احتمال إلغاء "بريكست" سيجعل انهيار الاتحاد الأوروبي أكثر إيلاما

أخبار الصحافة

احتمال إلغاء
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ll0t

صوت أعضاء البرلمان البريطاني لصالح "الحياة الأبدية"، ولن يؤدي ذلك سوى إلى إطالة أمد العذاب الذاتي لبريطانيا وسيعجل بموت الاتحاد الأوروبي.

كما هو معلوم، فقد رفض البرلمان البريطاني في البداية الخروج من الاتحاد الأوروبي "البريكست" باتفاق مع بروكسل، ثم رفض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، ثم صوّت الآن لصالح منح هذا الانسداد مهلة إضافية.

يعاني المجتمع البريطاني ونخبه السياسية اليوم من انقسام حاد، بينما يبحث عن أفق للخروج من هذا المأزق السياسي المزعج، ويأتي ذلك في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات مطالبة باستفتاء ثان، يمكن أن تغيّر نتيجته "البريكست"، لكن لندن تتحرك بالقصور الذاتي، آملة في استمرار مفاوضات الخروج.

أما بروكسل، فترغب في إعطاء درس قاس ليس فقط لبريطانيا، وإنما لأي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تسول لها نفسها التفكير في الانفصال عن الاتحاد الأوروبي مستقبلا. لذلك فلا طائل من اعتماد لندن على أي درجة من الرأفة في موقف الاتحاد الأوروبي، الذي أعلن صراحة عن عدم استعداده للمضي قدما نحو أي تنازلات.

سوف يرحب الاتحاد الأوروبي، بطبيعة الحال، بإلغاء البريكست أكثر من عقد اتفاق بشأن خروج بريطانيا منه، لذلك فمن المرجح أن يوافق الاتحاد الأوروبي على مفاوضات جديدة، لكنه في الوقت نفسه سوف يحاول إفشالها، والتمسّك بمواقفه الصارمة في أكثر القضايا العالقة إثارة للجدل، وبذلك يستمر في طهو القدر البريطاني على نار هادئة، فيدفع بريطانيا لطلب مهلة إضافية، حتى ينضج القرار البريطاني بإلغاء "البريكست".

يبدو سيناريو الاستفتاء الثاني هو الأقرب للحدوث، لكن السؤال هو: هل يمكن تجنب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في المستقبل، وهل يمكن تجنب انهيار الاتحاد الأوروبي؟

إن إلغاء نتائج استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بالنسبة لبريطانيا التي تعتبر نفسها دولة ديمقراطية، وتؤكد للآخرين التزامها بذلك، ليس سوى علامة على انهيار النظام السياسي، وهو ما سيؤجج أزمة داخلية  طاحنة هناك.

بل إن الحضارة الغربية برمتها من الولايات المتحدة الأمريكية إلى بريطانيا، مرورا بفرنسا وكاتالونيا واليونان وإيطاليا تمرّ بأزمة. فلدينا انتخاب ترامب والحرب الأهلية المشتعلة بين الجمهوريين والديمقراطيين، السترات الصفراء في فرنسا، الحكومة اليسارية في اليونان، الانفصالية في كاتالونيا، صعود اليمين في ألمانيا، ونهاية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وليست تلك حوادث فردية منفصلة، وإنما هي أزمة وجودية عميقة للحضارة الغربية والنظام العالمي بشكل عام.

قسّم النظام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية الشعب الأمريكي وأصاب المؤسسات الحكومية الأمريكية بالشلل، ولن تكون تداعيات انهيار "البريكست" أقل صعوبة في بريطانيا، بل ولن تنتهي تلك الأزمة بمجرد استقالة حكومة تيريزا ماي، والدعوة لانتخابات مبكرة، بل على العكس، لن تكون تلك إلا بداية لأزمات أخرى. فقد رأينا خلال عملية التصويت كيف عجزت القوى السياسية عن إيجاد مقاربات وتسويات ترضي جميع الأطراف، بينما ينذر ميزان القوى السياسية الآن، بجعل عملية توحيد صف المجتمع البريطاني أمرا مستحيلا، وأصبح حجم وتعقيد القضايا مستعصيا على الحل.

