في عيدها الـ 75.. الأمم المتحدة الضمان الوحيد لاستقرار العالم
في الذكرى الـ 75 على تأسيس هيئة الأمم المتحدة، تظل الهيئة الهيكل الدولي الوحيد القادر على حماية الأمن والسلم والاستقرار على الكوكب.
وقد نص ميثاق هيئة الأمم المتحدة الذي تم التوقيع عليه في 26 يونيو عام 1945 على حفظ السلم والأمن الدولي، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وتحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا، والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء.
وأكد الميثاق في مادته الثانية على المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء، والالتزام بفض المنازعات الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر. كما يمتنع أعضاء الهيئة في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد "الأمم المتحدة".
وفي خطابه إلى الجمعية العامة بهذه المناسبة، أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على ارتباط حدثين على قدر عال من الأهمية، وهما انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأسيس هيئة الأمم المتحدة. فالإنسانية تجرّعت مرارة الحرب الكبرى، بل أكبر حرب في تاريخ البشرية، وقامت لتسطر بدماء القتلى والضحايا القواعد والقوانين التي يجب أن تسير عليها جميع الدول حتى لا تتكرر كارثة الحرب العالمية الثانية. لهذا السبب أشار بوتين إلى أهمية الالتزام بالقوانين والمعاهدات الدولية، وتجنب فرض الإرادات الخارجية على الدول ذات السيادة، واستخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية، واستخدام سلاح التهديد والوعيد والعقوبات الاقتصادية، لما في ذلك من خطر على الأمن والسلم الدوليين.
على الجانب الآخر، استمعنا إلى خطاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي تفاخر بإنفاق الولايات المتحدة الأمريكية 2.5 تريليون دولار على الجيش الأمريكي خلال السنوات الأربع الماضية، الذي أصبح "أقوى من أي وقت مضى"، وأضحى أقوى قوة عسكرية عرفها التاريخ، ووضع من بين إنجازاته التعدي على سيادة دول أخرى، بما في ذلك التهديد بالتدخل العسكري، والتدخل العسكري المباشر، واغتيال شخصيات على أراض دول ثالثة، لينتهي به المطاف إلى ما وصفه بـ "السلام من خلال القوة".
قبل ذلك اتهم الرئيس الأمريكي منظمة الصحة العالمية بأنها "تحت السيطرة الافتراضية" للصين، وأطلق على فيروس كورونا من جديد لفظ "الفيروس الصيني"، وأوصى بـ "معاقبة" الصين بسبب "فتحها الحدود لنشر الوباء حول العالم"!
ثم انتهى ترامب إلى أن "ازدهار الولايات المتحدة الأمريكية هو أساس الحرية والأمن في جميع أنحاء العالم"، مؤكدا على شعاره الانتخابي بوضع الولايات المتحدة فوق وقبل الجميع، وهو ما "يجب على الدول كافة أن تتبعه" على حد تعبيره، و"لا غضاضة في ذلك".
وعلى عكس ما اتسم به خطاب الرئيس بوتين من نبرة دولية هادئة، تخاطب بحق المجتمع الدولي، وتستنهض الضمير العالمي من أجل الاحتشاد جنبا إلى جنب في مجابهة المخاطر والأزمات التي تهدد عالم ما بعد الكورونا، اتسم خطاب ترامب بدغدغة المشاعر الأمريكية القومية المتعصبة، بحيث يحتار المرء ما إذا كان الرئيس الأمريكي يلقي خطبته أمام الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة أم يلقي خطبة حماسية أمام حشد من أنصاره في إحدى حملاته الانتخابية في ولاية أمريكية قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية.
لقد شدد بوتين، كما يشدد دائما وزير خارجيته، سيرغي لافروف، على أهمية امتثال جميع الدول بلا استثناء لميثاق هيئة الأمم المتحدة، وضرورة تسوية النزاعات بين الدول فقط بالوسائل السلمية ومن خلال المفاوضات، والتخلي عن سياسة التهديد واستخدام القوة، ودعا بوتين، كما يفعل دائما، إلى معالجة القضايا الدولية على نحو مشترك، بما في ذلك قضايا البيئة، وتحسين الرعاية الصحية، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين حول العالم، ومكافحة الفقر والبطالة. وأشار إلى ضرورة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وحظر نشر واستخدام أخطر أنواع الأسلحة بما في ذلك في الفضاء، وأن يكون ذلك تحت رقابة وسيطرة هيئة الأمم المتحدة.
