغاء فئة كاملة من الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى (معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى لعام 1987 والتي انتهت صلاحيتها فقط عام 2019)، وأضاف: "لم تمنح هذه الوثيقة صلاحية عالمية، لذلك لا يزال عدد من الدول يمتلك هذه الصواريخ اليوم مثل كوريا الشمالية والجنوبية والهند وإيران وباكستان وإسرائيل".

روسيا وسوريا والحركة من "نقطة ميتة" إلى آفاق غير محدودة
ثم أشار فلاديمير بوتين إلى معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية لعام 1972 (والتي انسحبت منها الولايات المتحدة نهائيا عام 2002)، ووفقا للرئيس حينها فإن روسيا "مستعدة للرد بأسلحة قادرة على اختراق منظومات الدفاع الصاروخي المعادية، بنفس الكيفية التي يقال بها إن منظومة الدفاع الصاروخي (ليست موجهة ضد روسيا)".
ووفقا لبوتين آنذاك فإن إنشاء منظومة دفاع صاروخي لا يمثل تهديدا لروسيا فحسب، بل للعالم أجمع: "فلنفترض للحظة أنه في لحظة ما سيتم تحييد التهديد المحتمل من قواتنا النووية بشكل كامل، ما يعني أن التوازن العالمي سيختل، وسيشعر أحد الأطراف بأمان تام، ما يعني أنه سيتمتع بحرية التصرف ليس فقط في الصراعات المحلية، بل وربما الصراعات العالمية".
قال بوتين أيضا إن روسيا "تتلقى باستمرار (دروسا في الديمقراطية)، ولكن لسبب ما، فإن أولئك الذين يعلموننا لا يرغبون في التعلم بأنفسهم". وما أشبه اليوم بالبارحة، بينما نرى ما يحدث على الساحة الأوكرانية، وغيرها من الساحات التي أصبحت فيها مؤسسات "الديمقراطية" و"الحرية" ليست سوى حصان طروادة الذي تنفذ من خلاله الاستخبارات الأجنبية لزعزعة الاستقرار الداخلي للدول.
في ذلك الوقت، انتقد سياسيون غربيون خطاب الرئيس الروسي، و"لم يجدوا فيه فائدة تذكر"، واعتبروا الانتقادات الموجهة إليهم مجرد "إحياء للطموحات الروسية"، ومحاولة لإعادة تاريخ "الاتحاد السوفيتي"، وبسط "السيطرة الروسية" على الدول المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي المتفكك.
لكن خطاب ميونيخ اليوم، وكما نراه من واقع ما يحدث حولنا من أحداث، سواء على مستوى انتهاء اتفاقية "نيوستارت" منذ أيام، أو التصريحات الأمريكية المختلفة بهذا الصدد، أو الاستعداد لضربة إيرانية، أو فرض حصار خانق على كوبا، حتى أن طائرة روسية منذ يومين لم تتمكن من الإقلاع لـ 11 ساعة لانتظارها الوقود الذي ستتزود به، وغيرها، خطاب ميونيخ اليوم يؤكد الرؤية البعيدة للرئيس بوتين وقدرته على قراءة الأحداث السياسية وتوقع ما يحدث حينما ينفرط عقد الأمم المتحدة وتتوقف الدول عن الالتزام بالميثاق الذي كتب بدم ملايين الضحايا في الحرب العالمية الثانية.
يحاول الغرب التعامل مع روسيا من منطلق أنها "قوة إقليمية"، دون أن يدرك أنها قوة عظمى ورائدة في السياسة العالمية، وفرضت على العالم احترامها والاستماع إلى رؤاها، والكثير مما تحدث عنه الرئيس بوتين في 2007 أصبح حقيقة واقعة، ومأساة حقيقية يعاني منها العالم أجمع بسبب المعايير المزدوجة والقوالب النمطية الأيديولوجية والتكتلات العالمية وهيمنة القطب الواحد، وكل هذا يعيق التعاون والتكامل والبناء والمراكمة والاستفادة من الموارد المختلفة، ويحيل كل ذلك إلى صراعات ومنافسات ورغبة في الاستحواذ على الأراضي والموارد وفرض العقوبات والحصار والرسوم الجمركية.
لقد تطرقت دائما، على مدار السنوات الأخيرة إلى محتوى ذلك الخطاب، وذكرت في كتابي "السوفيت بين اليوم والغد"، الصادر عن دار "التقدم" عام 1987، أن روسيا تبادر بتغيير وانقاذ العالم من الصراعات الأيدلوجية وسباق التسلح، بينما كانت نوايا روسيا ولا زالت صادقة، بعد تفكك حلف وارسو، وعدم وجود أي سبب لوجود حلف "الناتو" الذي كان الغرض منه مواجهة حلف وارسو.
إلا أن الغرب ونزعته النيوليبرالية والرأسمالية الشرسة بزعامة الولايات المتحدة استمر في الخداع ومحاولات الهيمنة وتوهم أن تفكك الاتحاد السوفيتي كان بمثابة "انتصار" لقطب أوحد، وليس مؤشرا للتحول إلى عالم متعدد الأقطاب.
إن التحول إلى العالم متعدد الأقطاب عملية تاريخية موضوعية لن تستطيع أي إمبراطورية أيا كانت قوتها وسطوتها وإمكانياتها الوقوف أمامها. وهذا، فيما أظن، ما يؤمن به الرئيس بوتين اليوم بعد 19 عاما من خطابه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في 10 فبراير 2007.
الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
إقرأ المزيد
الفرصة التي اقترحها بوتين ضاعت والعالم منذ اليوم بلا ضوابط نووية!
انتهت رسميا في الخامس من فبراير عام 2026 المعاهدة الاستراتيجية الأخيرة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، المعروفة باسم "ستارت-3" أو "نيو ستارت".
سفير روسيا: بوتين وترامب أوعزا بجعل العلاقات الروسية الأمريكية "عظيمة مرة أخرى"
أكد السفير الروسي لدى الولايات المتحدة ألكسندر دارتشيف أن رئيسي روسيا والولايات المتحدة أصدرا تعليماتهما لدبلوماسييهما بجعل العلاقات الروسية الأمريكية "عظيمة مرة أخرى".
لافروف: زيلينسكي كان يتصرف كالمهرج بعد لقائه بوتين في 2019
صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن فلاديمير زيلينسكي كان "يتلوى كالمهرج" خلال حضوره المؤتمر الصحفي في باريس عام 2019 بعد محادثات مع قادة روسيا وفرنسا وألمانيا.
التعليقات