على هامش الذاكرة: الإعلام السوري إلى أين؟

أخبار العالم العربي

على هامش الذاكرة: الإعلام السوري إلى أين؟العلم السوري
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/idzm

أعلن وزير الإعلام السوري رسميا، عبر محطة إذاعية سورية تبث عبر الإنترنت، قرار إغلاق قناة التلفزيون الأرضية وإذاعة صوت الشعب، معللا القرار بالحاجة لضغط النفقات.

ليس جديدا أن يتعرض الإعلام السوري الرسمي لانتكاسة، لكن الغريب والمستغرب على حد سواء، أن تتقلص مساحة حضوره وتغطيته باستهداف أكثر منابره عراقة زمنية ومهنية، ممثلة بـ "التلفزيون السوري"، أو مايعرف في الديار السورية بالقناة الأرضية، والتي تعرف في أروقة التلفزيون بقناة البرنامج العام، وبـ "إذاعة صوت الشعب"، المنبر الرديف لإذاعة دمشق التاريخية.

وبشهادة أهل الكار والمتابعين والمستمعين فقد شكلت إذاعة صوت الشعب، لما يقارب أربعة عقود، جسر تواصل بين مؤسسات الدولة السورية والمواطنين وربما يكون الأهم، أن هذه الإذاعة هي من ابتكر أسلوب البث المباشر على الهواء منذ حوالي ثلاثين سنة؛ لينتقل بعد سنين طويلة إلى الإذاعة الأم، إذاعة دمشق، فضلا عن رفدها للمنابر الإعلامية السورية بخبرات مميزة.

أما قناة التلفزيون الأرضية، فلها حكايات يمكن وصفها بحكايات المجد التليد، نظرا لتاريخ انطلاقتها عام 1960، مرورا بكوادرها الاستثنائيين، الذين تعاقبوا عليها إدارة ومهنية وحضورا، وليس انتهاء بدورها في مخاطبة الرأي العام المحلي عبر البرامج المنوعة، وما بثته من مسلسلات الزمن الجميل.

وقد ظل خبر إغلاق هذين المنبرين حديث الأوساط السورية، على مختلف مشاربها، لعدة أيام، حتى أعلن وزير الإعلام السوري رسميا، عبر محطة إذاعية سورية تبث عبر الإنترنت بشاشة صور ثابتة (سلايدات)، أنه تقرر رسميا إغلاق قناة التلفزيون الأرضية وإذاعة صوت الشعب، معللا القرار بالحاجة لضغط النفقات!!

أسئلة لا حدود لها، يوقظها قرار شطب أهم منبرين إعلاميين في عمق وجدان المتابعين والمهنيين، منها: هل فعلا ضغط النفقات هو الدافع الوحيد لإغلاق القناة الأرضية؟ إذا سلمنا بهذه الذريعة، فسرعان ما يقفز إلى الذهن جواب أكثر إقناعا، يتلخص بأن ثمة قنوات تلفزيونية حكومية سورية، عديدة تستحق الشطب، بل وملاحقة بعض الإدارات القائمة عليها، لأسباب متعددة، وتحديدا تلك التي تتخذ أسلوب تغطية موجه لشريحة بعينها.

ولكن، قد لاينطبق هذا الجواب على إذاعة صوت الشعب، إلا أن حيثياته تبقى حاضرة، أي أنه، إذا كان ضغط النفقات هو الدافع؛ فكيف يمكن فهم انتشار شبكة أخطبوطية لإذاعات تبث على موجة الإف إم الموجهة، والتي تم ويتم ترخيصها رسميا من قبل وزارة الإعلام السورية ؟؟

وهكذا، تبدو حكاية شطب هذين المنبرين غير مقنعة من حيث المبدأ، علاوة على أن الأسئلة الملحة الأخرى تتمحور حول توقيت القرار، بالنظر إلى ما يشهده البلد من ظروف عصيبة، وأقل ما يحتاجه هو والرأي العام، منابر إعلامية إضافية لمواجهة هذا الضخ الإعلامي الخارجي من جهة، واستحداث خطاب إعلامي مبتكر للجمهور السوري المحلي من جهة ثانية، فضلا عن الحاجة إلى تحويل عدد من القنوات الإذاعية والتلفزيونية المحلية، إلى بديل عن البث الفضائي، في حال تعرض الأخير للتعطيل بأي طريقة كانت.

وعلاوة على ما تقدم من أسئلة فإن الاستفهامات حول مصير العاملين في تلك المحطات يشغل بال الجميع، في ظل ظروف اقتصادية هي الأصعب في حياة السوريين. حيث لايختلف اثنان على أن الكثير من الكوادر العاملة في القطاع الإعلامي لم تعد قادرة على النهوض به، ومرد ذلك، كما يقول المراقبون، إلى غياب الخبرات المهنية والادارية المطلوبة، إضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها هذا القطاع، كغيره من قطاعات الدولة السورية، جراء الاستنزاف المستمر منذ ما يقارب 6 أعوام.

وفي المقابل لابد من تسليط الضوء على جانب حيوي ضمن أسباب ما آلت إليه أوضاع هذا القطاع، والتي تراكمت على مر سنين طويلة، سبقت أزمة البلاد الحالية، والمتمثلة بطريقة إنتقاء الكوادر، والمؤهلين لشغل مناصب إدارية أو مهنية، حيث تغلبت المحسوبيات والمصالح الخاصة على معظم المعايير المتعلقة بهذا الجانب، منذ أكثر من عقدين من الزمن، الأمر الذي أدى إلى واحد من أمرين؛ إما نزيف الخبرات وخروجها إلى منابر إعلامية خارجية و فضاءات مهنية أخرى، أو إبعاد ممنهج وتدريجي للمؤهلين، تحت مسميات وذرائع وأساليب مختلفة، ليتسنى للقادمين الجدد تعبئة الشواغر التي صار ينظر إليها على أنها فرص عمل، كغيرها من القطاعات، دون الأخذ بعين الاعتبار الخصوصية والمقومات الرئيسية للشخص الذي يمكن أن ينخرط في هذا المجال، وما يقتضيه العمل من شروط الإبداع والتميز والخبرات، ما تسبب باللامسؤولية، وبتراجع مستويات الإنتاج التي تبدو أحيانا بعيدة كل البعد عن جوهر الإعلام شكلا ومضمونا.

قد يكون هذا الكلام صرخة في واد سحيق، لكن الإشارات التي ينطوي عليها قرار شطب هذين المنبرين الإعلاميين المحليين، توحي بإخفاق شديد في معالجة جسد عليل كان بحاجة إلى خيارات مختلفة لمعالجته. 


المصدر: RT

عبد الحميد توفيق