لكن خطاب ترامب في المقابل امتلأ بمفردات "العقاب" و"الدمار" و"عدم التسامح مع"، دون أن يتطرق إلى ضرورة أن تحل مشاكل العالم على نحو مشترك، وأن تكون البلدان قادرة على الاستماع وتفهم بعضها البعض، وقبول الآخر، والتسامح. لم يعرج الرئيس الأمريكي على فكرة أن البشرية اليوم، وفي عصر التقدم التكنولوجي المذهل، الذي يعيشه العالم، تحتاج الحذر والرحمة أكثر من أي وقت مضى.
لمحنا كذلك في الخطاب الأمريكي الكثير من "المطالبات" الأمريكية تجاه الدول الأخرى، في الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة الأمريكية على لسان رئيسها أنها "رائدة في مجال حقوق الإنسان"، ولا تكتفي "الدولة الرائدة في حقوق الإنسان" و"القائدة للعالم" بوضع نفسها فوق قمة الدول جميعا، بل تتدخل بكل ثقة وصلافة في شؤون الدول الأخرى ذات السيادة، لتترك ورائها في تلك البلاد مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية يصعب التغلب عليها لعقود قادمة.
إن فيروس كورونا هو اختبار حقيقي للبشرية. لكنه اختبار حقيقي للدول أيضا، فلم تشهد البشرية من قبل خطرا، وجائحة بهذه الضخامة والاتساع، خاصة وقد سمحت وسائل النقل الحديثة بانتقال البشر والبضائع إلى أقصى بقاع الأرض ومعها انتقل الفيروس الخبيث. فهل يعقل بدلا من حشد الإمكانيات والموارد من أجل مجابهة التحدي الذي يؤكد لنا للمرة المليون أن مصير البشرية هو مصير مشترك، يتعين علينا أن نوجهه سويا، هل يعق أن نترك كل هذا لـ "نعاقب" الصين، التي كانت في طليعة الدول التي اكتوت بنار كورونا، وعانت ولا زالت تعاني من خسائر اقتصادية كبيرة، بعد أن منيت بخسائر بشرية جراء الجائحة؟
لكن الصين، وهذا هو لب القضية، هي المنافس الأقوى للولايات المتحدة الأمريكية في العديد من القطاعات، وفيروس كورونا ليس سوى ذريعة أمريكية مناسبة لإضعاف ذلك المنافس، واستخدام الخدعة الأمريكية المفضلة "العقوبات"، والمطالبة بتعويضات مالية ضخمة، وتقويض القوة الصينية.. هذا هو جوهر المصلحة الأمريكية.
هناك حالات إنسانية عامة يصبح فيها من غير المقبول إشباع الطموحات السياسية الشخصية على حساب المصلحة العامة للبشرية، خاصة إذا كنت ترأس أقوى دولة في العالم، و"رسول الديمقراطية والحرية والسلام"، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إما عاجز عن إدراك هذه الحقيقة، أو أنه فاقد للحد الأدنى من الإنسانية، وعلى استعداد لأن يضحي بأي شيء وكل شيء مقابل مستقبله السياسي، حتى ولو كان ذلك على حساب سمعة بلاده في العالم.
من بين ما قاله بوتين في خطابه: "نحتاج إلى إزالة العوائق أمام الشراكة قدر الإمكان في مجال الرعاية الصحية وكذلك في الاقتصاد، حيث يجب استخدام كل إمكانيات صناعة الأدوية الحديثة من أجل توفير الوصول المجاني إلى التطعيم لمواطني جميع الدول في المستقبل المنظور".