إضافة إلى ذلك، فإن إلغاء "البريكست" سوف يتطلب من الحكومة تنازلات جدية تجاه المواطنين المخدوعين، من أجل الحفاظ على الاستقرار السياسي. أي أنه بعد إلغاء "البريكست" سوف يتعيّن على لندن أن تصارع بروكسل بشأن القضايا العالقة، بغرض إرضاء المواطنين البريطانيين، الذين صوتوا لصالح "البريكست". وهو الأمر الذي سيزيد من الاحتكاك بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وسيزيد من الأزمة العامة للاتحاد الأوروبي..

فمسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من عدمه سوف تؤدي إلى تعميق الأزمة السياسية الداخلية في بريطانيا. بل إن استطلاعات الرأي التي تشير إلى تغيير المزاج العام للبريطانيين لصالح الحفاظ على عضوية الاتحاد الأوروبي لا تمثل حقيقة راسخة، فذلك المشهد مرشح للتغير بعد ستة أشهر أو يزيد. حيث يميل اقتصاد العالمي وبخاصة اقتصاد الاتحاد الأوروبي إلى الركود، وهو المصير الذي ينتظر بريطانيا أيضا. وفي الأغلب سوف تزداد الحالة الاقتصادية بشكل عام تدهورا عقب إلغاء "البريكست"، وسوف يرى الشعب في ذلك الإلغاء سببا للتدهور. فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ استفتاء جديد؟ تعاقب للأزمات السياسية؟ سترات صفراء وفوضى في الشوارع؟ ربيع بريطاني؟

إن إلغاء "البريكست" لا يمكن أن يكون حلا للمشكلات الضخمة التي لا تواجه بريطانيا فحسب، وإنما تواجه الاتحاد الأوروبي والغرب بصفة عامة.

ومن بين تلك المشكلات تقدّم الصين، وتدفق موجات اللاجئين، والتغيّر العرقي للتركيبة السكانية، وفقدان القدرة التنافسية للاقتصاد الغربي، والدين الضخم المتعاظم بمعدلات جنونية، والتحديات التي تواجهها السيادة العالمية للولايات المتحدة من جانب روسيا، والحروب التجارية التي أشعلتها أزمة فائض الانتاج العالمي، وارتفاع أعمار مواطني الغرب وعدم المساواة والطبيعة المخلّقة للاتحاد الأوروبي وغيرها.

إننا نرى كيف تتضاعف المشكلات أمام الاتحاد الأوروبي عاما وراء عام، بينما تلحق بريطانيا بركب الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا من الدول التي تدخل حقبة عدم استقرار سياسي، وسوف تنضم للركب قريبا ألمانيا، وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي.

لقد تأسس الاتحاد الأوروبي هيكلا مخلّقا، حصلت فيه ألمانيا وعدد من الدول الأكثر تقدما دوما على نصيب الأسد، وكانت ولاءات الدول الأقل تقدما تشترى من خلال منحها قروضا ضخمة، وفّرت لها قفزة مفاجئة في مستوى المعيشة لعدد من السنوات. أما الآن فقد حان وقت سداد تلك الديون، بينما لا تمنح القروض الجديدة للجميع، فتتعاظم التناقضات داخل الاتحاد الأوروبي. إن النظام الاقتصادي للاتحاد الأوروبي يعزز من عدم المساواة، وهو ما يجعل من مسألة استمراره على هذا النحو أمرا صعبا. والأمر نفسه يمكن قوله بشأن نظام اتخاذ القرارات في الاتحاد الأوروبي، حيث نرى عجزا تاما عن مواجهة التحديات الخطيرة. كذلك يختفي الاتحاد الأوروبي تماما على مستوى الساحة العالمية، وكذلك الحال فيما يخص التحديات الداخلية، التي من بينها ضرورة الاتفاق مع بريطانيا إذا ما أرادت الخروج.

حتى وإن فشلت بريطانيا في الخروج من الاتحاد الأوروبي من المحاولة الأولى، فسوف تخرج منه عاجلا أو آجلا، وكذلك سيفعل أعضاء آخرون في الاتحاد. وإذا أجّلت لندن مؤقتا موعد خروجها، فلن يؤدي ذلك سوى إلى تعميق الأزمة الداخلية للاتحاد الأوروبي، وسوف يسرّع من عملية انهياره بالكامل. فالطريق إلى تسعينات القرن الماضي الهادئة بالنسبة للغرب لم يعد موجودا ولن يكون متاحا، فقد تغيّر العالم.

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة
موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

نقطة المراقبة التركية بإدلب.. كيف حاصرتها قوات الجيش السوري؟