أليس من الأفضل هو التعاون الدولي حول العالم في مجال الطب الوبائي والوقائي، وتبادل المساعدات والخبرات؟ أليس ما تدعو إليه روسيا هو السعي للخروج من الأزمة سويا، بدلا من الانغلاق على الذات وإلقاء اللوم دوما على الآخرين في جميع مشاكلنا؟ أليس من الأفضل السعي لمستقبل مزدهر لجميع البلدان والشعوب بدلا من السعي لكي تكون أمريكا/روسيا/ألمانيا/أو أي دولة أخرى فوق الجميع؟
كما نرى، هذه مواقف مختلفة تجاه نفس المشكلة. بهذه المناسبة، عرض الرئيس الروسي تقديم اللقاح الروسي "سبوتنيك V" مجانا للتطعيم الطوعي لموظفي هيئة الأمم المتحدة وأقسامها الفرعية. أما ترامب فقد قال إن هناك 3 لقاحات يتم تطويرها، وهي في المراحل النهائية من التجارب السريرية في بلاده، ووعد بـ "الانتصار على الفيروس". أليس من الأفضل أن تخدم الولايات المتحدة الأمريكية العالم بإمكانياتها وقدراتها وتساعد بقية الدول بدلا من أن تتنافس معها؟
على صعيد آخر، انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادي من معاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، وتواصل في الوقت نفسه بناء قواعد عسكرية لحلف الناتو في دول أخرى حول الحدود الروسية. من جانبها، ومنذ العام الماضي، أعلنت روسيا وقفا طوعيا لنشر الصواريخ الأرضية متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا ودول أخرى، في الوقت الذي امتنعت فيه الولايات المتحدة الأمريكية عن إجراءات مشابهة. بل ولم يصدر أي رد فعل على مقترحات تقليص درجة العدوان من جانب الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفائها. من هنا يصبح وصف روسيا بـ "المعتدي" هو محض عبث إعلامي رخيص، وتصبح الدعاية ضد روسيا في عموم القارة الأوروبية تارة من خلال افتعال "مظاهرات عارمة" و"إضرابات عمالية واسعة" في بيلاروس، وتوجيه "ثورة ملونة" من بولندا، وتارة أخرى من خلال افتعال أزمة حول "تسميم المعارض نافالني" وعلاقة ذلك باستكمال مراحل بناء خط أنابيب "السيل الشمالي" ليست سوى محاولة لـ "تدمير عقول المواطنين الأوروبيين" وتصدير صورة "عدو وهمي" هو روسيا.
من بين ما يثير القلق أيضا هو انتهاء المعاهدة الروسية الأمريكية الخاصة بالأسلحة الهجومية الاستراتيجية، بينما توجد علامة استفهام كبيرة عما إذا كان الجانب الأمريكي سيوافق أو يرفض تمديدها، كما يحتاج ذلك التمديد أيضا، من بين أمور أخرى، إلى مساعدة هيئة الأمم المتحدة. خلاف ذلك يمكن أن ينذر عدم التمديد بعواقب وخيمة.
إن روسيا عبر تاريخها الطويل لم ولا تبادر بالعدوان على أي من الأمم، لكنها دائما تذود عن أراضيها وممتلكاتها، وتضحي في سبيل ذلك بالغالي والنفيس، والأمة الروسية أمة عريقة تدافع عن هويتها ووجودها بكل ما أوتيت من قوة. وفي معبر حديث الرئيس بوتين ووزير الخارجية لافروف كثيرا ما أكدا على تلك الحقائق التاريخية التي يبدو أن البعض يحب أن يتناساها مع مرور الوقت، فالاتحاد السوفيتي بكل جمهورياته التي كانت تشغل سدس مساحة الكرة الأرضية تكبد خسائر فادحة في الحرب العالمية الثانية، حتى ينال نصرا مستحقا، لا زال محفورا في أذهان الشعب الروسي وشعوب الجمهوريات السوفيتية بحروف من ذهب، فلا زال بعض المحاربين القدامى، وغيرهم ممن مات آباءهم وأجدادهم في الحرب على قيد الحياة، ويذكرون جميعا جيلا وراء جيل ويلات الحرب. لهذا فالروس يعرفون جيدا معنى الحرب، وليسوا بحاجة إلى حرب جديدة. لكن روسيا في الوقت نفسه، خرجت منتصرة من أغلب الحروب والصراعات التي خاضتها، لذلك فقد آن الأوان كي يفهم الجميع أن روسيا تلتزم بالفعل بطريق لا تحيد عنه، ولا يمكن إجبارها على الانحراف عنه، ولا تعتزم التخلي عن مهمة صانع السلام، لكنها في الوقت نفسه مثل أي دولة أخرى، يمكن أن تدفعها الضرورة إلى الانتقام، وهو أمر يفضل ألا يحدث أبدا.
ومع توسع حلف الناتو، ليس فقط في أوروبا، وإنما أيضا في دول عربية، يبدو أن الأشقاء العرب لا يدركون مغبة ذلك وخطورته، خاصة في ضوء حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد لا تمدد معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية مع روسيا. ولنا أن نتخيل ما إذا وجهت الولايات المتحدة لا قدر الله ضربة عسكرية لروسيا، بطبيعة الحال ستصبح جميع القواعد العسكرية الأمريكية أينما كانت حول العالم هدفا شرعيا لروسيا، لأنها مسألة تتعلق بالأمن القومي الروسي، وليست محل نقاش.
لهذا فإن وضع قواعد الناتو على أراضي دول عربية يعني استبدال الذهب بالهدوء، والسلام بالثراء الشخصي، والمصالح الشخصية للبعض فوق مصالح الشعوب وآفاق ازدهارها. لذلك يتعين على مواطني الدول التي تستضيف قواعد الناتو على أراضيها توخي الحذر الشديد، وفهم جوهر وعواقب وجود هذه القواعد على أراضي البلاد.
لقد حان الوقت لمراعاة مصالح البلدان المختلفة، والنظر إلى الاختلاف والتنوع في وجهات النظر، ومن هذا المنطلق أرى أن توسيع نطاق مجلس الأمن ليضم إلى جانب القوى النووية الخمس دائمة العضوية في المجلس، أعضاء جدد من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية على سبيل المثال، ربما يشجع ذلك الولايات المتحدة الأمريكية على النظر إلى العالم وفهمه على نطاق أوسع، بدلا من إعلاء المصالح الأمريكية الخاصة على بقية العالم. ربما يسهم ذلك في فتح أعين العالم على الفقر المدقع الذي تعيشه بعض البلدان، وربما يساعد في تجنب اتخاذ إجراءات أحادية مثل "قانون قيصر" في سوريا، الذي يزعم الأمريكيون أنهم يعاقبون من خلاله النخبة الحاكمة في البلاد، بينما الشعب السوري البسيط هو أول الواقعين تحت مفرمته.
يعاني العالم اليوم من الكثير من العمليات العسكرية حول العالم، والتي تتم خارج إطار القانون الدولي، بسبب أن قرارات مجلس الأمن الدولي لا تنفذ دائما. ففي ليبيا، على سبيل المثال، تم اعتماد القرار رقم 2510، الخاص بوقف إطلاق النار دون شروط مسبقة، والذي يتضمن سحب مجموعة المرتزقة من العسكريين بأكملها خارج البلاد. وكان موقف روسيا دائما ولا يزال مع وقف إطلاق النار غير المشروط وغير المحدود.
لا شك أن هناك نجاحات محدودة على الأرض، فقد توقفت الأعمال العدائية في ليبيا منذ عدة أسابيع، لكن من السابق لأوانه الخلود إلى الراحة والاطمئنان، فقد تكون هذه الهدنة هدوءا يسبق العاصفة. فحتى الآن لا زالت هناك مجموعات كثيرة مهتمة بتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، بسبب النفط في أغلب الأحوال. حيث تريد بعض الشركات بعينها الحصول على دخل من عائداته، بما في ذلك شركات مرتبطة بأشخاص مقربين من نخب فرنسا وبعض البلدان الأخرى. أي أن الجشع والطمع في التربح والمصالح الشخصية، تقع في مرتبة أعلى من السلام والأمن والرفاهية والرخاء للمواطن الليبي.
لقد أشرت من قبل إلى خطورة أن تصبح ليبيا بؤرة ومرتعا للإرهاب الدولي، لذلك فمن الضروري للغاية تأمين الهدنة هناك، وتهيئة الظروف لحوار جاد وبناء بين الأطراف المتحاربة. وهنا أيضا يصبح دور هيئة الأمم المتحدة حاسما، وبإمكانه أن يشرك البلدان التي تتمتع بعلاقات جيدة مع ليبيا في تسوية النزاع. وبالمناسبة، فإن موقف روسيا بهذا الشأن واضح، حيث تحرص على وحدة الأراضي الليبية، وعلى ذهاب كافة عائدات النفط لمصلحة الشعب الليبي كله.
في سوريا، تظل إدلب هي "البقعة الساخنة" المتبقية شمال البلاد، بعد تراكم عدد كبير من المسلحين هناك، وهو ما يشكل تهديدا كبيرا للمدنيين، لكن السلاح يتم نزعه والقضاء على الإرهابيين تدريجيا. أعتقد أن عملية القضاء على الإرهاب في الشرق الأوسط هي المهمة الأعقد والأكثر إلحاحا أمام العالم بأسره. لأن نمو الجماعات والأنشطة الإرهابية يؤثر على جميع الدول والشعوب بلا استثناء.
على الجانب الآخر، يعاود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، التأكيد على التزامه بسيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها وسلامة ووحدة أراضيها، وكذلك يذكر القرار بمقاصد ومبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة. وينص على أن حل الأزمة السورية لا يمكن ضمانه إلا استنادا إلى عملية سياسية شاملة يقوم بها السوريون أنفسهم، تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري، وقد ساعد اتفاق أستانا كثيرا في حل الأزمة.
إن حل الأزمة السورية يتلخص، فيما أرى، باعتماد دستور جديد للبلاد، تليه انتخابات نزيهة وشفافة لرئيس الجمهورية والبرلمان مع الحفاظ على شرعية الحكومة الحالية، حتى مع الوضع في الاعتبار أن الرئيس السوري، بشار الأسد، لم يعد يروق لكثيرين. كذلك يكمن الحل في القضاء التام على الجماعات الإرهابية، وما هو أهم من ذلك نهاية التدخل الخارجي في شؤون الشرق الأوسط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى. وهذا لا ينطبق فقط على سوريا، وإنما يتعداها إلى فلسطين، التي عرضت عليها الولايات المتحدة ما يسمى بـ "صفقة القرن" التي تعد تصفية علنية واضحة للقضية الفلسطينية، واعتداء صريحا على حقوق الشعب الفلسطيني لصالح المطامع الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة.
لكنني أشعر بارتياح لاستعداد روسيا تنظيم لقاء فلسطيني في موسكو، وأرحب بالمفهوم الروسي لإنشاء منظومة أمن جماعي في منطقة الخليج، فأمن البعض لا يمكن أن يختصم من أمن الآخرين، ولا يمكن ضمان الأمن من خلال تعريض الآخرين للخطر. وبقدر ما يبدو الأمر بديهيا، إلا أنه لا زال غير مفهوم لكثيرين.
إننا نرى مدى صعوبة التغلب على تبعات الصراعات والأعمال العدائية في أي منطقة حول العالم. وعلى الرغم من ذلك نجد الصراعات والاشتباكات تندلع في نقطة ساخنة وراء أخرى، مثل ما يحدث حاليا بالقرب من الحدود الروسية في منطقة قرة باغ الجبلية بين أرمينيا وأذربيجان. بينما تحاول أطراف عدة استغلال الموقف لصالحها، وتجري اتهامات مختلفة من بينها إرسال مقاتلين من سوريا عن طريق تركيا للمشاركة في القتال إلى جانب أذربيجان ضد أرمينيا. وهنا ينبغي الإشارة إلى الأجهزة الأمنية التي تسعى جاهدة لتنفيذ أجندات خبيثة، وإشعال الفتن في الشرق الأوسط، والإبقاء على حالة عدم الاستقرار فيه، وقد ساهمت تلك الأجهزة في نقل وتسليح وتدريب آلاف المقاتلين الأجانب والسوريين منذ عام 2011، وزجّهم في القتال للتخلص من النظام الحالي في سوريا. إنها نفس الأجهزة التي تسرب اليوم أنباء إرسال عشرات من هؤلاء المقاتلين إلى قرة باغ بهدف إحداث شرخ في العلاقات الروسية التركية، وتصديع محور أستانا، وإلغاء الجهود المشتركة لمجموعة أستانا بعد نجاحها في وقف إطلاق النار على كامل الأراضي السورية.
إن تجار وسماسرة السلاح وأمراء الحرب الموجودين في كل مكان حول العالم، ممن يستفيدون من أي وكل صراع، لا تعنيهم أي جوانب أخلاقية أو إنسانية في الصراعات، بقدر ما يهمهم ارتفاع قيمة أسهمهم في البورصات العالمية وحساباتهم في مصارف المرافئ الضريبية، لذلك يثير هؤلاء مباشرة أو من خلال وسطاء شرارة النزاعات العرقية والدينية بين الشعوب، ومع الأسف الشديد أتوقع أن تبقى قرة باغ الجبلية "بقعة ساخنة" وساحة للأعمال العدائية لفترة طويلة بكل ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة ومؤلمة على البشر والبنى التحتية والسلام والاستقرار الإقليمي.
على الرغم من وجود بعض المشاكل الهيكلية في هيئة الأمم المتحدة، إلا أنها تظل الضمان الوحيد للأمن والسلم حول العالم، ولا زالت الهيئة تتصدى للنزاعات الإقليمية، وتحافظ على "الهيكل الهش" للأمن العالمي، ولا يوجد لها بديل حتى الآن. وتحاول روسيا والصين وبعض الدول الأخرى قدر استطاعتها الحفاظ على مهمة الأمم المتحدة من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن والسلم الدوليين، وكذلك الحفاظ على عالم متعدد الأقطاب، لا يخضع لهيمنة أي من الدول الأعضاء.
رامي الشاعر
كاتب ومحلل سياسي
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
التعليقات